“طوق نجاة من صوف”ج1 حكايات شروق خالد
لما سكرتير عاصم الألفي بلغه إن 11 شغالة سابوا الشغل ومشوا في ظرف ثمان شهور بس، مرفعش حتى عينه من على الإزاز.
كان واقف قدام شباك مكتبه الإزاز الكبير اللي واخد من السقف للأرض في أخر دور من “برج الألفي”، بيبص على شوارع القاهرة والضباب المغطي شكل البيوت والمنشآت في الصباح الباكر. كوباية القهوة السادة كانت محطوطة على مكتبه من غير ما يلمسها، وبردت من ثلث ساعة.. زي كل حاجة تانية في حياته.
بقاله تلات سنين، عاصم عايش بس عشان ميموتش. مجلات البيزنس والشركات كانت بتسميه “مهندس الصلب”، شركاؤه بيعملوا له ألف حساب، والمنافسين بيخافوا منه.. بس مفيش بني آدم فيهم سأل نفسه: الراجل بيبقى إيه حاله لما يخسر الست اللي حبها؟ وبنته الصغيرة اللي كانت لسه يدوب بتتعلم تنطق اسمه؟
“يا فندم”، السكرتير قالها بصوت واطي وهو واقف على الباب، “المكتب باعت يسأل لو حضرتك تحب تبص على ملف البنت اللي مقدمة على الشغل قبل ما نوافق عليها؟”
عاصم مالتفتش خالص وقال ببرود: “دخلها.. كلهم بيمشوا في الآخر.”
الباب اتقفل ورا السكرتير، ومن الشباك كانت شوارع مصر الجديدة بتصحي بالراحة تحت المطر الخفيف وأنوار الشوارع الصفراء، والملياردير فضل واقف مكانه زي الصنم، كأنه محبوس جوه نفس الذكرى سنة ورا سنة.
ناحية تانية من البلد، في شقة صغيرة وبسيطة في شبرا، كانت فيه بنت صغيرة بتطبق بانتظام يونيفورم كحلي وبتحطه على ضهر الكرسي. الشقة كانت ريحتها قهوة مغلية على نار هادية وريحة دوا.
“يا تيتة”، هدى قالتها بصوت حنين، “عندي إنترفيو بكرة.”
الحاجة فاطمة فتحت عين واحدة وهي ساندة على الكنبة، إيديها كانت ورمانه من الروماتيزم وقلبها تعبان، بس عقلها لسه صاحي وميفوتوش فوتة.
“شغل إيه يا بنتي؟”
“شغالة في فيلا كبيرة في التجمع الخامس.”
الحاجة فاطمة بصت لحفيدتها ثواني وقالت لها: “لمي شعرك لورا، ومتبتسميش كتير في الأول.. الأغنياء مبيطمنوش للبني آدم اللي بيبان طيب بسرعة.”
هدى ضحكت بصوت واطي: “حاضر يا تيتة.”
“وما تمضيش على أي ورقة قبل ما تقريها.. هيقبضوكي كام؟”
لما هدى قالت لها على المرتب، الحاجة فاطمة سكتت خالص، وبعد كام ثانية قالت كلمة واحدة بس: “إتوكلي على الله.. واثبتي هناك.”
بالليل، هدى طفت نور الممر وفضلت سامعة صوت جهاز الأكسجين بتاع جدتها وهو شغال بانتظام. بقالها سنتين الصوت ده مالي عليها كل ليلة. هدى سابت كلية التمريض وهي في سنة تالتة، مش عشان مبقتش تحب الشغلانة، لا، عشان مكنش فيه حد تاني يراعي الحاجة فاطمة. العلاج كان غالي جداً، وإيجار الشقة متأخر، والشغلانة دي كانت ممكن تقلب حياتهم وتنقذهم.
الصبح، مدام جيهان، المشرفة على الفيلا، فتحت الباب قبل ما هدى حتى تكمل رن الجرس. كانت ست
#حكايات_شروق_خالد
ممشوقة القوام، شيك جداً وصارمة، من نوع الستات اللي يفصصوا حياتك كلها بنظرة واحدة في كام ثانية.
قرأت من البورد اللي في إيدها: “هدى الشناوي.. مواليد طنطا.. عايشة في القاهرة من ست سنين. خريجة لغات وترجمة، فرنساوي وإنجليزي، وبتفهم برتغالي كمان.. اتفضلي ادخلي.”
اللفة في الفيلا عشان تتفرج عليها كانت سريعة ومحددة بالملي. كل أوضة لها قواعدها. المطبخ له قواعد، أوض الضيوف لها قواعد، وأوضة الغسيل لها قواعد.
بس فيه قاعدتين اتكرروا بلهجة شديدة وناشفة أكتر من أي حاجة ثانية.
مكتب الأستاذ عاصم ممنوع حد يهوب ناحيته نهائي، ومفيش ورقة أو حاجة على مكتبه تلتلمس. والأوضة اللي في آخر الطرقة في الدور التاني تفضل مقفولة بالمفتاح.. طول الوقت.
هدى بصت ناحية الطرقة وسألت: “ليه؟”
مدام جيهان وقفت ونظراتها ضاقت: “عشان الأستاذ عاصم أمر بكده.” وبعدين وطت صوتها وقالت: “والأوضة دي متفتحتش من تلات سنين.”
قشعريرة مشيت في جسم هدى، مكنتش فاهمة حاجة. الأوضة المقفولة دي كانت هي السر والسبب اللي خلي كل شغالة تيجي هنا تسيب الشغل وتمشي.
ولما عاصم الألفي بعد كده عمل نفسه نايم عشان يختبرها ويشوفها هتسرق، ولا هتفتش في حاجته، ولا هتهرب وتخاف زي الباقيين..
هدى عملت حاجة مفيش مخلوق عملها جوه البيت ده من تلات سنين.. حاجة غير متوقعة لدرجة إنها خلت أكبر وأقوى راجل في السوق يفتح عينيه.. وينسى إزاي يتنفس.
#حكايات_شروق_خالد
في اليوم ده، عاصم كان متمدد على الكنبة الجلد اللي في مكتبه، مغمض عينيه وعامل نفسه نايم، بس حواسه كلها كانت صاحية ومركبة أعلى أجهزة إنذار. كان مستني اللحظة اللي هدى هتدخل فيها عشان “تفتش” في أوراقه، أو تمد إيدها على المحفظة اللي سابها مقصودة على المكتب، أو على الأقل تقف تتفرج على صورته مع مراته وبنته الله يرحمهم، زي ما كل الشغالات اللي قبلها عملوا.
الباب اتفتح براحة خفيفة جداً، لدرجة إنه لو مكنش مركز مكنش هيسمعه.
دخلت هدى وهي شايلة في إيدها صينية عليها فنجان قهوة سادة ومنديل أبيض مظبوط. مشيت بخطوات زي القطة، وبصت عليه لقته “نايم”.
عاصم كتم نفسه تماماً وثبّت حركته، مستني اللفتة الجاية.. مستني “المدّة” اللي بتمتد على حاجته.
بس هدى ما راحتش ناحية المكتب أصلاً. ولا حتى قربت من المحفظة.
هدى قربت منه هو.. بالراحة وبكل حذر. حطت صينية القهوة على الترابيزة الصغيرة اللي جنبه، وبصت على وشه لثواني. عاصم حس بنظراتها عليه، وفجأة، حس بحاجة دافية بتتحرك فوق جسمه.
هدى مكنتش بتسرق.. هدى كانت بتفرش عليه غطا صوف خفيف كانت شايلاه على إيدها!
الجو في المكتب كان ساقع جداً بسبب التكييف اللي عاصم كان مشغله على أعلى درجة، وهو مكنش حاسس بجسمه من كتر الهم. هدى وطت بالراحة، عدلت الغطا حوالين كتافه كأنها بتغطي طفل صغير، وبصوت همس تكاد تكون بتكلم نفسها، قالت بدعاء حنين من بتوع زمان: “ربنا يريح قلبك ويهدي سرك يا رب..”
وبعدين التفتت، وبدل ما تلمس المكتب، راحت ناحية كوباية القهوة القديمة الباردة، وشالتها من غير ما تعمل أي صوت، وخرجت وقفلت الباب وراها بكل هدوء.
في اللحظة دي، عاصم فتح عينيه على الآخر.
نفسه اتكتم، وحس كأن الهوا اتسحب من الأوضة. بقاله تلات سنين مفيش مخلوق دخل البيت ده وبص له كأنه بني آدم محتاج يتحس بيه أو يتغطى.. كلهم كانوا بيشوفوه “الخزنة” أو “الرئيس الصارم” اللي بيخافوا منه.
بص على الغطا الصوف اللي عليه، وشم فيه ريحة نظيفة ودافية فكرته ببيوت زمان وبحنية أمه. الملياردير اللي بيهز السوق بكلمة، فضل قاعد مكانه مشلول من الصدمة، وعقله مش قادر يستوعب إن البنت البسيطة دي، اللي جاية عشان لقمة العيش، كانت الوحيدة اللي شافت وجعه الحقيقي ووفرت له الدفا من غير ما تطلب المقابل.