**قانون الحوت: نهاية إمبراطورية الكرتون* ج2* حكايات شروق خالد

صوت الباب وهو بيترزع وراهم ساب وراه سكات مريح، سكات شبه الهدوء اللي بيبقى بعد العاصفة لما تكنس كل القش والزبالة اللي في طريقها.

شاهندا ونيرمين فضلوا واقفين في نص الصالة، وشوشهم اللي كانت من دقايق بتنطق شماتة وفخر، دلوقتي ملامحها سايحة من الرعب. نيرمين كانت بتبص على مكان شريف وهو بيتسحب بالكلابشات وكأنها مش مستوعبة إن السند اللي كان هيسرق عشانها اتمسح بكرامته الأرض في ثواني.

حماتي، قصدي “شاهندا”، حاولت تلم الباقي من كبريائها المزيف، قربت مني ووجها محقن بالغل، وقالت وهي بتشاور بإيد بتترعش:

— “فاكرة نفسك انتصرتي؟ والله ما هسيبك، هجيب له أعلى محامين في البلد ويطلعوه منها زي الشعرة من العجين، وهنرميكي في الشارع بالهدوم اللي عليكي دي!”

بصيت لها من فوق لتحت، وأنا سانده ضهري على الكرسي الفخم بكل راحة، وقلت لها بنبرة هادية تخوف:

— “أعلى محامين في البلد؟ طنط شاهندا.. أنتي نسيتي أنا بشتغل إيه؟ المحامين اللي بتتكلمي عنهم دول، نصهم تلاميذي، والنص التاني خسر قضايا قدامي. شريف لابس قض*ية شروع في ق/تل وعاهة مستديمة، وتزوير عقود، وسرقة جنائية. ده غير التسجيل اللي معايا اللي بيثبت إنكم مشتركين معاه ومحرضين. يعني لو مكانك، أخاف على نفسي وعلى نيرمين أكتر ما أخاف على شريف.”

كلمة “سجن” لما خبطت في ودن نيرمين، خليتها تقع على ركبها وتعيط بانهيار:

— “ماما أرجوكي يلا نمشي من هنا.. دي مش بني آدمة، دي شيطانة! أنا مش عايزة أتسجن، المحل بتاعي ضاع وخلاص مش عايزة فلوس!”

شاهندا بصت لبنتها بقلة حيلة، ولأول مرة أشوف في عينيها نظرة الانكسار الحقيقية. نزلت إيدها اللي كانت بتتحامى بيها، ولفت ضهرها وسحبت بنتها وخرجوا من الشقة يجروا رجليها وراهم، من غير حتى ما تقفل الباب وراها.

قمت بالراحة، مشيت لحد باب الشقة وقفلته بالمفتاح.. تلات تكات. صوت التكة كان زي صوت إعلان حريتي.

رجعت قعدت على السفرة. وبصيت لطبق اللحمة اللي شريف كان بيقطعه ببرود. سحبت السكينة بإيدي الشمال السليمة، وبدأت أقطع وأكل. الوجع اللي كان بيسمع في ضهري بدأ يهدأ، أو يمكن عقلي مبقاش مركز معاه بعد ما حقي رجع تالت ومتلت.

طلعت الموبايل وطلبت رقم “حازم” زميلي اللي كان لسه نازل مع الضابط.

رن رنتين ورد:

— “خير يا شروق؟ أنتي كويسة؟”

رديت وأنا بمضغ بكل برود:

— “كله تمام يا حازم. شريف وصل البوكس؟”

حازم ضحك وقالي:

— “وصل ووشه في الأرض، ومتكلبش في العسكري. متقلقيش، التقرير الطبي قاطع، والتسجيل اللي بعتيهولي على الواتساب كفيل يوديه ورا الشمس هو وأهله. النيابة هتفتح التحقيق الصبح، وأنا مجهز كل حاجة.”

— “تمام يا حازم.. ارفع كمان دعوة طلاق للضرر، وحجز تحفظي على كل أملاكه ومحله، وعايزة قرار تمكين من الشقة دي لوحدي خلال ٢٤ ساعة.”

— “اعتبريه حصل يا حوت. ارتاحي أنتي دلوقتي.”

قفلت الخط، وحطيت الموبايل جمبي.

بصيت للنجفة الكريستال اللي فوقيا، ونورها اللي كان عاكس على الصالة الفاضية والنضيفة.

الناس بتمشي ورا غريزة القوة والافتراس، وبيتغروا لما يشوفوا الضحية ساكتة أو بتداري، ميعرفوش إن الهدوء ده بيبقى مجرد وقت بنرتب فيه الأوراق، وبنحسب الخطوة اللي هتنزل تنهي الجيم كله.

شريف وعيلته افتكروا إنهم كسروا عيني ومناخيري.. مكنوش يعرفوا إنهم بمجرد ما مدوا إيديهم، مضوا على وثيقة دمارهم بإيديهم.

مسحت شفايفي بالمنديل، وقمت عشان أدخل أنام في بيتي.. اللي رجع بيتي لوحدي.

#حكايات_شروق_خالد

 

السرير اللي نمت عليه الليلة دي كان أوسع بكتير من كل يوم. لأول مرة من سنين، نمت من غير ما أسمع صوت نَفَس شريف المزعج أو أحس بتقل وجوده اللي كان خانق الأوضة.

