**”بين العسكري والقبر: الرتبة المستخبية في عنبر الطوارئ”*ج1* حكايات شروق خالد
في قلب مستشفى «المعادي العسكري»، كان الجو مشحون وريحته مطهرات وقلق وبنّ ساقع.. العنابر كلها مليانة على آخرها، والتمريض عيونهم منفوخة من قلة النوم وشيفتات ورا شيفتات ما بتنتهيش من بعد وصول طيارة الإخلاء.
وسط الهيلمة دي، كنت أنا.. «إلهام».
حكيمة عادية جداً بسكراب أزرق دبلان من كتر الغسيل، وكوتشي قديم ملوش ملامح، وبادج الهوية بتاعي دايماً مقلوب لورا من كتر الحركة والسحلة. محدش من اللي رايح واللي جاي كان يعرف إني بقالي 22 سنة كاملة بلقط عساكرنا وولادنا من بوق الموت في حتت عمرها ما طلعت في الأخبار.. محدش يعرف إن الست الهادية اللي بتظبط المحاليل دي، مخبية تحت ياقة قميصها رتبة تهز أجدعها شنب.
لحد ما دخل النقيب «كريم».
شاب لسه متخرج، منفوخ على الفاضي، حتة ميري نضيفة مفيهاش لقطة عرق، وبيادته بتلمع زي المراية. لسه منقول لإدارة المستشفى بقاله تلات أسابيع، وشايف إن الطب ده شوية جداول وألوان على الكمبيوتر وعمره ما شم ريحة بارود ولا دخل خط نار.
دخل العنبر يصفق بإيده ويزعق بصوت جهوري:
* “اسمعوا هنا! الغرفة رقم 1 تتفضى فوراً للمندوب المدني الـ VIP. والغرفة 2 للحرس بتوعه. والعساكر المصابين ارموهم في الغرف من 3 لـ 6.”
الممرض الصغير «أحمد» وقف مكانه مذهول وقال بتلعثم:
* “يا فندم، اللاسلكي بيقول إن العسكري اللي جاي حالته حرجة جداً.. نزيف حاد وإصابة نافذة في الصدر، والغرفة 1 هي الوحيدة اللي فيها جهاز نقل الدم السريع الشغال.”
النقيب كريم برق له وقاله بجرأة:
* “أنا ما طلبتش رأيك يا عسكري.. جهز الغرفة 1 للمندوب، وإلا هخلي خدمتك الجاية تكون عد شاش منتهي الصلاحية في أبعد نقطة في السلوم.”
هنا مقدرتش أسكت.. لفيت وقولتله ببرود:
* “سيب العسكري في حاله يا نقيب.”
كريم لف وبصلي من فوق لتحت باستحقار وهو مش مصدق إن حتة ممرضة بسكراب مبهدل بتكلمه:
* “وإنتي تطلعي مين بقى إن شاء الله؟”
* “مسؤولة الطوارئ في الشفت ده.”
بص للبادج المقلوب وضحك بقلة قيمة:
* “يعني ممرضة.. طب شوفي شغلك والزمي حدودك.”
العنبر كله سكت.. بصيت في عينه وقولتله:
* “الإسعافات هنا بتمشي بمين بيموت الأول.. مش بمين معاه رتبة أو كوسة.”
وشه أحمر وشرر طار من عينه:
* “المندوب ده شخصية مهمة!”
* “المندوب ده جاي على رجليه وعنده كسر بسيط في رجله وارتجاج.. العسكري اللي وراه رئته منهارة وشريانه مقطوع، لو مدخلش الغرفة 1 حالاً هيموت قبل ما يوصل العمليات.”
لسه هيكلم، البوابات اتفتحت بـ رزعة تهز المكان.. صوت صريخ الأجهزة، ترولي بيجري بسرعة البرق، ومسعفين هدومهم غرقانة دم وعرق:
* “حالة حرجة جداً! الضغط بيقع!”
على السرير كان نايم البطل «مساعد أول مصطفى».. راجل من وحوش الصاعقة زي الوتد، بس وشه بقى رمادي وبيموت.
كريم وقف في نص الممر ورفع إيده زي عسكري المرور:
* “حولوه على الغرفة 3!”
المسعف صرخ:
* “يا فندم هيموت مننا لو لفينا بيه!”
* “أنا قولت كلمة.. على الغرفة 3!”
في اللحظة دي، الدم غلي في عروقي بس عقلي جمد.. خطوت خطوة واحدة، مسكته من كتفه وبكل عزمي زقيته لورا.. الراجل طار خبط في دولاب الأدوات المعدن وعمل دوشة في العنبر كله.. وزعقت للمسعفين:
* “على الغرفة 1 فوراً!”
كريم قام وهو هيموت من الغل والكسفة قدام الناس:
* “دي إهانة واعتداء على ظابط عامل! إنتي انتهيتي.. أنا هطلب الشرطة العسكرية فوراً.”
* “اطلب اللي تطلبه.”.. وكنت لبست الجوانتي وبدأت أشتغل.
الدكتور الجراح كان محبوس في عمليات تانية ومحتاج ربع ساعة.. والراجل بيموت في إيدي.. كريم واقف ورايا بيجعجع:
* “ابعدي عنه! إنتي بتتعدي على تخصص مش بتاعك.. إنتي مجرد ممرضة!”
أخدت الإبرة الطويلة من أحمد.. كريم شاور عليا بصباعه:
* “لو لمستيه هحملك المسؤولية وهتتشمطي محاكمة عسكرية وتخرجي من هنا بالكلابشات.”
لفيت راسي ليه وقولتله بكلمات تطلع زي الرصاص:
* “أنا مكاني هنا.. بين العسكري ده والقبر.”
ودبّيت الإبرة في صدره.. الهوا المحبوس طلع بصوت “فشششش”.. وجهاز ضربات القلب بدأ يهدى ويرجع لطبيعته.
* “الصدر اتظبط.. هات المشرط والمقص فوراً يا أحمد.”
كريم مسك اللاسلكي وصوته بيرعش:
* “الشرطة العسكرية للغرفة 1 حالاً.. عندي حكيمة اتجننت وبتعمل عمليات من غير تصريح واعتدت عليا.”
إيدي كانت غرقانة في دم «مصطفى».. بصلح الشريان المقطوع بحرفية السنين.. سنين الميدان والمستشفيات الميدانية في سيناء، نفس الحركة اللي عملتها زمان في طيارة هليكوبتر بتتهز بالليل على كشاف موبايل.
دقيقة ونص.. والنزيف وقف.. العنبر كله أخد نفسه. الراجل لسه ممشيش من مرحلة الخطر، بس بقى حي.. والوقت بقالنا فيه أمل.
في اللحظة دي، دخل اتنين من رجالة الشرطة العسكرية، سلاحهم في جنبهم.. كريم جري عليهم زي اللي لقى تايه:
* “اقبضوا عليها حالاً.. ودلوقتي!”
العساكر بصوا ليا.. كنت واقفة غرقانة دم من ساسي لراسي، والبادج بتاعي لسه مقلوب.
كريم ضحك بشماتة:
* “مش مهم إنتي جاية من أنهي داهية.. إنتي هتعفني في السجن.”
بكل هدوء، قلعت غطا الرأس.. وبإيدي اللي فيها دم، مسكت البادج المقلوب.. ولفيته لوشه.
كريم قرب بعينه عشان يقرأ الاسم والرتبة المكتوبة.. وفي ثانية واحدة، الدم هرب من وشه، وركبه سابت، وحس إن مستقبله كله اتمسح بأستيكة لما قرأ التلات كلمات اللي مكتوبين تحت اسمي:
**«عميد طبيب / إلهام الشافعي»**
*(كبير مستشاري جراحات الحروب والعمليات الخاصة بالقوات المسلحة)*
عساكر الشرطة العسكرية أول ما شافوا الرتبة، ضربوا تعظيم سلام هز العنبر.. وكريم واقف زي الصنم، عرف إنه مش بس هدد ممرضة.. ده هدد الست الوحيدة اللي لو غابت، مفيش قائد قوات خاصة في البلد دي كلها هيعرف ينام ليلته مطمن على رجالته.
حكايات شروق خالد
الشرطة العسكرية ما كذّبتش خبر، لفّوا نفسهم في ثانية وبصوا للنقيب كريم اللي كان واقف ركبه بتخبط في بعضها، ووشه جايب ألوان الطيف من الصدمة.
قربت منه خطوتين، والدم اللي على إيدي لسه منشفش، وقولتله بصوت واطي بس يرعب:
* “امسح بقى الجعجعة دي يا نقيب.. ولمّ نفسك بدل ما أخلّي خدمتك الجاية تكون في كشك حراسة على حدود المريخ.”
كريم بلع ريقه وصوته اتمسح تماماً، لسان حاله بيقول “يا أرض انشقي وابلعيني”. وبدأ يرجع لورا خطوة خطوة وهو بيعتذر ويتلجلج:
* “يا فندم.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. افتكرت..”
قاطعته بإشارة من إيدي وبصيت لرجالة الشرطة العسكرية:
* “خدوا النقيب من قدام عيني.. يفضل في مكتبه لحد ما شفت الطوارئ يخلص، وحسابه معايا بعدين.”
العساكر جم في ثانية، ومن غير ولا كلمة، أخدوا كريم اللي كان ماشي زي العيل الصغير اللي مفقوش في مصيبة، مكسور الجناح وعارف إن مستقبله العسكري كله بقى في كف عفريت.
لفيت بسرعة لـ “أحمد” وباقي طقم التمريض اللي كانوا واقفين فاتحين بقهم ومش مصدقين إن “إلهام” الحكيمة الغلبانة اللي بتشيل معاهم الشفتات هي نفسها “السيادة العميد” اللي بيسمعوا عنها في الأساطير.
زعقت فيهم عشان يفوقوا:
* “وقفتوا ليه؟ الحالة لسه مخرجتش من خط النار! أحمد.. جهز كيسين دم زيادة، وبلّغ غرف العمليات الرئيسية إننا داخلين بـ ‘مصطفى’ حالا.. يلا همّة!”
العنبر كله اتقلبت حاله في ثانية، الكل بقى بيجري زي الساعة.. وفي خلال عشر دقائق، كان الجراح الرئيسي وصل وهو بيجري وبيلبس الجوانتي، وبصلي باحترام شديد:
* “تمام يا فندم، النزيف وقف والوضع مستقر بفضل خطوتك الأولى.. هننزل بيه العمليات فوراً.”
هزيت راسي، ووقفت أتابع الترولي وهو خارج من العنبر ورايح على العمليات.. أخدت نفس طويل، وقلعت الجوانتي الغرقان دم، وبصيت على البادج بتاعي اللي رجع لوشه الحقيقي..
في المستشفى دي، وفي الشغلانة دي بالذات.. الرتب مش على الكتاف، الرتب الحقيقية هي كام روح قدرت تخطفها من إيد الموت وتلّحقها في آخر ثانية. و”مصطفى” النهاردة، هيرجع لبيته ولولاده.. وده عندي بالدنيا كلها.
حكايات شروق خالد
