“طوق نجاة من صوف”ج3 حكايات شروق خالد

من تاني يوم الصبح، الفيلا كلها اتغيرت حالها. هدى فتحت شبابيك الأوضة المقفولة، ودخلت الشمس والهوا لأول مكان بقاله تلات سنين ضلمة. عاصم كان واقف على الباب بيراقبها وهي بتتحرك بخفة، بتلمس اللعب بحنية وتنظف التراب من غير ما تغير ملامح الذكرى، كأنها بترمّم روحه هو مش مجرد أوضة.
الشهور عدت، وبقت هدى هي الروح الجديدة للبيت. عاصم رجع يبتسم، ورجع صوته في الشغل يبقى أهدى وأقوى، بس المرة دي بقوة بني آدم عايش، مش صنم حديد. جدة هدى، الحاجة فاطمة، نقلت لمستشفى كبيرة على حساب عاصم، وبقت حالتها مستقرة، وهدى حست لأول مرة إن الدنيا بتفتح لها إيديها بعد تعب وسهر.
وفي ليلة، عاصم طلب من هدى تطلع له المكتب فوق. لما دخلت، لقته قاعد ورا مكتبه، بس مكنش فيه البرود بتاع زمان. كان قدامه ملفين.
بص لها وقال بنبرة هادية بس مليانة ثقة: “هدى.. الملف الأول ده ورق تقديمك في كلية التمريض من جديد.. أنا كلمت العميد وبكرة هترجعي تكملي سنتك التالتة، ومصاريفك كلها مدفوعة لحد ما تتخرجي.”
دموع الفرحة لمعت في عين هدى، ومكنتش عارفة تنطق، بس عاصم كمل وهو بيمد إيده بالملف التاني: “أما الملف ده.. فده عقد شراكة باسمك في مستشفى خاص جديد أنا ببنيها.. المستشفى دي هتبقى بتاعتك وإدارتك لما تتخرجي.”
هدى رجعت خطوة لورا مذهولة: “عاصم بيه.. ده كتير عليا.. أنا معملتش كل ده عشان المقابل، أنا بس…”
عاصم قام من ورا مكتبه، وقرب منها لحد ما بقى واقف قدامها، وبص في عينيها بنظرة حقيقية، دافية، وفيها إعجاب وتقدير عمرها ما شافته من راجل قبل كده.
قال لها بصوت واطي: “أنتِ عملتي اللي فلوس الدنيا كلها مكنتش تقدر تشتريه يا هدى. أنتِ دخلتي البيت ده وأنا ميت، ورجعتيني للحياة. الغطا الصوف اللي حطيتيه عليا وأنا عامل نفسي نايم في أول يوم، كان أول حاجة دافية تلمس قلبي من سنين.. أنتِ مش شغالة، ولا سكرتيرة.. أنتِ الست اللي أنقذت عاصم الألفي.”
سكت ثانية، وأخد نفس عميق وكمل: “أنا مستنيكي تخلصي دراستك.. ومش بس عشان تستلمي المستشفى.. أنا مستني اليوم اللي تقبلي فيه تشيلسي اسمي، وتكوني شريكة حياتي بجد.. قدام ربنا والدنيا كلها.”
هدى بصت له، والدموع اللي نزلت المرة دي كانت دموع البداية الجديدة.. البنت اللي سابت كليتها عشان تخدم، لقت الراجل اللي يشيلها فوق راسه ويفتح لها الدنيا من جديد.

حكايات شروق خالد

مرت سنتين، وفي السنتين دول هدى ركزت في دراستها بكل قوتها. رجعت كليتها ودخلت الامتحانات ونجحت بامتياز، وعاصم مكنش بيفوت يوم من غير ما يشجعها. كان دايماً يروح يستناها قدام باب الكلية بعربيته، والكل يشوف “مهندس الصلب” وهو واقف بكل هيبته، مستني البنت اللي غيرت حياته بابتسامه طفل.
جدة هدى، الحاجة فاطمة، صحتها اتحسنت كتير بفضل ربنا ثم الرعاية اللي عاصم وفرها لها، وبقت قاعدة في شقة شيك وقريبة منهم، والضحكة رجعت لوشها من تاني.
يوم تخرج هدى كان يوم مشهود. عاصم جه الحفلة وكان جايب معاها باقة ورد بيضاء كبييييرة. ولما استلمت الشهادة، وقف وسط المدرج وصقف لها بحرارة وعينيه بتلمع بالفخر، كأنه هو اللي اتخرج مش هي.
بالليل، عاصم عزَم هدى والحاجة فاطمة في مطعم شيك جداً على النيل، المحل كله كان محجوز ليهم بس. الأنوار الهادية وريحة النيل ونغمات المزيكا كانت عاملة جو ساحر.
بعد العشا، عاصم طلع من جيبه علبة قطيفة كحلي صغيرة، وفتحها.. كان جواها خاتم ألماظ رقيق جداً بيلمع تحت الإضاءة.
بص لهدى وقال بصوت كله مشاعر صادقة: “المرة اللي فاتت، وعدتك إني هستنى اللحظة دي.. والنهارده أنتِ بقيتي دكتورة هدى، وجاهزة تفتحي مستشفاكي.. ودلوقتي، أنا بطلب منك قدام تيتة فاطمة.. تقبلي تتجوزيني يا هدى؟ تقبلي تكملي معايا عمري اللي بدأ بجد من يوم ما دخلتي حياتي؟”
الحاجة فاطمة بصت لهدى وهي بتبتسم ودموع الفرحة في عينيها وهزت راسها كأنها بتقولها “وافقي يا بنتي”.
هدى بصت لعاصم، واشترت شريط الذكريات كله في ثانية.. من يوم ما كانت بتطبق اليونيفورم الكحلي في شقة شبرا، ليوم ما غطته باللحاف الصوف وهو عامل نفسه نايم، ليوم ما فتحت معاه الأوضة المقفولة.
ابتسمت هدى والدموع في عينيها وقالت: “موافقة يا عاصم.. موافقة جداً.”
وبعد شهر، اتعمل فرح كبير وجميل في الجنينة بتاعة الفيلا. الفيلا اللي كانت زمان زي القبر، بقت مليانة ناس وفرح وأنوار وزينة. هدى كانت طالعة زي الملاك بفستانها الأبيض، وعاصم كان بيبص لها وكأنه ملك الدنيا كلها في إيده.
ولما دخلوا الفيلا بالليل، عاصم مسك إيد هدى، وطلعوا الدور التاني.. ووقفوا قدام الأوضة اللي كانت مقفولة. الأوضة دلوقتي بقت مفتوحة، نظيفة، وريحتها ورد.
عاصم وطى على إيد هدى وباسها وقال لها: “الأوضة دي من النهارده هتبقى أوضة ولادنا.. عشان نملى البيت ده ضحك وحياة من جديد.. أنتِ مش بس نورتي البيت يا هدى، أنتِ أحييتي روحي.”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *