شفرة الوجع ج2 حكايات شروق خالد
خرجت من باب المحكمة، الشمس كانت حامية بس الهوا كان بارد وبيغسل كل السنين اللي ضاعت من عمري وأنا مستحملة الإهانة والضرب. حسام المحامي بتاعي كان مستنيني بره، مبتسم ومعاه شنطة ورق سوداء، أول ما شافني قال لي بفخر: “مبروك يا باشمهندسة.. الحكم طلع زي ما خططنا بالظبط، والنيابة رفضت كل الاستئنافات اللي قدمها محامي كريم.”
أخدت منه نفس عميق وقولت له: “والشركات يا حسام؟”
ابتسم وفتح الملف وقال: “شركات التجمع الخامس كلها اتحجز عليها رسمياً لتسديد التعويضات اللي المحكمة حكمت لكِ بيها، وبصفتك صاحبة السيستم والمسؤولة الأولى عن نظام الإدارة، البنك نقل الملكية القانونية لشركته باسمك أنتِ.. يعني كريم مش بس هيقضي شبابه ورا القضبان، ده هيخرج مش لاقي تمن لقمة العيش اللي كان بيذلِك بيها.”
ركبت عربيتي وروحت على شركتي القديمة.. اللي بقت بتاعتي لوحدي دلوقتي. أول ما دخلت من الباب، الموظفين كلهم وقفوا وسقفوا، مكنوش بس بيحيوا صاحبة الشغل الجديدة، كانوا بيحيوا الست اللي شفوها بتموت بالبطيء ووقفت على رجليها وتحدت الكل.
دخلت مكتب كريم القديم، قعدت على كرسيه الجليد الواسع، وبصيت من الشباك الكبير اللي بيكشف شوارع التجمع الشيك. طلعت تليفوني، وبصيت على الرسالة الأخيرة اللي بعتها لي شقيقه الصغير من بره مصر، كان بيترجاني فيها إني أتنازل عن القضية مقابل أي مبلغ مالي أنا عيزاه.
كتبت له رد واحد وبسيط: “الدم والنار ملهمش تمن يا باشمهندس.. أخوك حرق إيدي عشان يكسرني، وأنا حرقت مملكته عشان أعلمه الأدب.. اللي بيننا مش فلوس، اللي بيننا حساب وربنا خلصه بالعدل.” ودست إرسال، وعملت له بلوك.
فاتت سنة.. وسنتين.
آثار الحرق في إيدي خفت كتير، بس فضلت سايبة علامة بيضاء صغيرة، مكنتش بتضايقني، بالعكس، كنت كل ما أبص لها وأنا بمضي صفقة جديدة أو عقد مشروع بمليون جنيه، أبتسم وأفتكر إن الوجع هو اللي صنع الست القوية اللي واقفة دلوقتي.
أما كريم وأهله، فجت لي أخبارهم إنهم باعوا كل ما يملكوا في قريتهم عشان يدفعوا مصاريف المحامين والدائنين اللي طلعوا لهم من كل ناحية بعد ما الشركة وقعت، وبقى اسمهم في السوق “عيلة حبل المشنقة”.
وفي يوم، كنت واقفة في المطبخ الجديد بتاع بيتي، بعمل قهوة بنفسي، وبصيت على عين البوتاجاز وهي والعة.. مفيش أي رعب، مفيش أي رعشة في إيدي. طفيت النار بكل هدوء، وأخدت فنجان القهوة وروحت قعدت في البلكونة وسط الورد، وأنا بتنفس حرية كاملة، وبقول في سري: “يا رب.. شكراً للوجع اللي صحى العقل، وشكراً للعدالة اللي رجعت لكل مظلوم حقه في الدنيا قبل الآخرة.”
حكايات شروق خالد
مرت سنتين كمان، وبقت حياتي مستقرة بشكل مكنتش أحلم بيه. الشغل كبر، وشركتي بقت واحدة من أكبر شركات البرمجيات وحلول الأنظمة في مصر. العلامة البيضاء اللي في إيدي لسه موجودة، بس مابقتش بتفكرني بالوجع.. بقت بتفكرني بالانتصار.
وفي يوم من الأيام، كنت معزومة في مؤتمر سنوي كبير لرجال الأعمال والمستثمرين في أحد الفنادق الضخمة بالقاهرة. كنت قاعدة على التربيزة الرئيسية بصفتي واحدة من المتحدثين في المؤتمر، بناقش دور التكنولوجيا في حماية الشركات من الاحتيال الضريبي.
وأنا بتكلم في الميكروفون وعيني بتتحرك وسط الحضور، لمحت شخص واقف ورا خالص مع الويترز والعمال اللي بينظموا القاعة. كان لابس لبس الشغل بتاع الفندق، شايل صينية وعمال يلم الكوبايات الفاضية بضهر منحني ووش شايل هموم الدنيا.
برقت عيني وركزت أوي.. مكنتش غلطانة.
ده كان “شاكر”.. حماي العزيز! المستشار القديم اللي كان بيعلي صوت التلفزيون عشان يغلوش على صراخي وأنا بتعذب!
بعد ما خلصت كلمتي والناس صقفت، نزلت من على المسرح وتمشيت بهدوء ناحية البوفيه بره القاعة. وقفت بعيد وطلبت من المساعد بتاعي ينادي على الويتر ده بالذات يمسح التربيزة اللي قدامي.
شاكر جه وهو باصص في الأرض، وبدأ يمسح الخشب بإيد مرتعشة، ورفع عينه بالصدفة عشان يشوف مين اللي واقف.. أول ما عينه جت في عيني، الفوطة وقعت من إيده، وركب سابت، والدم هرب من وشه بالكامل.
همس بصوت مبحوح ومرعوب: “ندى؟!”
بصيت له بكل برود وثقة، وعدلت ساعتي الغالية بإيدي اللي فيها أثر الحرق، وقولت له: “أهلاً يا شاكر بيه.. عاش من شافك. مش غريبة برضه؟ الدنيا دارت وخلتك أنت اللي بتنظف ورا الناس دلوقتي؟”
نزلت دموعه وبدأ يتلفت حواليه بخوف ليدير الفندق يرفده، وقال بصوت واطي ومكسور: “ارحميني يا بنتي.. احنا اتمسح بكرامتنا الأرض. كريم جوه في السجن متبهدل وصحته تدهورت، وإلهام جاليها جلطة وقاعدة في السرير مش بتتحرك، وأنا زي ما أنتِ شايفه.. معاشي اتوقف بسبب القضية وبجري على لقمة العيش في السن ده عشان أجيب تمن الدوا.”
كنت فاكرة إني لما هشوفه كده هفرح أو هحس بشماتة، بس الحقيقة إني محستش بأي حاجة.. غير القرف والشفقة.
قربت منه خطوة وقولت له بصوت هادي يسمعه هو بس: “عارف يا شاكر.. ربنا عادل أوي. يوم ما كريم حرق إيدي، أنت عليت صوت التلفزيون عشان متسمعش صوتي، والنهاردة ربنا خلاك تقف في وسط القاعة دي كلها وتسمع صوتي وأنا على المسرح والكل بيصقفلي، وأنت مش قادر تفتح بقك بكلمة. أنا مش هنتقم منك ولا هخلي الفندق يطردك.. أنا هسيبك لشغلك، عشان كل ما تشوفني في التلفزيون أو الجرايد، تفتكر الوجع اللي استهترت بيه.”
سيبته واقف مكانه زي الصنم، ولفيت ضهري ومشيت وأنا راسي في السما. ركبت عربيتي وفتحت الشباك، وبصيت على إيدي، وقولت: “خلاص يا ندى.. الحساب اتقفل والعدالة اكتملت.” ومن اليوم ده، مابقيتش ببص ورايا أبداً، وعشت حياتي وأنا عارفة إن اللي معاه ربنا.. عمره ما يتكسر.
شفرة الوجع
حكايات شروق خالد