فاتوره الدم الجزء الاول حكايات شروق خالد

أنا كنت قاعدة بعد المكالمات دي كلها وعيني على الساعة اللي في وش سريري في المستشفى.

تسعة.
تسع مرات صباعي يترعش وهو بيدوس على زرار الاتصال، وصوت أجهزة رسم القلب وشاشات المتابعة بتصفر جمبي بهدوء يرعب. تسع مرات بتصل بأمي، وبعدها بأبويا، وبعدين على جروب العيلة على الواتساب. وفي كل مرة يجيلي نفس الرد: يا إما الخط بيفصل، يا إما يديني غير متاح، لحد ما وصلتني رسالة قصيرة من أمي كتبت فيها: “احنا عند لورا بنفرش، هو الموضوع مهم قوي يعني؟”
فضلت باصة لكلمة “مؤثر ومهم” دي والدمعة محبوسة في عيني، والممرضة كانت واقفة جمبي بتظبطلي المحلول في إيدي.
قبلها بيوم، مقطورة نقل مشيت عكس على الدائري ودخلت في عربيتي. إصاباتي كانت صعبة جداً، والدكاترة في المستشفى هنا في المهندسين قالولي إن الـ 24 ساعة الجايين دول هما اللي هيحددوا إذا كنت هعيش ولا هحصل اللي ماتوا.

#حكايات_شروق_خالد*
فـ أه.. يا أمي، الموضوع كان مهم قوي ومسألة حياة أو موت.
بس لورا أختي، كانت لسه ناقلة في فيلا جديدة في الشيخ زايد، مطبخها أمريكاني أبيض، وفيها أوضة أطفال لسه مفرشتهاش، وجوزها البرنس اللي شايف إن شيل الكراتين والفرش ده حاجة تقل من مقامه. أمي وأبويا سافروا لها من الصبح بحجة إنهم “هيقعدوا ساعتين بس” ويساعدوها. وطبعاً مفسوتش الفرصة، ونزلوا صور على الفيسبوك وهم بيضحكوا على باب الفيلا، في نفس اللحظة اللي أنا كنت فيها بين الحيا والموت تحت كشافات العمليات.
الساعة جات 7 إلا ثلث بالليل، وتلفوني نور.
لورا نزلت “ستوري” على إنستغرام.
كانت بتغني وتقول: “مظبطة العمل ومكنتش هعرف أعمل حاجة من غير بابا وماما حبيبي!”، ولفت الكاميرا عليهم.
أبويا كان شايل أباجورة كريستال وبيظبطها.
وأمي واقفة بترص المخدات الفرو على الأنتريه والضحكة من الودن للودن.
في اللحظة دي، حرارة غريبة مشيت في جسمي، والوجع اتقلب لغل. دوست على زرار الاستدعاء، بس مش عشان أنادي الدكتور.
لما الممرضة ميرفت قربت مني، سألتها بصوت مبحوح بس قوي وثابت: “ممكن تطلبيلي الرقم ده؟ مكتوب عندك (مكتب الأستاذ عادل الشافعي – المحامي)”.
بصتلي بقلق وقالت: “يا فندم أنتي تعبانة، مش وقته شغل خالص.”
رديت عليها وأنا بضغط على سناني: “اطلبيه بس يا ميرفت، ده أهم من الشغل.”
على الساعة 8 وربع بالليل، كان الأستاذ عادل واقف تحت رجلي في السرير، بلبسه الشيك وشنطته الجلد في إيده. الراجل ده هو اللي ماسك كل أملاكي وشغلي من يوم ما بعت شركة البرمجيات الطبية بتاعتي من سنتين لشركة مالتي ناشيونال.
أهلي كانوا عارفين إن معايا فلوس..
بس مكنوش يتخيلوا معايا كام، ولا حجم الثروة دي قد إيه.
والأهم من كل ده، إنهم مكنوش يعرفوا إنهم لسه مكتوبين في وصيتي وليلهم ونهارهم بيدعوا فسرهم إن يجرالي حاجة عشان يورثوني.
الأستاذ عادل قرب مني وقال بصوت واطي: “يا ميرال، بلاش تاخدي قرارات وأنتي في الحالة دي، استني لما تخفي وقومي بالسلامة.”
همستله وعيني فيها شرار: “لا يا متر.. دلوقتي.. ومش هقفل عيني قبل ما تمضي على كل حاجة.”
بدأ يقرأ التعديلات اللي أمليتها له بصوت جهوري هز الأوضة.
أمي وأبويا اتمسحوا تماماً من بند المستفيدين.
لورا أختي اتلغت من الوجود في أي ورقة تخصني.
كل الحسابات البنكية المفتوحة وحسابات الطوارئ اللي كانوا بيسحبوا منها كأنها فيزا المصروف بتاعتهم.. اتقفلت.
شقة جاردن سيتي اللي كانوا بيصيفوا ويشتوا فيها.. اتسحبت.
الودايع اللي كنت شايلاها لتعليم عيال لورا اللي لسه مجوش.. اتلغت.
حتى كراسي مجلس إدارة المؤسسة الخيرية اللي كنت عاملاها باسم العيلة وكانوا بيتمنظروا بيها وسط معارفهم في النادي.. اتشالوا منها.
وقعت على الورق وإيدي بتترعش بس قلبي كان حديد.
الساعة كانت 10 و3 دقائق بالليل، والباب اتفتح. أمي دخلت الأوضة وهي ماسكة كوباية قهوة من الكافيه اللي تحت المستشفى، ووراها أبويا ولورا وجوزها ببرود تام.
أمي نفخت بضيق وقالت: “خضيتينا عليكي يا ميرال.. كل ده عشان حتة خبطة؟ ما أنتي زي القردة أهو، تليفونات تليفونات قلبتي دماغنا!”
الأستاذ عادل لف وشافهم، وجمع ورقه في الشنطة وقفلها بتكة عالية سمعت في الأوضة كلها.
بصيت في عين أمي وأبويا بكل برود، وقولت بصوت واطي وراسي مرفوعة: “لا يا أمي.. أنتوا متخضيتوش عليا.. أنتوا اللي خضيتوني وصدمتوني فيكوا.”
أبويا استغرب وقال: “في إيه يا بنتي؟ وإيه المحامي ده والورق اللي في إيده؟ أنتي بتخبي مننا إيه؟”
ضحكت ضحكة وجع وقولتله: “مبقتش أخبي يا بابا.. الأستاذ عادل لسه لاغي التوكيلات والوصية. شقة جاردن سيتي تلموا حاجتكم منها بكرة، والفيلا اللي لورا قاعدة فيها دي، الإيجار اللي كنت بدفعه من حسابي السنوي هيتوقف من الشهر الجاي.. وروني بقى هتدفعوا أقساطها منين.”
لورا وشها جاب ألوان وجوزها اتصدم وبص لأمي، وأمي القهوة وقعت من إيدها على الأرض، وبدأت تصرخ: “أنتي بتلوي دراعنا عشان مجيناش ساعدناكي؟ دي أختك وكانت مزنوقة!”
وقبل ما حد فيهم ينطق بكلمة تانية، دخلت الممرضة ميرفت ومعاها اتنين أمن من المستشفى، وبأمر من الأستاذ عادل، طلعوهم برا الأوضة ومبقاش ليهم مكان في حياتي ولا في فلوسي من اللحظة دي.

#حكايات_شروق_خالد

خرجوا من الغرفة يجرون أذيال الخيبة والذهول، وصوت صراخ لورا وصياح جوزها كانا يترددان في الممر الخارجي للمستشفى قبل أن يتلاشيا تماماً مع إغلاق أفراد الأمن للباب الزجاجي الكبير.
عمّ هدوء غريب الأرجاء، هدوء لم أختبره من قبل. نظرت إلى شاشة متابعة نبضات القلب، فوجدت المؤشرات التي كانت تضطرب قبل قليل قد بدأت تستقر بشكل عجيب. الغل الذي كان يحرق صدري تحول فجأة إلى راحة باردة، وكأنني تخلصت من جبل كان يجثم على أنفاسي لسنوات.
التفتُّ إلى الأستاذ عادل الذي كان يقف بوقار، يعدل نظارته الطبية ويلملم ما تبقى من أوراق في حقيبته الجلدية. نظر إليّ بنظرة مزيج بين الشفقة والإعجاب، وقال بصوت خفيض:
* “أنا نفذت كل اللي طلبتيه يا ميرال، وبكرة الصبح كل البنوك والجهات الرسمية هيوصلها إخطار رسمي بإلغاء التوكيلات. بس عايزك تركزي في صحتك دلوقتي.. أنتي عملتي الصح، وفقتي لنفسك في الوقت المناسب.”
هززت رأسي ببطء، ولم أستطع أن أنطق سوى بكلمة واحدة: “شكراً يا متر.”
غادر المحامي، وبقيت وحدي مع الممرضة ميرفت التي كانت تنظر إليّ بعينين لامعتين بالدموع. اقتربت مني، وعدّلت غطاء السرير برفق وهي تقول:
* “الله يكون في عونك يا بنتي.. بس برافو عليكي، اللي يشوفك وانتي بتمضي يفتكرك بتموتي، بس الحقيقة أنتي كنتي بتتولدي من جديد.”
ابتسمت لها بضعف وأغمضت عيني. لأول مرة منذ سنوات، نمت نومة عميقة دون قلق، ودون تفكير فيمن يحبني ومن يطمع في مالي.
مرت الأيام الثلاثة التالية في المستشفى، وتجاوزت مرحلة الخطر تماماً وسط ذهول الأطباء الذين قالوا إن إرادتي في الحياة هي التي هزمت الإصابات. طوال هذه الأيام، لم يتوقف هاتفي عن الرنين. مئات المكالمات من أمي، ورسائل استعطاف وتوسل من لورا، وتهديدات مبطنة من أبويا تذكرني بـ “عقوق الوالدين”. لم أرد على أي منها، بل قمت بحظر أرقامهم جميعاً.
في اليوم الرابع، جاءني إشعار على الهاتف من البنك العقاري؛ تم تجميد حساب الطوارئ الخاص بلورا، ووصلني إشعار آخر من حارس عقار جاردن سيتي يؤكد فيه أن أهلي أخلوا الشقة باكيين، بعدما هددتهم بإبلاغ الشرطة إن لم يغادروها.
خرجت من المستشفى بجسد ما زال يلمع بالندوب، لكن بروحي لم تعد مكسورة. استقليت سيارة أجرة وتوجهت مباشرة إلى المطار. لم أعد أريد البقاء في مكان يذكرني بأنني كنت مجرد “صراف آلي” لعائلتي. حجزت تذكرة إلى دهب، حيث الهدوء والبحر، لأبدأ رحلة تعافي حقيقية، بعيداً عن زيف الوجوه ونفاق القلوب.
بينما كانت الطائرة ترتفع فوق سماء القاهرة، نظرت من النافذة وتنفست بعمق. أدركت حينها أن الحادثة التي كادت تنهي حياتي على الدائري، كانت في الواقع أعظم هدية منحها القدر لي؛ فقد علمتني أن أموال شروق خالد وثروتها لن تشتري عائلة، ولكنها على الأقل… استطاعت أن تشتري لها حريتها كـ ميرال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *