الملكة والوحش ج1 حكايات شروق خالد

ليلة ما عرفت جريس إنها عمرها ما هتعرف تخلف، أبوها باعها قبل ما كاس الويسكي يثبت في إيده.
الحكاية بدأت في مطبخ بيتهم القديم في أرياف طنطا، تحت لمبة صفرا بتباير وترعش خلت كل حاجة شكلها يسد النفس—اللينوليوم المتشقق، وفواتير الديون المتطورة زي الكوتشينة على الترابيزة، والبقعة البني في السقف اللي المطر دايماً بيلاقي طريقه منها. جريس كانت لسه لابسة حظاظة المستشفى في إيدها، حتى مالحقتش تقعلع بالطو بتاعها.
أمها، إلهام، كانت واقفة عند الحوض وساندة بإيديها الاتنين على الرخامة، وبتبص لجريس كأنها جايبة مصيبة معاها البيت.
إلهام همست: “قولي تاني كده؟”
جريس بلعت ريقها، وطعم بقها كان مر زي الحديد: “دكتور نبيل قال إن العيب دايم. تليف شديد وفشل مبكر في المبايض. أنا مش هقدر…” صوتها اتشرخ: “مش هقدر أجيب عيال.”
لمدة تلت ثواني، ماحدش اتهز من مكانه.
وبعدين أبوها ضحك.
ماكانتش ضحكة فرحة خالص. طلعت قصيرة ومقرفة، زي حاجة بتتكسر تحت الضغط. وجيه زق الكرسي لورا بعنف لدرجة إنه رزع في الحيطة. وشه دايماً كان قاسي، محفور فيه تجاعيد القمار، والشرب الرخيص، وعمر كامل من لوم الناس على خيبته. بس دلوقتي وشه اتقلب لحاجة جريس عمرها ما شافتها فيه قبل كده. مش حزن، ولا خيبة أمل.
كان رعب.
همس وهو بيتنفس بصعوبة: “يا غبية.”
جريس بربشت بعينيها: “بابا؟”
راح ضارب ملف الأشعة والتحاليل من إيدها. الورق طار في الأرض زي الطيور المذعورة. إلهام خبت بقها بإيدها، بس جريس شافت عيون أمها. ماكانش فيها شفقة ولا حب. كان فيها حسابات.
وجيه قال وصوته بيعلى: “أنتِ فاهمة أنتِ عملتي إيه؟ كريم مراد كان عايز مرآة تجيب له صبيان. صبيان يا جريس. ده كان الاتفاق.”
جريس حست الأوضة بتلف بيها. كريم مراد ماكانش خطيبها عشان بتحبه، ده كان دين متمثل في راجل ببدلة. وجيه كان مديون لرجالة في المنصورة، وبعدين القاهرة، وفي الآخر لعيلة مراد، ودول ناس ما بيبعتوش جوابات تذكير محترمة. لشهور، وجيه كان بيوعد جريس إن جوازها من كريم هو اللي “هينقذ العيلة”. كان بيقولها وكأن بيع بنته مش فارق عن رهن البيت.
جريس همست: “أنا عمري ما عوزت كريم.”
قلم إلهام نزل على وش جريس بسرعة خليتها تشوف الدنيا بيضا.
أمها فحت في وشها: “يا أنانية يا جزمة. أنتِ فاكرة الموضوع عن أنتِ عايزة إيه؟ أبوكي مديون بأكتر من عشرين مليون جنيه. كريم كان هيمسح كل ده عشان أنتِ كنتِ هتبقي نافعة.”
نافعة.
الكلمة وجعتها أكتر من القلم.
جريس لمست خدها اللي بيولع: “أنا بنتكوا.”
وجيه قرب منها لدرجة إنها شمت ريحة الشرب في نفسه: “الليلة دي، أنتِ مشكلة.”
على نص الليل، جريس كانت محبوسة في أوضتها القديمة.
قعدت على الأرض وضمت ركبها لصدرها، وبتسمع أبوها وأمها تحت. في الأول، إلهام كانت بتعيط، ووجيه بيزعق. بعدين الزعق وقف، وبدأت تليفونات.
وجيه كان بيقول من ورا الخشب: “لا، هي سليمة في كل حاجة تانية. خمسة وعشرين سنة. حلوة. هادية. ومابتجيبش مشاكل.”
جريس اتجمدت.
مكالمة تانية.
“عارف إن مراد مش هيمشي فيها دلوقتي. عشان كده بكلمك أنت.”
تانية.
“أكيد فيه مشترين مش فارق معاهم الخلفة.”
جريس حطت إيديها الاتنين على بقها.
الساعة تلاتة الفجر، باب الأوضة اتفتح. إلهام دخلت وشايلة فستان أسود جريس عمرها ما شافته قبل كده. ستان، غالي، ومكشوف قوي من قدام.
“البسي ده.”
جريس تنحت لها: “واخديني فين؟”
إلهام ما رضيتش تيجي عينها في عينها: “مكان أبوكي يصلح فيه اللي أنتِ بوظتيه.”
جريس رجعت لورا: “ماما، أرجوكي.”
وش إلهام اتهز لثانية واحدة، شكلها كان بني آدم تقريباً. بعدين نشف تاني: “ماتخليش الليلة دي تظلم أكتر من كده.”
بعد ساعتين، جريس كانت واقفة ورا ستارة قطيفة في قاعة في بدروم قصر خاص بره إسكندرية. رجالة كانت بتضحك ورا الستارة. مش رجالة طبيعيين. رجالة بحراس شخصيين. رجالة بساعات ألماظ وعيون ميتة. رجالة فلوسهم ريحتها دم.
أبوها كان واقف قريب بيظبط كرافتته.
جريس همست: “بابا، ما تعملش كده.”
وجيه بص لها بغضب غريب ومجروح، كأنها خانته عشان خايفة: “أنا اللي ربيتك. وأكلتك. وعيشتك تحت سقف.”
“أنت خسرت السقف ده على طرابيزات القمار.”
إيده اتمدت وقفشت دراعها: “أنتِ مديونة لي.”
قبل ما تلحق ترد، الستارة اتفتحت.
كشاف أبيض قوي عماها. حد زقها لقدام، وجريس اتكعبلت وطلعت على مسرح واطي في أول القاعة. الناس سكتت فجأة بطريقة خلت شعر جسمها يقف.
الراجل اللي ماسك المزاد كان لابس بدلة سموكن ومبتسم زي الشيخ في الجنازة.
قال في الميكروفون: “يا غوايش، العرض الأخير بتاعنا الليلة دي جاي بكل صراحة وأوراق مكشوفة من أهلها. جريس وجيه. خمسة وعشرين سنة. مالهاش أي سوابق. ولا إدمان. ما اتجوزتش قبل كده. ومثبت طبياً إنها مابتخلفش.”
الكلمة شقت القاعة. مابتخلفش.
جريس سمعت كام راجل بيضحكوا ضحكة خبيثة.
الراجل كمل: “أهلها بيضمنوا لكم إن مافيش أي ريسك للحمل. صفقة نضيفة. هنبدأ المزاد باثنين مليون.”
جريس دورت بعينيها وسط الزحمة ولمحت أبوها وأمها واقفين ورا عند الحيطة. إلهام كانت باصة في الأرض، ووجيه كان باصص على اللي بيعلقوا السعر.
باصص على الفلوس.
راجل في أول صف رفع صباعين. كان شعره شايب، وعنده سنة دهب، وابتسامة خلت جريس تمنع نفسها بالعافية إنها تجري لحد ما نفسها ينقطع.
قال: “تلاتة مليون.”
الهمس بدأ يلف الأوضة: “ده منصور الديب.”
جريس كانت عارفة الاسم ده. كل اللي شغالين في السوق السوداء وتحت الأرض في البلد عارفينه. منصور الديب بيشتري البني آدمين زي ما الناس بتشتري خيل السبق. والكلام كان بيقول إنه لما بيزهق، البني آدمين دول بيختفوا.
واحد تاني زعق: “خمسة مليون.”
منصور رد عليه في ثانية: “سبعة.”
ركب جريس سابت.
بتاع المزاد رفع الشاكوش: “حد بيقول تمنية؟”
منصور قال وهو بيرجع لورا بابتسامة كسلانة: “عشرة مليون. بلاش لف ودوران.”
القاعة هديت. ماحدش كان عايز يقف في وش منصور الديب.
الشاكوش اترفع.
وفجأة صوت اتكلم من الضلمة اللي عند الأبواب الورانية.
“أربعين مليون.”
ماكانش عالي. وماكانش محتاج يعلى.
المكان هسس لدرجة إن جريس كانت سامعة دقات قلبها.
راجل خطى وطلع في النور. طويل. عريض المنكبين. بدلة غامقة. شعره أسود ومأصل بفضة عند الجناب. وش منحوت من الحزن والشدة. عيونه كانت رمادي باهت، باردة لدرجة تخلي رجالة بشنبات تبص في الأرض.
حد همس: “ده مراد الألفي.”
وصوت تاني رد عليه: “كبير القاهرة.”
جريس كانت سمعت الاسم ده كمان. مراد الألفي، الراجل اللي مراته ماتت في تفجير عربية كان مقصود هو بيه، وبعدها حرق تلت عائلات منافسة لحد ما بقوا تراب.
وش منصور الديب قلب أبيض.
بتاع المزاد بلع ريقه: “أربعين مليون من مراد بيه. حد هيزود؟”
ماحدش اتهز.
الشاكوش نزل.
“مباع.”
جريس ما صرختش. وما أغمى عليهاش. هي بس فضلت تبص لمراد الألفي وهو ماشي ناحيتها، وبتسأل نفسها يا ترى الراجل ده أنقذها من وحش ولا طلع هو الوحش الأخير.
ولما وقف قدامها بالظبط، قال أغرب حاجة سمعتها في حياتها.
“أنا ما اشتريتكيش عشان أنتِ حلوة يا آنسة جريس.”
نفس جريس كان بيرعش.
قالها: “أنا اشتريتك عشان أنتِ مش هتعرفي تجيب لي عيال.”

حكايات شروق خالد

مراد الألفي فضل واقف مكانه، باصص لها بعيون خالية من أي مشاعر، كأنها مش بني آدمة واقفة قدامه، بل صفقة أو قطعة شطرنج حطها في مكانها الصح.
مسك دراعها خفيف، مش بعنف زي أبوها، بس بقوة خلتها تعرف إن الهروب مش اختيار. شدها وراه وخرجوا من الباب الوراني للقاعة. الهواء الساقع بتاع الفجر ضرب وشها، وجريس لسه مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. بره كان فيه عربيتين مرسيدس سود اتقلبوا حراسة، ورجالة ببدل واقفين زي الأصنام.
واحد من الحراس فتح الباب الوراني، ومراد شاور لها تدخل. قعدت وهي بتترعش، ودخل قعد جنبها، والمسافة بينهم كانت كفيل إنها تشم ريحة برفيوم غالي مخلوط بريحة سجاير ومطر.
العربية مشيت في هدوء قاتل. جريس لفت وشها وبصت له، وبصوت مهزوز سألت: “يعني إيه؟ يعني إيه اشتريتني عشان مابخلفش؟”
مراد ما بصش لها، فضلت عينه على الطريق وهو بيولع سيجارة: “أنا عندي أربع عيال من مراتي الله يرحمها. أكبرهم عنده حداشر سنة، وأصغرهم تلات سنين. العيلة عندي مش ناقصة لورثة، ولا ناقصة ست تدخل تطمع في ممتلكاتي وتجيب عيل يقاسم ولادي في اللي هسيبهولهم.”
نفخ الدخان بره الشباك وكمل بصوت أبح: “السوق كله كان بيدور على واحدة زيك. عيلة الألفي محتاجة ست تدير البيت، تظهر معايا في المناسبات، وتراعي الولاد… ومن غير ما يكون عندها أمل في يوم من الأيام إنها تعمل عيلة خاصة بيها على حساب ولادي. أنتِ بالنسبة لي الحل المثالي.”
الكلمات نزلت عليها زي المية الساقعة. في نفس الليلة، اتعلمت إن عيبها الطبي اللي كسر قلبها وخلى عيلتها تبيعها، هو نفسه السبب اللي خلاها تسوى أربعين مليون جنيه عند أكبر راس في البلد.
بعد ساعتين، العربية دخلت من بوابات حديد ضخمة لفيلا عملاقة في حتة راقية في القاهرة. المكان كان هادي جداً، والشجر محاوطه من كل ناحية.
أول ما دخلوا من الباب الرئيسي، جريس شافت أربع عيال واقفين على السلم الداخلي. الكبير كان باصص لها بنظرة شك وعداوة واضحة، والصغيرين كانوا بيستخبوا ورا أخوهم الكبير وخايفين.
مراد وقف وبص للعيال، وبعدين بص لجريس: “دول ولادي. من أول دقيقة هنا، أنتِ هتبقي مسؤولة عنهم. ليكي كل الاحترام، وكل طلباتك مجابة، بشرط واحد… ولادي خط أحمر.”
شاور لخدامة وطلب منها تاخد جريس لأوضتها عشان ترتاح.
في الأيام اللي بعد كده، جريس بدأت تتأقلم. ماكانتش بتشوف مراد كتير؛ كان دايماً مشغول في “شغله”، بس سابهالها حرية التصرف في البيت. بدأت تقرب من العيال. الذكاء والحنان اللي جواها خلوا الصغيرين يلقطوا معاها بسرعة. بدأت تذاكر لهم، تلعب معاهم، وتحميهم من برود وتكشيرة أبوهم اللي دايماً مسيطرة على البيت.
حتى الولد الكبير، يوسف، اللي كان رافضها تماماً، بدأ يلين لما شافها في يوم واقفة في وش أبوه وبتزعق عشان مراد عاقب يوسف بقسوة على غلطة صغيرة في المدرسة. جريس وقفت زي الأسد وعليت صوتها على مراد الألفي اللي البلد كلها بتخاف منه، وقالت له: “دول عيال مش رجالة عصابات! محتاجين أب مش قائد جيش!”
يومها مراد ما ردش، بس بص لها بنظرة غريبة… نظرة فيها احترام مكنش موجود قبل كده.
بعد ست شهور، الدنيا اتقلبت.
وجيه وإلهام، أبو جريس وأمها، افتكروا إن بنعتهم بقت “هانم” ومرآة “كبير القاهرة”. الفلوس اللي مراد دفعها لهم خلصت في القمار والديون القديمة، وطمعهم عمى عينيهم.
في ليلة من ليالي الشتا، مراد كان عازم شخصيات مهمة ورجال أعمال في بيته عشان حفلة عمل كبيرة. جريس كانت واقفة لابسة فستان شيك جداً، وواقفة جنب مراد بتستقبل الضيوف كأنها ملكة. وفجأة، الباب اتفتح، ودخل وجيه وإلهام.
الأمن حاول يمنعهم، بس وجيه زعق بعلو صوته: “أنا عايز أشوف بنتي! سيبوني! أنا حما مراد الألفي!”
القاعة كلها سكتت. الناس بدأت تتوشوش.
وجيه مشي بثقة لغاية ما وقف قدام مراد وجريس، وبص لجريس بابتسامة صفرا: “عاش من شافك يا بنتي… بقى تسيبيني أنا وأمك نتبهدل وأنتِ عايشة في العز ده كله؟” وبص لمراد وقال: “جرى إيه يا جوز بنتي؟ مش كفاية أخدتها برخص التراب وهي مابتخلفش؟ أنت عارف لو كنا صبرنا عليها شوية كنا بعناها بكام؟”
الناس في الحفلة شهقت. السر اللي مكنش حد يعرفه اتقال قدام مجتمع القاهرة كله. وجيه كان فاكر إنه بيكسر جريس عشان مراد يرميها أو يدفع له فلوس عشان يسكت. إلهام كانت واقفة وراه بتبص لجريس بنظرة شماتة، مستنية البنت تقع وتعيط زي زمان في مطبخ طنطا.
جريس جسمها اتشد، وحست بالوجع القديم بيصحى.
لكن قبل ما تنزل دمعة واحدة من عينها، مراد الألفي خطى خطوة لقدام. حط إيده على وسط جريس وضمها ليه في وسط الناس كلها.
بص لوجيه بعيون زي الموس، وصوته نزل هادي ومرعب خلى قشعريرة تمشي في الصالة: “أنت بتقول مين اللي باع ومين اللي اشترى؟”
وجيه بلع ريقه وفقد شوية من ثقته: “أنا… أنا قصدي…”
مراد قاطعه بصوت حاد كأنه طلقة: “أنت بعت بنتك عشان وساختك وقمارك. وأنا مشتريتهاش… أنا فديتها من قرفكوا. جريس مش مكسورة، جريس هي الست اللي لمت بيتي وربت ولادي وبقت هانم الألفي. والظاهر إنك نسيت المليون والاتنين مليون بتوعك دول هنا بيتعمل بيهم إيه.”
شاور لرجالته، وفي ثانية، أربعة من الحراس الضخام حوطوا وجيه وإلهام.
مراد قرب من وجيه وهمس في وشه عشان الكل يسمع: “لو رجلكوا عتبت باب الفيلا دي تاني، أو اسم جريس جه على لسانكوا… مش هتدخلوا سجن. هخفيكوا من على وش الأرض، وأظن إنت عارف أنا أقدر أعمل إيه كويس.”
إلهام بدأت تترعش وتعيط، ووجيه وشه بقى زي الجثة. الرجالة سحبوهم من قفاهم بره الفيلا قدام عيون كل الحاضرين اللي كانوا بيبصوا لهم بقرف.
مراد لف وبص لجريس قدام الناس كلها، مسك إيدها وباسها برقة مكنش حد يتخيل إنها موجودة في راجل زيه، وقال بصوت مسموع: “نورتي بيتي يا هانم.”
في اللحظة دي، جريس بصت في عيون مراد الرمادي، وعرفت إنها مش ناقصة، وإن عيلتها اللي افتكرت إنها كسرتها، خلتها تلاقي الراجل اللي يشوف عيبها… هو أعظم ميزاتها.

الملكة والوحش ج1
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *