**ثمن الهلاهيل* ج4* حكايات شروق خالد
مرت الساعات، والساعة دقت اتنين الظهر. ياسمين كانت قاعدة ورا مكتبها بتراجع ملفات الأرض، عيونها مكنتش بتفارق شاشة التليفون. فتحت الفيس بوك، وعملت ريفريش لصفحة مي.
وفعلاً، البوست نزل! صورة مي وهي واقفة بوش باهت ومكسور جوه الجمعية الشرعية، وشانقة في إيدها الشنطة الكبيرة، ومكتوب فوق الصورة نصاً زي ما ياسمين أمرت: “أنا بعتذر لياسمين وبقولها حقك عليا.. والشنطة دي أنا بتبرع بيها باسمها.”
الكومنتات انقلبت تريقة وشماتة في مي، والمنطقة كلها قفشت اللعبة وعرفت إن ياسمين لوية دراعهم. ياسمين قفلت التليفون بابتسامة نصر، وقامت ولمت ورقها ونزلت.
رجعت الشقة على المغرب. فتحت الباب ولقت الشقة ضلمة وهس هس، بس لقت أحمد قاعد في الصالة على الكرسي في نفس المكان اللي سابته فيه الصبح، والتليفون في إيده، وشه كان دبلان وعيونه حمرا من كتر التفكير.
أول ما شافها دخلت بالهدوم الشيك وراسها مرفوعة، وقف بنفضة وقرب منها، نبرة صوته مكنش فيها أي عصبية، كانت نبرة راجل مكسور: “مي نزلت البوست والاعتذار يا ياسمين.. وفضحوا نفسهم زي ما طلبتي. وأمي كلمتني وهي بتعيط وتقولي الحقنا الأرض هتروح مننا.. أنتِ كدة ارتحتي؟ كرامتك رجعتلك؟”
ياسمين قلعت الجاكيت وحطته على ضهر الكرسي بكل برود، وبصتله: “كرامتي من حقي يا أحمد، ومحدش بيرجع حق حد.. أنا اللي أخدته بإيدي. والراحة دي لسه مدوقتهاش.. دي البداية بس.”
أحمد مسك رسه بإيديه وقال بصوت مخنوق: “عايزة إيه تاني؟ قوليلي شروطك يا ياسمين.. قوليلي أعمل إيه عشان تقفلي المحضر ده ونرجع نعيش زي الأول؟ أنا مستعد أعملك كل اللي تعوزيه، هشتريلك لبس جديد، ومش هخلي حد من أهلي يكلمك نص كلمة تاني!”
ياسمين ضحكت ضحكة عالية وساخرة، وقربت منه وعينها في عينه: “نرجع زي الأول؟ بجد يا أحمد؟ أنت فاكر الوجع والكسرة اللي عشتهالك السنين اللي فاتت هتموت بطقمين لبس جداد وكلمتين طيبين؟ أنت فاكر لما وقفت قدام أهلك وعيرتوني بفقري وقلة حيلتي، ده هيمر بالساهل؟”
أحمد بلع ريقه بخوف: “أومال عايزة إيه؟”
ياسمين طلعت من الشنطة ورقة تانية، بس المرة دي مكنتش ورقة شغل.. كانت ورقة بيضاء مكتوبة عند محامي، وحطتها في هدوء تام قدامه على التربيزة.
أحمد بص للورقة وبرق، وبص لياسمين بصدمة: “إيه ده؟”
ياسمين وبكل ثبات: “دي ورقة تنازل.. هتتنازل لي عن الشقة دي باسمي، بيع وشراء ملوش رجعة.. والشقة دي هتبقى مهر كرامتي اللي اتدوست في بيت عيلتك. ده شرطي الأول والأساسي عشان أدخل أهلك في المفاوضات على الأرض ومرميش ورقهم في الزبالة.”
أحمد تراجع لورا وهو مش مصدق: “أنتِ اتجننتي؟ الشقة دي شقى عمري وكل اللي حيلتي.. عايزاني أكتبهالك وأنا واقف على رجلي؟!”
ياسمين لفت ضهرها ورايحة ناحية الأوضة، وقالت ببرود قاتل قبل ما تقفل الباب: “قدامك لحد بكرة الصبح يا أحمد.. يا تمضي وتضمن إن أهلك هياخدوا فلوس الأرض وإنك هتفضل في شغلك، يا ترفض وتصحى الصبح تلاقي نفسك في الشارع.. وأهلك بيشحتوا في الملكية.”
رزعت الباب وراها، وسابته في الصالة بيموت في دقيقته.. وعارف إن الحبل بقى على رقبته بجد.
حكايات شروق خالد
طول الليل وأحمد صاحي، رايح جاي في الصالة كأنها قفص. الورقة محطوطة على التربيزة زي القنبلة، وكل ما يبص لها يحس بخنقة. تليفونه مفسلش رن؛ أمه بتعيط وخايفة من الفضيحة وضياع الأرض، وأخوه عصام بيشتم ومي بتصوت في الخلفية. الكل مستني الكلمة المنجية من ياسمين، ومحدش يعرف إن تمن الكلمة دي هو شقى عمر أحمد.
على السرير جوه، كانت ياسمين نايمة في هدوء تام، ولأول مرة من سنين تنام وهي مش حاسة بالظلم.
الصبح طلع، وياسمين فتحت باب الأوضة وهي لابسّة وبكامل أناقتها وجاهزة للنزول. شافت أحمد قاعد على الكنبة، هدومه مبهدلة، وعيونه فيها كمية سواد وتعب متتوصفش. القلم كان في إيده، والورقة قدامه.
أحمد رفع رأسه وبص لها بصة كلها انكسار، وصوته طلع مبحوح: “مضيت يا ياسمين.. مضيت والتنازل جاهز. شقى عمري كله بقى باسمك. ارتحتي كدة؟”
ياسمين قربت بخطوات بطيئة، سحبت الورقة من قدامه، وبصت على الإمضاء والبصمة، واتأكدت إن كل حاجة قانونية. حطت الورقة في شنطتها وبصت له ببرود: “الراحة دي إحساس غالي قوي يا أحمد، متفتكرش إنه بييجي بالسهولة دي. الورقة دي حق الأيام اللي عشتها معاك وأنا حاسة إني قليلة.”
أحمد وقف وبصلها بمرارة: “أنا نفذت شرطك.. كلمي بقى شركة الراوي وخلصي موضوع الأرض، ورجعيلي عقود المصنع.”
ياسمين ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي بتفتح باب الشقة: “هيحصل.. الورق هيمشي قانوني، وعيلتك هتاخد تمن الأرض كاش، بس برضه بالسعر اللي الشركة شيفاه مناسب.. ومفيش مليم زيادة.”
نزلت ياسمين وراحت على شركتها. دخلت مكتبها، وطلبت من السكرتيرة تحدد ميعاد فوري مع الحاج الراوي. بعد نص ساعة، كانت قاعدة في مكتب صاحب الشركة، الراجل الكبير الوقور اللي بيبص لها بنظرة إعجاب بذكائها.
الراوي سحب سيجارته وبص لها: “أنا شايف إنك خلصتي الموضوع الشخصي يا ياسمين، والأرض بقت في جيبنا وبالمبلغ اللي حددتيه.. برافو عليكي، كسبتِ مصلحة الشغل وكسبتِ حقك.”
ياسمين ردت بثبات: “الشغل شغل يا فندم، وأنا من أول يوم قلت لحضرتك إني هجيب العقود دي وبأقل سعر، وده حصل.”
الراوي ابتسم وسألها: “طب وجوزك؟ وأهله؟ خلاص كدة الحساب صفي؟”
ياسمين عيونها لمعت بلمحة غامضة وقالت: “لأ طبعاً يا فندم.. النفوس اللي شبعت ظلم سنين مبيقضيهاش قعدة على التربيزة. أحمد افتكر إن لما كتب الشقة الأمور خلصت، وميعرفش إن الشقة دي كانت مجرد ‘إيجار قديم’ عن اللي فات.. اللي جاي بقى هو اللي عليه الحساب الحقيقي.”
الراوي ضحك: “وناويتِ على إيه؟”
ياسمين فتحت ملف تاني خالص كان مستخبي تحت إيدها، وقالت بصوت واثق: “المصنع اللي أحمد شغال فيه.. أنا مش هقفل عقوده يا فندم، أنا هخلي شركة الراوي تشتري أسهمه كلها.. وعايزة أحمد يفضل في مكانه، بس المدير المباشر بتاعه من الأسبوع الجاي.. هيبقى أنا.”
حكايات شروق خالد
ملامح الراوي اتغيرت من الابتسامة لنظرة دهشة حقيقية، سحب نَفَس طويل من سيجارته وبص للورق اللي ياسمين حطته قدامه: “تشتري أسهم المصنع؟ أنتِ مش بس عايزة تكسريهم يا ياسمين، أنتِ عايزة تحكمي قبضتك عليهم وميتحركوش إلا بإذنك!”
ياسمين ردت بنبرة أصلب من الحديد: “الناس دي لو شمت نفسها ثانية واحدة يا فندم هيرجعوا يدوسوا عليا تاني. أحمد لازم يعرف إن لقمة عيشه، ومكانه، وبرستيجه اللي كان بيذلني بيه، بقى تحت جزمتي.. وبإمضاء مني.”
الراوي هز رأسه بالموافقة وعينه بتلمع بإعجاب: “وعلى بركة الله.. ملف الاستحواذ على أسهم المصنع يبدأ من الصبح، وأنتِ اللي هتديريه بنفسك.”
عدت الأيام، والأمور مشيت زي السكين في الحلاوة. عيلة أحمد استلمت فلوس الأرض، بس المبلغ كان يدوب يسدد ديون أخوه عصام اللي كان غرقان فيها بسبب مي ومصاريفها. أما أحمد، فكان عايش في الشقة مع ياسمين زي الغريب، مبيتكلموش، هي تخرج بكامل أناقتها الصبح وترجع بالليل رافعة راسها، وهو قاعد دبلان ومكسور، مستني اليوم اللي هترجّع فيه المياه لمجاريها.
لحد ما جه يوم الأحد..
أحمد كان قاعد في مكتبه في المصنع، مخنوق والورق متلتل قدامه، فجأة الباب خبط ودخل السكرتير وهو وشه أصفر ويرتعش: “بشمهندس أحمد.. الحق، صاحب المصنع القديم باع كل الأسهم لشركة الراوي، ومجلس الإدارة الجديد وصل حالاً، والمدير العام الجديد طالبك بالاسم في مكتبه فوراً!”
أحمد قلبه انقبض، وقف وعدل قميصه وحس بوجع في بطنه. مشي في الطرقة وكل الموظفين واقفين يغوشوا ويوشوشوا بعض. وصل لحد مكتب المدير العام، أخد نَفَس طويل، وخبط الباب ودخل وهو بيقول: “أهلاً يا فندم، أنا البشمهندس أحمد…”
الكلام وقف في زوره، وعينه وسعت لدرجة البياض كله ظهر، وركبه سابت لدرجة إنه ساند على التربيزة عشان ميقعش!
الكرسي الجلد الفخم لف ببطء.. وظهرت ياسمين!
كانت لابسّة فستان أسود شيك جداً، ورافعة شعرها، وحاطة على مكتبها نضارة شمس ماركة، وفي إيدها قلم ذهب بتلعب بيه. بصت له من فوق لتحت بابتسامة باردة مسمومة خلت الدم يهرب من عروقه.
ياسمين سابت القلم، وشاورت له بصباعها على الكرسي اللي قدام المكتب: “اتفضل اقعد يا بشمهندس أحمد.. ولا تحب أقولك يا جوزي؟”
أحمد صوته طلع مخنوق ومش طالع من زوره: “ياسمين؟ أنتِ.. أنتِ المدير العام هنا؟”
ياسمين ساندت ضهرها على الكرسي وقالت بكل جبروت: “من نص ساعة بقيت الكل في الكل هنا يا أحمد.. يعني من اللحظة دي، تصرفاتك، حضورك، غيابك، ومكافئتك في إيدي أنا. وأول قرار أخدته بصفتي المديرة…”
سحبت ملف من قدامها ورامته على طرف المكتب: “دي مراجعة لشغلك الشهر اللي فات، وفيه أخطاء كتير.. وبناءً عليه، أنا قررت أنقلك من مكتبك الفخم ده، وهتنزل تشرف على العمال في العنابر تحت.. في الشمس والتراب، والمرتب هينزل للنص.”
أحمد وشه احمر وعروقه برزت وصرخ بغل مكسور: “أنتِ بتذليني يا ياسمين؟! بتنتقمي مني في أكل عيشي وشقايا؟!”
ياسمين وقفت وقربت منه، وطت على المكتب وبقت عينها في عينه مباشرة، وقالت بصوت واطي ومرعب: “ده مش ذل يا أحمد.. ده مقاسك الحقيقي اللي أنا رجعتك ليه. الهلاهيل اللي كانت مش عاجبة أهلك، هتنزل تلبس زيها تحت في العنابر وتتبهدل عشان تعرف قيمتها.. والباب قدامك، لو مش عاجبك، امضي استقالتك واطلع برا.. بس افتكر، لو طلعت، الشقة باسمي، والملفات اللي معايا تدخلك السجن بسبب التجاوزات اللي عملتها السنين اللي فاتت.”
أحمد انهار وقعد على الكرسي وهو بيعيط من كتر القهر والقلة.. نفس الكسرة اللي كسرها ليها قدام أهله، رجعت له أضعاف مضعفة.
ياسمين لفت وشها وبصت من الشباك الازاز الكبير على المصنع كله، وقالت وهي بتبتسم: “الظلم سلف ودين يا أحمد.. وأنا مبسمحش في مليم من حقي.”
**ثمن الهلاهيل**
حكايات شروق خالد