**ثمن الهلاهيل* ج3* حكايات شروق خالد

مي سحبت الشنطة من الأرض وهي بتعيط من كتر الغل والخوف، وشدت حماتها من إيدها وطلعوا يجرو برا الشقة وهم بيبرطموا بحدايد كلام مش مفهوم من الصدمة. الباب اترزع وراهم، ومبقاش في الشقة غير ياسمين وأحمد.. والسكوت اللي بينهم كان أتقل من جبال.
أحمد قعد على أقرب كرسي، حط راسه بين إيديه وبدأ يتنفس بصعوبة. لسه مش مستوعب إن البنت الهادية اللي كانت بتخاف من زعله، بقيت بالليونة والقسوة دي في كام ساعة. رفع راسه وبص لها بنظرة مكسورة: “للدرجادي كنتِ شايلة مني يا ياسمين؟ للدرجادي كنتِ كرهاني وأنا مش حاسس؟”
ياسمين راحت ناحية التربيزة، شالت شنطتها الشيك وعلقتها على كتفها وبصت له ببرود: “أنا مكنتش كبشاك يا أحمد، أنا كنت بحبك.. لدرجة إني نسيت نفسي عشانك. بس اللي بيحب بجد لما بيتقلب، مبيسبش وراه غير رماد. أنت اللي اخترت تقف في صفهم، وأنا اخترت أقف في صف نفسي.”
أحمد وقف وقرب منها، حاول يمسك إيدها بس هي رجعت خطوة لورا ورفعت صباعها بتحذير: “إيدك متلمسنيش تاني يا أحمد.. من هنا ورايح، علاقتنا في البيت ده هتبقى مجرد ‘شراكة سكن’ لحد ما أخلص مصلحتي. أنت هتقعد هنا وأنا هقعد هنا، بس مفيش بنا كلمة زيادة عن اللزوم.”
أحمد لف وشه بعصبية: “أنتِ بتلوي دراعي عشان الشغل الجديد؟ فاكرة إنك لما تشتغلي عند الراوي هتبقي ملكتي الدنيا؟ أنا جوزك يا ياسمين، وبكلمة مني أقعدك في البيت!”
ياسمين ضحكت بصوت عالي، ضحكة كلها ثقة هزت أركان الصالة: “تقعدني في البيت؟ بجد؟ بأمارة إيه؟ بأمارة الشغل اللي أنت مهدد فيه بالطرد لو شركة الراوي سحبت عقود التوريد من المصنع اللي أنت شغال فيه؟”
أحمد برّق وعينه وسعت: “أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟”
ياسمين قربت منه وهمست جنب ودنه بصوت فحيح الأفاعي: “أنا مديرة العلاقات العامة يا حرك، يعني كل ملفات الموظفين والموردين اللي ليهم علاقة بـ ‘الراوي’ تحت إيدي.. والمصنع بتاعكم قايم على حس مشاريعنا. كلمة واحدة مني للمدير التنفيذي، وهتلاقي نفسك في الشارع بشنطة هدومك.. زي ما كنتوا عايزين تعملوا فيا إمبارح.”
أحمد حس بركبه بتسيب، والدم هرب من وشه. عرف إن اللعبة كبرت قوي، وإن ياسمين مش بس غيرت جِلدها، دي لفت الحبل حوالين رقبة الكل وبقت هي اللي بتشد.
ياسمين سابته واقف زي الصنم، ومشت بخطوات ثابتة وثقة لبرة الشقة عشان تروح مكتبها الجديد. وهي نازلة على السلم، تليفونها رن.. فتحت الخط وجاءها صوت السكرتيرة: “أستاذة ياسمين، الحاجة فاطمة وحرم الأستاذ عصام (مي) واقفين تحت في الاستقبال وعايزين يقابلوا حضرتك بأي طريقة.. والكل مستني توجيهاتك.”
ياسمين ابتسمت ابتسامة النصر، وقالت وهي بتركب تاكسي: “خليهم مستنيين.. ربع ساعة وهكون عندك، وجهزي لي غرفه الاجتماعات الرئيسية.. ليلة الحساب بدأت.”

