قلادة العوض ج1 حكايات شروق خالد
“الحقنا يا شريف! الناس بتوع الديون واقفين بره على الباب وعايزين ميت ألف جنيه حالا وإلا هيحبسوك!” لما رفضت أتدخل، شريف عريسي مسك القلادة اللي أمي الله يرحمها سيبهالي، وشدها من رقبتي بكل غل ورماها ليهم. الدم جرى على جلدي وأنا بقع على الأرض من الصدمة والوجع. في اللحظة دي، راجل أعمال من الضيوف المليارديرات وقف، وقرب مني، ولم حجابتي من على الأرض وقال بصوت زلزل القاعة: “مفيش مخلوق يلمس عيلتي ويفلت بعملته.”
أنا كبرت في دار أيتام. الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا ومن ريحة أمي كانت قلادة ياقوت قديمة، هي اللي لبستهالي بإيدها قبل ما تموت وتفارقني. لما شريف —الوريث الوسيم لعيلة السيوفي بتاعة العقارات— طلب إيدي للزواج، افتكرت إن ربنا عوضني وأخيراً لقيت العيلة السند اللي عشت عمري كله بدور عليها.
مكنتش أعرف إن عيلته غرقانة في ديون وقمار من ورا الناس.
ولا كنت أعرف إنه اختارني بالذات لمجرد إني بنت يتيمة ومقطوعة من شجرة، فاكر إنه هيعرف يكسرني ويتحكم فيا بسهولة.
بس عند التربيزة، وقدام ميتين فرد من المعازيم، القناع بتاعه وقع أخيراً.
اسمي فريدة. كبرت وأنا بتنقل من دار رعاية للتانية، شايلة كل دنيتي في شنطة قماش واحدة. الحاجة الوحيدة اللي عمرها ما فارقتني كانت القلادة الياقوت اللي في رقبتي. أمي ربطتها هناك وأنا لسه طفلة صغيرة وهمست في ودني: “مهما حصل يا بنتي، إياكي تفرطي فيها.” وماتت بعدها بكام أسبوع. محدش في الدار قالي القلادة دي جاية منين، كنت عارفة بس إنها قديمة، وشغلها غالي جداً، ومش ممكن تتقدر بتمن لأنها ريحة أمي اللي باقية.
لما دخل شريف حياتي، قولت الحظ ضحكلي. كان شيك، ومهتم بيا، وعنده صبر الدنيا. كان يبعتلي ورد لمكتبي، وفاكر أدق التفاصيل اللي بقولها، وعمره ما حسسني بنقص إني كبرت من غير أهل. أو ده اللي كنت مخدوعة فيه.
أمه، «مدام ناهد»، كانت حاجة تانية خالص. تبتسم في الوش قدام الناس، بس كلامها كله سم مبطن وإهانات. كانت تقولي: “بالنسبة لوحدة طالعة من خلفيتك، أنتِ اتعلمتي مظهر كويس”، أو تقولي: “شريف ابني طول عمره قلبه كبير وبيحن على الغلابة”. كنت بعمل نفسي مش واخدة بالي عشان شريف كان دايماً بيصالحني بعدها ويقولي: “ست قديمة وتفكيرها على قدها، اديها وقتها”. وصدقته.
الفرح كان في قاعة فخمة جداً في فندق شهير على النيل، مليانة بقرابة 200 ضيف من أكبر عائلات ومستثمري البلد. النجف الكريستال كان عاكس على الأرض الرخام، والمزيكا كانت شغال هادية وأنا داخلة القاعة. ولأول مرة في حياتي، حسيت إن ليا مكان بنتمي ليه بجد.
المراسم كانت لسه بتبدأ لما تليفون شريف اتهز جوه الجاكيت. وشه اتكرمش، وبص للشاشة والدم هرب من عروقه وإيده بدأت تترعش. همستله: “في إيه؟” مردش عليا. التليفون رن تاني وتالت، والرسائل نازلة ورا بعض. أنفاسه بقت سريعة ومجنونة. مكنتش أعرف إن كل ديون القمار بتاعة عيلته ميعاد سدادها كان الصبح ده، وإن الدائنين واقفين بره الفندق وبيطالبوا بالفلوس كاش فورا.
شفت الرعب وهو بيمسح كل الوش الطيب اللي في عينه. وفجأة، ومن غير أي مقدمات، مد إيده وقفش في القلادة اللي في رقبتي بكل قوته.
— “أنت بتعمل إيه؟”
مكملتش الجملة وكان شدها بعنف رهيب. السلسلة الذهب اتقطعت، والروابط المكسورة حتت رقبتي وهي بتتشال. فقدت توازني ووقعت على الأرض الرخام الساقعة، وفستان الفرح اتلوى تحتيا وحسيت بوجع صاعق في كتفي، وخط دم رفيع بدأ يسيل من رقبتي على الفستان الأبيض.
شريف مبصليش أصلاً. خطف القلادة ورماها لأمه وزعق: “خدي بيعيها فوراً! دي هتغطي على الأقل فوائد المبلغ لغاية ما نتصرف”. ناهد لقطتها من الهوا بلهفة. وبدل ما تمد إيدها تسندني، ضحكت بامتياز. وأنا مرمية على الأرض، كنت ببص للحاجة الوحيدة اللي سبتهالي أمي وهي بتتمرجح في إيد حماتي.
همست بدموع: “شريف…”
#حكايات_شروق_خالد
بصلي بقرف وحقارة كاملة وقال: “أنتِ مجرد جربوعة أنا لمتها من الشارع، اخلصي واديني الرقم السري بتاع حساب التوفير بتاعك حالا… وإلا هرميكي تاني في المكان الوثخ اللي لقيتك فيه”.
القاعة كلها قلبت مدافن. 200 ضيف واقفين بيتفرجوا. شوية همس، وشوية نظرات متوترة، بس مفيش بني آدم واحد فيهم قدم خطوة، مفيش حد فكر يمد إيده يساعد العروسة اللي بتعيط ودمها سايل على الرخام. كلهم كانوا شايفين إني نكرة ومقطوعة، ومليش ضهر يترد عليه.
مكنش عندهم أدنى فكرة إن القلادة اللي في إيد ناهد دي شايلا قيمة أكبر بكتير من مجرد ذكرى عاطفية، ومكنوش يعرفوا إن حركتهم دي صحّت وحش قعد خمسة وعشرين سنة يقلب الدنيا ويدور عليها.
راجل طويل، هيبته تخد التخين، ولابس بدلة شيك جداً، قام بهدوء من التربيزة الثالثة في القاعة. ميزعقش، ومطلبش الأمن. مشي ببساطة ناحية منصة المأذون بثقة هادية تخوف، ثقة الراجل اللي متعود إن كلمته سيف على رقاب الكل. القاعة كلها سكتت وصوت أنفاس الناس اتقطع وهو بيقرب.
وقف قدام ناهد، ومد إيده وخد منها القلادة من غير ما يستأذن حتى. صوابعه كانت بترتعش وهو بيقلبها، ومن ورا فص الياقوت الكبير، كان فيه شعار عائلي صغير أوي محفور بدقة. أول ما عينه جت عليه، عينه اتملت دموع. لثواني طويلة، مطلعش منه العيبة، ومكنش قادر ينطق.
بعدين لف وشه وبصلي أنا. صوته كان طالع يدوب فوق الهمس: “خمسة وعشرين سنة… صرفت فيهم مليارات وفتشت الدنيا حتة حتة عشان ألاقي الشعار ده”.
قفل إيده بقوة وحرص على القلادة، وقبل ما يرفع عينه لشريف، الطيب والدموع اللي في عينه اختفوا في ثانية، ونظرته بقت باردة لدرجة تجمد الدم في العروق.
خطى خطوة بطيئة ومرعبة لقدام وقال: “وأنت… جالك قلب تخلي بنتي تنزف؟”
شريف رجع لورا وشه أزرق، وحماته لسانها اتعقد لما عرفوا الراجل ده مين… «كامل الرفاعي»، أكبر حوت حديد وعقارات في الشرق الأوسط، الراجل اللي يقدر يمحى عيلتهم من السوق بجرّة قلم. كامل وطى على الأرض، ولم حجابي بحنان أبوي م شفتهوش في حياتي، وسندني بإيده وقومني وهو بيبص لشريف وبيقول لرجالته اللي دخلوا القاعة وقفلوا الأبواب: “العيل ده وأمه والناس اللي بره، مش عايز أشوف وشهم بره الحبس الليلة… واعرفولي مين اللي مضى شريف على شيكات القمار عشان هجيبه هو كمان تحت رجلي”.
#حكايات_شروق_خالد
شريف رجع لورا خطوتين والخطوات دي مكنتش بس خوف، دي كانت بداية النهاية لعيلته كلها. “كامل الرفاعي” واخدني في حضنه، وأنا حاسة لأول مرة في حياتي بدفا مكنتش أعرف طعمه، دفا الأمان اللي بيغسل الوجع. خط الدم اللي نازل من رقبتي كان لسه بيعلم على فستاني الأبيض، بس نظرة أبويا —المنصب الجديد اللي لسه عقلي مش قادر يستوعبه— كانت كفيلة تخليني أحس إن جرحي طاب في ثانية.
كامل الرفاعي شاور لرجالة حراسته، وفي أقل من دقيقة، الأبواب الضخمة بتاعة قاعة الفندق اتقفلت بجنازير وصوت رعب. المعازيم كلهم بقوا يبصوا لبعض ووشوشهم جابت ميت لون، ومحدش بقا قادر يتنفس.
كامل بص لشريف وقال بنبرة هادية بس ترعب بلد: “أنت كنت فاكرها مقطوعة من شجرة يا ابن السيوفي؟ كنت فاكر إنك لما تكسر بنت يتيمة ومتربية في ملجأ، محدش هيحاسبك؟ البنت اللي أنت بهدلتها ورميتها على الأرض دي، تبقا فريدة كامل الرفاعي.. الوريثة الوحيدة لكل شبر وكل مليم أملكه في الدنيا دي. أمها الله يرحمها هربت بيها زمان بعد حادثة مدبرة كنت هروح فيها أنا وهي، وافتكرت إنهم ماتوا، وسابت لها القلادة دي عشان يوم ما تقع في ضيقة، القلادة ترجعها لحضني.”
مدام ناهد، اللي كانت من شوية بتضحك بامتياز، ركبها سابت واترمت على أقرب كرسي وهي بتعيط وتترجى: “يا كامل بيه.. احنا مكنّا نعرف.. والله العظيم شريف بيحبها، والشيطان عمى عينه بس بسبب الفلوس والديون.. سامحنا وبوس إيدك!”
كامل الرفاعي مبصلهاش أصلاً، تف عليها بقرف وبص للمساعد بتاعه: “يا حسام، كلم لي وزير الداخلية حالاً، وبلغه إن البلاغ الخاص بقضايا النصب وغسيل الأموال بتاع عيلة السيوفي اللي بقالنا سنتين بنجمع فيه أدلة، يتنفذ الليلة.. مش عايز الصبح يطلع والشبه ده أو أمه بره الحبس.”
شريف بدأ يصرخ زي الحريم ويقول: “فريدة! فريدة سامحيني! أنا جوزك، أنا حبيبك.. متخليش أبوكي يعمل فينا كده!”
في اللحظة دي، أنا وقفت بطولي، مسحت الدموع من على خدي، وبصيت له بكل القوة اللي اتعلمتها من قساوة الأيام في الملاجئ، وقولت له: “أنت مش جوزي ولا عمرك هتكون.. أنت مجرد كابوس وأنا صحيت منه. القرشين اللي في حساب التوفير بتوعي اللي كنت عايز تسرقهم، أنا هشتري بيهم مية قفل عشان أقفل بيهم على عيلتكم في السجن.”
الحراسة دخلت وكتفت شريف وأمه وسط صراخهم وفضائحهم قدام كل مستثمرين ورجال أعمال مصر اللي كانوا معازيم في الفرح. شريف اتقيد بالكلابشات في وسط القاعة، وأمه كانت بتجر رجليها وراها وهي بتلطم على وشها، والناس بره على باب القاعة —بتوع الديون— اتمسكوا معاهم بتهمة التهديد والبلطجة.
كامل الرفاعي لف ليا، وطى باسه على راسي، وطلع منديل قماش غالي من جيبه وبدأ يمسح الدم اللي على رقبتي بالراحة وهو بيبكي: “سامحيني يا بنتي.. خمسة وعشرين سنة وأنتِ بتشقي في الدنيا وأنا عايش في قصور مكنش ليها عازة من غيرك.. من النهاردة مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يبكيكي.. يلا بينا نمشي من المكان ده.”
خرجت من الفندق مش مكسورة، خرجت وأنا ماسكة في إيد الراجل اللي قعد عمره كله يدور على ريحة أمي وعليا. ركبت معاه العربية المرسيدس السوداء الكبيرة، وأنا ببتسم وببص للقلادة الياقوت اللي رجعت لمكانها في رقبتي.. وعرفت إن ربنا لما بيأخر العوض، بيجيبه كبير قوي لدرجة تخلي الكل ينحني قدامه.
حكايات شروق خالد