*دموع في صالة المغادرة** ج1 حكايات شروق خالد
أنا عفاف، وعندي تمانية وستين سنة. طبعاً بحكم سني وخبرتي كمديرة مدرسة متقاعدة، بعرف أفرّق كويس قوي بين التربية الناشفة وبين قسوة القلب اللي بتوصل لدرجة الإجرام.
اليوم ده، كنت واقفة في بلكونة شقتي في المنيل، بسقي زرع النعناع والريحان بتاعي، وفجأة تليفوني رن برقم غريب، كان رقم أرضي.
رفعت السماعة، وسمعت صوت واطي وبيترعش بيقول: “تيتا؟”
ده كان “يونس”، حفيدي اللي عنده عشر سنين.
ابتسمت بلفهة وقلت له: “يونس حبيبي؟ أنت مش المفروض دلوقتي زمانك على الطيارة ورايحين شرم الشيخ؟”
سكت شوية، وطول في السكوت قوي.
وبعدين سمعت صوت شهقة، وكأنه بيكتم دموعه، وقال لي: “هما سابوني.. مشيوا وسابوني يا تيتا”.
رشاش الميّة كان هيقع من إيدي من الصدمة.
“مين دول اللي سابوك يا حبيبي؟”
“ماما.. وبابا.. وكلهم”. صوته اتكسر خالص وهو بيكمل: “أنا واقف عند بوابة (ب 14). ماما قالت لي إني محروم من السفر عشان اتخانقت مع سيف امبارح. وقالت لبابا إني دخلت التواليت، وراحوا ركبوا الطيارة وطلعوا من غيري”.
الدنيا اسودت في عيني لثواني، ومكنتش عارفة أنطق بكلمة واحدة.
وفي نفس اللحظة، تليفوني اتهز بروح رسالة.
رسالة من “رانيا”، مِرات ابني.
إيدي كانت بترعش وأنا بفتحها عشان أقرأ الكلمتين دول:
“أنا قررت إن يونس محروم من السفر وقاعد في البيت. لازم يتعلم إن كل غلطة ليها تمن. إحنا خلاص بنركب الطيارة، معلش انزلي خديه من المطار. وبلاش بقى تقلبيها نكد وتعملي حوار من مفيش”.
بلاش أعمل حوار من مفيش!
طفل عنده عشر سنين سايبينه لوحده في نص مطار القاهرة، في عز الزحمة، في حين إن أبوه ومراته وعيالها الاتنين طايرين على شرم الشيخ يقضوا أسبوعين أجازة!
خطفت شنطتي ومفاتيح شقتي، وأهم حاجة ملف الأوراق الرسميّة اللي دايماً بخليها جاهزة للطوارئ. وأنا نازلة بجري على المطار، كلمت أمن مطار القاهرة.
أول ما وصلت بوابة (ب 14)، لقيت يونس قاعد جنب ظابط أمن، وحاضن شنطة ظهره بقوة، كأنها الحاجة الوحيدة اللي فاضلاله في الدنيا وتحسسه بالأمان. عينه كانت وارمة من كتر العياط، وكُم التريننج بتاعه كان مبلول دموع.
وقف أول ما شافني.
بس مجريش عليا وحضنني زي كل مرة.
السكوت ده وجع قلبي أكتر من منظر دموعه.
نزلت على ركبتي قدامه، وفتحت له دراعاتي، فـ قرب مني بالراحة وخطوة خطوة، وكأنه خايف إني أنا كمان أسيبه وأمشي زي اللي مشيوا.
همس في ودني وقال لي: “والله ما كنتش وحش قوي كده”.
“عارفة يا حبيبي”، قلت له وأنا بملّس على شعره بالراحة، “وأنت مش غلطان في حاجة، ومحدش هيعاقبك”.
الظابط سألني كام سؤال روتينى، ووريته بطاقتي، وشهادة ميلاد يونس، وبالمرة وريته رسالة رانيا العظيمة.
أول ما قرأ الرسالة، ملامح وشه اتغيرت تماماً وقلبت بجدية، وبص لي وقال لي بهدوء: “يا فندم، الوضع ده خطير جداً، وميصحش يسكت عليه”.
رديت عليه بجمود: “عارفة.. ومش هسكت فعلاً”.
قبل ما نطلع من المطار، طلبت ابني، “حازم”.
رد عليا، وكنت سامعة في الخلفية صوت أغاني وهرجلة وواضح إنهم لسه واصلين الفندق بسلامة الله.
قال لي بتأفف: “أمي، أرجوكي، بلاش تعملي من الحبة قبة وتقلبيلنا اليوم نكد”.
بصيت ليونس، وبعدين للظابط اللي كان واقف جنبنا.
“آه يا حازم”، رديت بصوت هادي وقاتل، “أنا لسه ببدأ الحوار، متستعجلش”.
على ما الشمس غربت، مكنتش قعدت دقيقة واحدة. كنت قدمت بلاغات رسميّة في القسم، وكلمت محامي العيلة، وبعتّ صور من كل الرسايل وشهادة الظابط لكل الجهات المختصة اللي لازم تشوف الكوارث دي.
وخلال اتنين وسبعين ساعة بس، كانت أجازة الأحلام بتاعتهم هتتقلب كابوس، وتنتهي نهاية مأساوية ليهم كلهم.
حكايات شروق خالد
بعد اتنين وسبعين ساعة بالظبط، وأنا قاعدة في الصالة، ويونس نايم جنبي، سمعت صوت خبط ورزع على الباب. عرفت إن “الأجازة” خلصت.
فتحت الباب، ولقيت حازم ورانيا واقفين، ووراهم سيف ومالك عيال رانيا. كانوا لسه بلبس البحر، ووشوشهم مقلوبة، وباين عليهم البهدلة.
رانيا أول ما شافتني، صرخت في وشي: “أنتِ مجنونة؟ أنتِ عارفة إيه اللي حصلنا؟ البوليس جه خدني أنا وحازم من قلب الفندق! عيالي شافوا أمهم وأبوهم بيتقبض عليهم، وأنا اتحجزت ليلة في الحجز مع المجرمين!”
حازم اتكلم بصوت مهزوز: “أمي، إزاي تبلغي عننا؟ إزاي تقولي للشرطة إننا عرضنا حياة يونس للخطر؟ دي كانت طريقة لتربيته، والظابط قال إن البلاغ ده ممكن يودينا في داهية ويسجننا!”
بصيت لرانيا، وقلت بدم بارد: “أنتِ اللي قلتي بلاش تقلبيها نكد، فأنا قلت أقلبها قانون. مش ده اللي أنتِ كنتِ عاوزاه؟ إن يونس يتعلم؟ أهو أنتِ وحازم اللي اتعلمتم الدرس”.
رانيا كانت هتتجنن، وحاولت تدخل الشقة عشان تاخد يونس، بس أنا وقفت قدامها بجمود: “يونس مش هيتحرك من هنا. وأي محاولة منكِ هبلغ فوراً، وصدقيني، الظابط مستني إشارة تانية عشان يكمل التحقيق”.
في اللحظة دي، يونس صحي وخرج يشوف في إيه. أول ما شافهم، استخبى ورايا ومسك في هدومي. حازم نادى عليه بصوت هادي: “يونس حبيبي، تعال”.
يونس بصلهم، وقال لرانيا: “أنا مش عاوز أروح معاكي يا رانيا. أنتِ سيبتيني لوحدي في المطار.. أنا خايف منكِ”.
الكلمة دي وقعت عليهم زي الصاعقة. حازم وشه اسود من الكسوف، ورانيا مبقتش عارفة تقول إيه.
بصيت لحازم، وقلت له بصوت قاتل: “أنت ورانيا محتاجين تراجعوا نفسكم، وتعرفوا يعني إيه أب وأم. يونس هيفضل معايا فترة، وأي محاولة للضغط عليه، هتلاقوا محامي العيلة، والمجلس القومي للطفولة، وأنا واقفين قدامكم”.
رانيا بدأت تعيط من القهر، وحازم أخدها ومشيوا، والندم والكسرة ماليين وشوشهم.
بعد ما قفلت الباب، يونس بص لي وقال: “تيتا، هما خلاص مشيوا؟”
حضنته قوي، وقلت له: “أيوة يا حبيبي، مشيوا، وأنت مش هتشوف الوش الوحش ده تاني أبداً”.
وهنا عرفت إن العدالة، ولو كانت قاسية، كانت لازم تحصل عشان يونس يعرف إنه مش لوحده، وإن “تيتا عفاف” مبتسكتش على حق عيالها.
**دموع في صالة المغادرة**
ج1
حكايات شروق خالد