حكايات شروق خالد

وصلت ياسمين قدام برج “الراوي” وعينها جت على اليافطة الرخام الكبيرة اللي بتلمع تحت الشمس. أخدت نفس طويل، عدلت جاكيت بدلتها الشيك، ودخلت من الباب الإزاز بكل ثقة ورجليها ثابتة في الأرض.
أول ما دخلت صالة الاستقبال، لقت الموظفين كلهم واقفين باحترام، وعينها لمحت على جنب طنط هدى ومي قاعدين على الكراسي الجلد، وشهم باهت وعينهم رايحة جاية في المكان برعب. مي كانت حاطة الشنطة الكبيرة تحت رجليها، وأول ما شافت ياسمين، وقفت بسرعة وشدت حماتها من إيدها.
ياسمين مشيت ولا كأنها شيفاهم، وعدت من جنبهم وراحت للسكرتيرة اللي وقفت بترحيب: “أهلاً يا فندم، كل حاجة جاهزة زي ما أمرتي.”
ياسمين التفتت ببطء وبصت لـ مي وحماتها اللي قربوا منها بخطوات مرعوبة ونبرة صوتهم اتغيرت 180 درجة.
طنط هدى (بابتسامة متوسلة وصوت واطي): “ياسمين يا بنتي.. إحنا جينا لحد عندك عشان نصفي النفوس. مسامير الشيطان دخلت بينا إمبارح، وأنتِ بنت أصول ومترضيش بخراب البيوت.. البوست اللي على الفيس بوك ده هيخرب بيت عمك وأخو جوزك، الأرض دي ورث عيالنا يا بنتي!”
مي (وشها أحمر وبتتكلم وعينها في الأرض): “أنا أسفة يا ياسمين.. حقك عليا، أنا كنت بهزر معاكي ومكنتش قاصدة أكسر بخاطرك، والشنطة دي أنا جبتها معايا أهو عشان تاخديها وتوريني هتبرع بيها لمين وأنا هساعدك بنفسي!”
ياسمين بصت للشنطة اللي تحت رجل مي، وضحكت ضحكة خفيفة وباردة هزت ثقتهم تماماً: “تهزري؟ وهو المعايرة بالفقر وقلة الحيلة قدام العيلة بقى هزار يا مي؟ والست الحاجة اللي كانت ضحكتها مسمعة الشارع.. فجأة افتكرت إني بنت أصول؟”
الحاجة فاطمة قربت ودموعها في عينها: “يا بنتي.. ارحمي شيبتي، الأرض لو راحت بربع التمن إحنا هنضيع.. وأحمد جوزك أول واحد هيتأذى.”
ياسمين ملامحها اتحولت لقسوة وصوتها بقى حاد ومسموع في الصالة كلها: “أحمد أنا حرة معاه.. وأنتوا اللي ميرحمش ميتراحموش. الشنطة دي يا مي، هتاخديها وتطلعي بيها على الجمعية الشرعية اللي في أول الشارع، وتصوري نفسك وأنتِ بتسلميها ليهم وتنزلي الصورة على صفحتك وتكتبي ‘أنا بعتذر لياسمين’.. ده أول شرط عشان أفكر بس أخلي شركة الراوي تقعد معاكم على تربيزة المفاوضات تاني.”
مي برقت وعينها وسعت: “أنتِ عايزاني أفضح نفسي وأنزيل اعتذار؟!”
ياسمين قربت منها وهمست بقوة: “لو منزلتيهوش قبل الساعة 2 الظهر.. اعتبري الأرض دي اتباعت بربع التمن، والمصنع اللي شغال فيه أحمد وجوزك عصام، هيلغي عقوده مع المجموعة من بكرة.”
سابتهم واقفين في وسط الصالة والناس بتبص عليهم، ولفت وشها للسكرتيرة: “ادخلي معايا يا ندى على مكتب رئيس الإدارة.. عندنا ورق مهم لازم يمضي.”
دخلت ياسمين مكتبها الجديد، قعدت ورا المكتب الفخم وسندت ضهرها، ولأول مرة تحس بطعم الانتصار. تليفونها اتهز على المكتب، شاشته نورت وكان أحمد بيصل للمرة العشرين.. كنسلت عليه بكل برود، وفتحت أول ملف على المكتب وهي بتقول لنفسها: “لسه يا أحمد.. تقيل جاي ورا.”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *