**ثمن الهلاهيل* ج2* حكايات شروق خالد

أحمد تنّح وبص لـ مي بذهول: “عملت إيه؟ ياسمين من الصبح مش في البيت أصلاً، وفين الفضيحة دي؟”
طنط هدى زقت مي ودخلت الصالة وهي بتصوّت وتلطم على صدرها: “مش في البيت؟ طبعاً ما هي صبّحتنا بمصيبة تخلي الأعمى يشوف! افتح الفيس بوك بتاعك يا أحمد وشوف الهانم منزلة إيه على صفحتها ومشيّراه في كل جروبات المنطقة وسيرتنا بقت على كل لسان!”
أحمد إيده اترعشت، طلع تليفونه بسرعة وفتح الأبلكيشن. أول ما دخل، لقى الإشارات والرسايل مغرقاه، وكلها سكرين شوتس من بوست ياسمين. البوست كان عبارة عن صورة كبيرة لشنطة الهدوم المقطعة والقديمة اللي مي بعتتها، وجنبها صورة تانية لـ مي وهي قاعدة في بيت العيلة وبتضحك ضحكتها الصفرا.
ياسمين كانت كاتبة فوق الصور كلام يقطع الفروة:
> “كتر خيرك يا مي يا مرات أخو جوزي.. بعتالي لبسك الدايب والمقطع اللي كنتِ هتجاهدوا بيه وتترميه في الزبالة عشان ‘تنوبي ثواب’ فيا قدام حماتي وأهل جوزي، وبتعايريني بقلة حيلتي. بحب أقولك ولقول لحماتي الحاجة فاطمة اللي ضحكتها هزت البيت شماتة فيا: ياسمين اللي عيرتوها بهلاهيلها، ربنا هيرزقها من وسع، والشنطة دي أنا هتبرع بيها للي يستحقها باسمكم.. أهو ينوبكم ثواب بجد بدل المنّ والأذى.”
>
الكومنتات تحت البوست كانت قايدة نار. ناس بتهزأ مي، وناس بتدعي على الحما، والمنطقة كلها بقت بتتكلم عن بخل وسواد قلب عيلة أحمد وطريقة معاملتهم لمرات ابنهم الغلبانة.
أحمد وشه جاب مية لون، وبص لـ مي بزعاق: “أنتِ مش قلتيلي إنك منقية لبس كويس؟ إيه الهدوم المقطعة والدايبة اللي هي مصوراها دي يا مي؟”
مي بدأت تفرك في إيدها ووشها أحمر: “وأنا إيش عرفني؟ أنا لميت الشنطة بسرعة، وبعدين هي اللي عينها ضيقة وعايزة تعمل شو وتلم لايكات على قفانا! دي مشهّرة بينا يا أحمد، دي لازم تتربى!”
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخلت ياسمين. بس مكنتش ياسمين بتاعة إمبارح. كانت لابسة طقم شيك جداً، ورافعة راسها، وفي عيونها نظرة ثقة تخلّي اللي قدامها يخاف منها.
أحمد هجم عليها والتليفون في إيده وبيرتعش من الغضب: “إيه القرف اللي أنتِ شراه ده؟ أنتِ اتجننتي؟ بتفضحينا وتفضحي أهلي في وسط الناس؟ امسحي البوست ده حالاً واعتذري لـ مي وأمي!”
ياسمين مشيت برود وعدت من جنبه ولا كأنه موجود، حطت شنطتها الشيك على التربيزة، ولفت وبصت لثلاثتهم بابتسامة باردة: “أمسحه؟ ده لسه واصل ألف شير في نص ساعة.. والناس كلها عرفت أصلكم. والاعتذار ده في أحلامكم.. من النهاردة مفيش ياسمين اللي بتسكت وتعيط في المطبخ.”
طنط هدى قربت منها وبتجز على أسنانها: “أنتِ نسيتي نفسك يا بت أنتِ ولا إيه؟ فاكرة نفسك بقيتي مين؟ ده أنتِ حتة عاطلة لا راحت ولا جت، وعايشة بفلوس ابني!”
ياسمين طلعت كارت شخصي فخم من شنطتها، ورامته على التربيزة قدامهم بكل ثقة: “كنت عاطلة يا طنط.. من الساعة 8 الصبح بقيت مديرة العلاقات العامة والتسويق في شركة ‘الراوي’ للمقاولات.. والشركة دي بقى، هي اللي هتاخد منكم الأرض الكبيرة اللي في أول الشارع، يعني من هنا ورايح.. لقمة عيشكم بقت في إيدي أنا.”
أحمد ومي وبصوا للكارت وبصوا لبعض، والصدمة لجمت لسانهم.

حكايات شروق خالد

أحمد خطف الكارت من على التربيزة وعينه رايحة جاية بين الاسم المكتوب وبين ياسمين. ضحك بذهول ممزوج برعب: “شركة الراوي؟ أنتِ؟ مديرة علاقات عامة وتسويق مرة واحدة؟ ده أنتِ خريجة تجارة وبقالك سنين قاعدة في البيت بتطبخي وتغسلي! لحقتي تعملي ده كله إمتى؟ ومين الراوي ده اللي يشغلك عنده من غير ما أعرف؟”
ياسمين قعدت على الكرسي وحطت رجل على رجل بكل برود، وبصت لـ مي اللي كانت واقفة مبرقة والغل بياكل في وشها: “اللي بقاله سنين بيطبخ ويغسل يا أحمد، كان بيذاكر بالليل وأنت نايم بتشخر. شهاداتي وكورساتي اللي كنت بتقول عليها ‘ملهاش لازمة وبلّيها واشربي ميتها’ هي اللي جابت لي الشغل ده.. أما الراوي بقى، فده يبص يبقى الحوت اللي عيلتكم بقالها سنة بتجري وراه عشان يرضى يشتري أرضكم ويطلعكم من الفقر اللي أنتوا فيه.”
مي زعقت بصوت مسرسع: “أنتِ كدابة! دي أكيد لعبة عاملاها عشان تخوفينا.. الحج الراوي ميعبرش أشكالِك!”
ياسمين طلعت تليفونها وبكل هدوء فتحت السبيكر على مكالمة لسه واصلة لها، وجالهم صوت راجل وقور بس نبرته قوية وتهز: “يا فندم، البوست المترتب بخصوص شنطة الهدوم عمل صدى واسع جداً في المنطقة، والناس بدأت تقلب على عيلة الحاجة فاطمة.. وبكده مركزهم في المفاوضات على الأرض بقى ضعيف، وصورتهم في السوق اتهزت زي ما خططتي بالظبط.”
ياسمين ردت بنبرة رسمية وثابتة: “تمام يا فندم، أنا حالياً في البيت وبنهي الأمور الشخصية عشان أتفرغ تماماً للملف ده.. بكرا هكون في المكتب عشان نوقع العقود الرسمية.”
الراجل رد: “بالتوفيق يا مديرة ياسمين، الراوي بيه فخور بذكائك في إدارة أول أزمة.”
قفل الخط، والصالة اتقلب لـ مدافن.. مفيش نفس طالع. طنط هدى سابت الشنطة من إيدها وبصت لـ ياسمين بخوف حقيقي لأول مرة، الست اللي كانت من كام ساعة بتلطم وتصوت، فجأة لسانها اتلجم.
أحمد قرب من ياسمين خطوة، بس المرة دي مكنش بيزعق، نبرة صوته كانت مرعوبة: “ياسمين.. أنتِ بتنتقمي مني؟ عشان كلمة اتقالت في ساعة غضب؟ بتخربي بيتنا وبتوقفي حال أهلي عشان بوست على الفيس بوك ولبس قديم؟”
ياسمين وقفت، وبقت عيلتها في عينه مباشرة، والابتسامة اختفت من على وشها وحل مكانها قسوة السنين اللي عاشتها معاهم: “اللي حصل إمبارح مكنش كلمة في ساعة غضب يا أحمد.. اللي حصل إمبارح كان القشة اللي قطمت ضهر الصبر اللي صبرته عليك وعلى أهلك. السنين اللي فاتت كنت بشوف في عينكم نظرة رخيصة، كنتوا بتعاملوني كأني خدامة ملهاش تمن، وجيت أنت في الآخر وبعتني عشان ترضي مركب النقص اللي عند مي وعقدة التحكم اللي عند أمك.”
التفتت لـ مي وطشّت الكارت في وشها: “الشنطة اللي هناك دي يا مي، هتاخديها في إيدك وأنتِ خارجة، وتنزلي تلمي بيها هدومك أنتِ وحماتك.. لأن الأرض اللي أنتوا حاطين أملكم عليها، أنا هشتريها لشركة الراوي بربع الثمن اللي كنتوا بتحلموا بيه.. وبكرة تشوفوا الهلاهيل هتعمل فيكم إيه.”
بصت لأحمد وقالت بكلمة واحدة هزت كيانه: “أما أنت.. فدورك جاي، بس على الهادي.”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *