رد الاعتبار في الصباحيه ج2 حكايات شروق خالد
(مرت الأيام، والحارة كلها في الجمالية مبقاش وراها سيرة غير سيرة “كاميليا” بنت الحاج مرسي اللي رجعت بيت أبوها بشنطة هدومها يوم صباحيتها. الحماة الحرباية “أم أحمد” مقعدتش ساكتة، وبقت تلف على طوب الأرض في منطقتهم وتقول: «دي بت قوية ومفيهاش ريحة الأدب، وعايزة تكسر كلامي وتتنطط على ابني من أول يوم!»)
(في محل الحاج مرسي لعطارة المحامص في قلب الجمالية، كان قاعد والحزن واكل قلبه، وسيد ابنه واقف شادد دراعه والغل غليه من كلام الناس).
**سيد (وهو بيخبط بيده على المكتب):** يابا، المحروس جوزها بقاله أسبوع لا حس ولا خبر، وأمه الحيزبونة ماشية تشهّر ببنتنا في الأسواق! إحنا لازم نرفع قضية طلاق ونخلع عينه، وبنتنا متقعدش مكسورة كده!
**الحاج مرسي (بهدوء رجالة زمان وعقلهم الثقيل):** اهدى يا سيد.. التقيل راكب. أحمد واد غلبان بس أمه مسيطرة عليه، وأنا مستني أشوف آخره، لو راجل وباقي عليها هيجي، ولو جرى ورا كلام أمه يبقى ملوش لزوم في حياتنا.
(وفي نفس اللحظة، على أول الشارع، ظهر أحمد.. كان وشه دبلان، ودقنه طولانة، وماشي خطوة يقدمها وعشرة يؤخرها لغاية ما وقف قدام المحل وعينيه في الأرض).
**أحمد (بصوت مخنوق):** السلام عليكم يا عمي.. السلام عليكم يا سيد.
**سيد (وقف وعضلاته اتشدت وكان هينط في كرشه):** ليك عين تيجي يا أحمد؟ جاي تعمل إيه بعد ما سبت أمك تاكل في فروة البنت؟
**الحاج مرسي (بإشارة من إيده قعد سيد):** اقعد يا سيد. اتفضل يا أحمد، ادخل وقُل اللي عندك، بس افتكر إنك في بيت ناس بتعرف الأصول.
**أحمد (قعد ودموعه قريبة):** أنا جاي ومكسوف منكم، وعارف إن اللي حصل مع كاميليا فوق طاقة أي حد. أنا الأسبوع ده كله كنت في جحيم.. خناقات مع أمي ليل مع نهار، وسبتلها البيت وقعدت عند صاحبي. أنا بحب كاميليا ومقدرش أعيش من غيرها، وأمي غلطت وغلطها كبير، وأنا جاي أصلح كل حاجة.
**الحاج مرسي (بنظرة حادة):** هتصلح إيه يا بني؟ إنت وقفت زي لوح التلج وأمك بتذل بنتي! الكرامة لو راحت متتصلحش بكلمتين.
**أحمد:** أنا استأجرت شقة جديدة يا عمي، بعيد عن بيت عيلتي وبعيد عن أمي خالص.. شقة في مصر الجديدة باسم كاميليا، وهكتبلها شيك بمؤخر يليق بيها، ومش هخلي أمي تعتب عتبة بيتنا ولا تشوف كاميليا إلا لو كاميليا هي اللي وافقت بنفسها ونفوسها صافية. أنا جاي أرد اعتباراتها قدام المنطقة كلها.
(في اللحظة دي، كانت كاميليا واقفة ورا ستارة المحل الداخلية، سامعة كل كلمة، وقلبها كان بيدق.. هي لسه بتحبه، بس جرح كرامتها كان لسه بيوجع).
**الحاج مرسي (ندى عليها):** تعالي يا كاميليا.. جوزك شاريكِ وجاي لحد عندك، والشورى شورتِك والكلمة كلمتِك.
(دخلت كاميليا، وظهرها مفرود وعينيها قوية، بصت لأحمد اللي وقف أول ما شافها ولهفته باينة في عينيه).
**أحمد (بلهفة):** كاميليا.. أنا آسف، وحقك على راسي، مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعي معايا شقتنا الجديدة.
**كاميليا (بصوت ثابت ومفيهوش تراجع):** أنا هصون العِشرة يا أحمد عشان إنت جيت لغاية بيت أبويا ورأسك في الأرض، بس عندي شروط، والشرط نور.
**أحمد:** قولي اللي إنتي عايزاه، لو لبن العصفور هجيبهولك.
**كاميليا:** أولاً، الشقة الجديدة تتفرش من أول وجديد على ذوقي أنا، ومفيش حاجة من ريحة بيت أمك تخشها. ثانياً، إحنا هنعمل ليلة عشا كبيرة هنا في الحارة، تعزم فيها أهلك كلهم، وأمك تيجي قدام الحارة كلها تباركلي وتبوس راسي وتعتذر عن اللي قالته في حقي، عشان زي ما صغرتني قدام الناس، تردلي اعتباري قدامهم!
**أحمد (بلع ريقه وصعبت عليه نفسه من شرط أمه، بس بص لكاميليا وعرف إنها لو مرجعتش بكرامتها مش هترجع أبداً):** موافق يا كاميليا.. وحقك هيرجعلك وتالت ومتلت، وأمي أنا هقنعها وأجيبها لغاية عندك، لأنها عرفت إن البيت هيتخرب بجد.
(بعد أسبوعين، الحارة كانت منورة بأنوار الفرح، والترابيزات مفروشة، وأحمد وفي بوعده. وفي وسط الزفة والناس، دخلت أم أحمد وهي عينيها في الأرض، مكسورة وغلها كاتماه جوة قلبها).
**الأم (وهي بتقرب من كاميليا وبتمد إيدها بالعافية):** مبروك يا عروسة.. حقك عليا يا بنتي، إحنا أهل ومفيش زعل بينا.
(وطت الحماة وباسيت راس كاميليا قدام كل عيون الحارة اللي كانت بتبص بانتصار).
**كاميليا (ابتسمت ابتسامة نصر باردة وهمست في ودن حماتها):** الله يبارك فيكِ يا طنط.. الأصول بتقول إن الكبير هو اللي بيعلم الأدب، وأهو إنتي اتعلمتي الأصول في بيت أبويا. منورة الصباحية الجديدة!
حكايات شروق خالد
(الحماة اتصعقت من الكلمتين، ووشها جاب مية لون، وكانت هتشيط وتولع في مكانها، بس لجمت لسانها لما لقت “سيد” أخو كاميليا واقف ورا أخته وحاطط إيده في جيبه وبيبص لها بنظرة معناها: «لو نطقتي بحرف ههينك وسط الزفة»).
(الحفلة خلصت، وكل واحد راح لحاله، وكاميليا ركبت العربية مع أحمد وراحت على شقتها الجديدة في مصر الجديدة.. شقة تشرح القلب، واسعة ونظيفة ومفيهاش ريحة النكد بتاع بيت العيلة).
(أول ما الباب اتقفل عليهم، أحمد رمى مفاتيحه على الترابيزة وتنهد تنهيدة طويلة كأن جبل وانزاح من على صدره، وبص لكاميليا وقرب منها).
**أحمد (بصوت حنين وفي لوم بسيط):** أهو كل اللي طلبتيه حصل يا كاميليا.. أمي وجبتها لغاية عندك وبأست راسك قدام طوب الأرض، والشقة والفرش وعلى سنجة عشرة.. ارتحتي كده والغل اللي جواكِ برد؟
**كاميليا (قلعت هيلز الفرح وقعدت على الكنبة وحطت رجل على رجل بكل ثقة):** الغل؟ لأ يا أحمد ده مش غل، ده اسمه “تخليص حق”. إنت كنت عايزني أبدأ حياتي مكسورة الجناح، وأمك تدوس عليا عشان أفضل طول عمري أقول “حاضر ونعم” على الإهانة. أنا رديت اعتباري واعتبار أبويا اللي شقي عليا.. ودلوقتي بس أقدر أقولك إني هبقى في بيتك الست والزوجة اللي تشرفك.
**أحمد (ابتسم وهز رأسه):** طب يالّا بينا بقى نقفل الصفحة دي خالص، ونبدأ على نظافة.. تفتكري أمي هتقدر تنسى اللقطة دي؟
**كاميليا:** تنسى أو متنساش دي مش قضيتي.. المهم إنها عرفت إن كاميليا بنت الحاج مرسي ليها ظهر وسند ومبتتكسرش. طول ما إنت حاميني ومبعدني عن شرها، أنا هشيلك في عيني.. غير كده، المحل في الجمالية لسه مفتوح يا أحمد!
(في نفس الوقت، في بيت العيلة القديم، كانت الحماة قاعدة في الفجرية في صالة بيتها، عمالة تفرك في إيديها والغل بياكل في أحشائها، وأبو أحمد قاعد بيشرب الشاي وباصص لها بـ شماتة).
**أبو أحمد (بضحكة مكتومة):** هاه يا أم أحمد؟ ارتحتي؟ مش قولتلك البت دي مش من البنات اللي بيتكسر عينهم بـ طشت مية؟ دي بنت سوق وعارفة بتاخد حقها إزاي.. وأهو ابنك طار من حضنك وراحلها مصر الجديدة!
**الحماة (وعينيها بتطلع شرار وحقد):** وحياة حرقة دمي والكسرة اللي انكسرتها قدام نسوان الحارة، ما هسيبها تتهنى بيه! سيبهم بس كام شهر يهدوا، وأنا هعرف إزاي أجرجر رجله عندي تاني، وأخليها تجيني زاحفة.. ميبقاش اسمتي “أم أحمد” لو مخلتهاش تبكي بدل الدموع دم!
(ومرت الشهور، وكاميليا عايشة في هدوء وسعادة، مهتمة ببيتها وبجوزها، وأحمد بدأ يتغير ويبقى ليه شخصية مستقلة، لغاية ما في يوم.. تليفون أحمد رن وظهر اسم أمه، وأول ما فتح الخط، جه صوت صريخ وعويل ولمة ناس).
**الجارة (بتصوت في التليفون):** الحق يا أحمد! أمك وقعت من طولها في المطبخ وشكلها جلطة، والبيت مقلوب والبلد كلها ملمومة عليها!
(أحمد وشه اصفّير والموبايل بغى هيقع من إيده، وبص لـ كاميليا والخوف مالي عينيه).
**أحمد (بصوت يترعش):** كاميليا.. أمي بتموت!
حكايات شروق خالد