الصبح صحيت على صوت زقزقة العصافير بره، النور كان داخل الشقة وصابغ الصالة بلون دافي. بصيت لإيدي اليمين، الورم كان لسه معلم، بس اللون الأزرق بدأ يهدى ويتحول لبنفسجي دبلان. قمت، غيرت هدومي بمساعدة “أم أحمد” جارتي اللي اتصلت بيها تيجي تلبسني، ونزلت على النيابة.

أول ما دخلت مبنى النيابة، كان حازم واقف مستنيني ومعاه اتنين من المحامين الصغيرين في المكتب، شايلين شنطة ملفات. حازم أول ما شافني ابتسم وقال:

— “حمد الله على السلامة يا شروق. شريف جوه من الساعة ٨ الصبح، ووشه بقى شبه قشر البصل من كتر العياط.”

دخلت أوضة وكيل النيابة. شريف كان قاعد على كرسي خشب، هدومه اللي كانت شيك ومكوية امبارح بقت مبهدلة، ودقنه نبتت في كام ساعة، وعينيه منفوخة من قلة النوم والخوف. أول ما شافني دخلت بالـ “حمالة الطبية” البيضا، قام وقف وكأنه شاف شبح، وقال بصوت متقطع:

— “شروق.. عشان خاطر ربنا.. أنا اتجننت، الشيطان وزّني.. وافقي على الصلح وأنا هكتبلك كل اللي عايزاه!”

وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة:

— “اقعد يا متهم متتكلمش من غير إذن!”

قعدت بكل ثبات وثقة، وبدأت الجلسة. حازم قدم “الفلاشة” اللي عليها التسجيل الصوتي بتاع ليلة امبارح، وقدم التقرير الطبي الشرعي اللي بيثبت إن الكسر اللي في معصمي وشرخ الكتف ناتجين عن اعتداء بآلة حادة أو ضغط عنيف، مش مجرد “كعبورة وقعة” زي ما شريف حاول يدعي في الأول.

وكيل النيابة شغل التسجيل. صوت شاهندا وهي بتقول: *”ابني أخيراً عرفها مقامها وعرفها هي ملك مين”* ملأ الأوضة. شريف حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بنحيب مسموع. كل كلمة قالوها امبارح وهم بيخططوا لسرقتي وسلب حقوقي كانت بتتسجل مسمار في نعش حريته.

بعد ساعتين من التحقيق السين وجيم، خرج القرار اللي كان متوقع:

**”حبس المتهم شريف عبد الحميد أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الميعاد، وإصدار أمر ضبط وإحضار للمشكو في حقهما: شاهندا (…) ونيرمين (…) بتهمة التحريض والمشاركة في الشروع في سرقة وتزوير أوراق رسمية.”**

وأنا خارجة من الأوضة، شريف كان واقف والكلابشات بتتقفل في إيده تاني عشان يترحل على الحجز. بصيت له ونزلت نظارتي الشمسية شوية وقلت له:

— “المصلحة المادية بتاعة أختك نيرمين يا شريف، كلفتك تمانين ألف جنيه.. بس كلفتك كمان شرفك، وحريتك، ومستقبلك. المحل بتاعها هيتقفل، وأنت هتقضي كام سنة الجايين بتفكر في ‘مقامات’ الناس ورا القضبان.”

سبته ومشيت وصوت صريخه وهو بيترجاني ورايا.

بعدها بـ ٢٤ ساعة، كنت قاعدة في الصالون بتاعي، وحازم جابلي قرار التمكين “المنفرد” من الشقة، وإعلان دعوى الطلاق للضرر اللي ارفعت رسمي.

التلفون رن، كان رقم شاهندا. رديت وفتحت السبيكر:

— “شروق.. أرجوكي ارحمينا، نيرمين جايلها أمر ضبط وإحضار وقاعدة مغمى عليها، وأنا ضغطي عالي وهيموتني.. هنرجعلك كل حاجة، وهنطلقك في هدوء، بس اتنزلي عن المحضر!”

أخدت نفس طويل، وبصيت لإيدي اللي بدأت تتحسن، وقلت لها بنبرة حاسمة زي حكم محكمة النقض:

— “يا طنط شاهندا.. زمان وأنا لسه متخرجة، أول درس اتعلمته في القانون إن ‘القانون لا يحمي المغفلين’.. وأنا بضيف عليه النهاردة: ‘والقانون مبيسمحش للتعابين إنها تلدغ وتعيش عادية’. شريف هيتسجن، ونيرمين هتتحقق معاها، والبيت ده بتاعي. كملوا خططكم بقا من جوه الحجز.. مش حابة أقطع كلامكم.”

قفلت السكة في وشها، وعملت “بلوك” للرقم.

شلت الحمالة الطبية من على إيدي بالراحة، وحركت صوابعي. الوجع كان لسه بيلسع، بس الإحساس بالانتصار والنصرة كان كفيل ينسيني أي ألم. أنا شروق . الحوت اللي افتكروا إنهم ممكن يكسروا ضهره، وميعرفوش إن الحيتان مبتعيشش في المايه الراكدة.. الحيتان بتبلع اللي يضايقها.

 

 

**قانون الحوت: نهاية إمبراطورية الكرتون**

 

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *