**رماد التوأم** حكايات شروق خالد
أختي التوأم جبرتني ألبس بيكيني في حفلة عيد ميلادنا الثامن عشر، وبصت لي باحتقار وقالت: “يلا.. وري الناس كلها الوحش اللي مخبياه تحت الروب ده”. حوالي ميتين شخص من المعازيم رفعوا تليفوناتهم، ومستنيين فضيحة وفضيحة السنة.
#حكايات_شروق_خالد
أنا ابتسمت، ورميت الروب من عليّ، وكشفت عن الحروق والندوب اللي مغطية جسمي كله. كل ضحكة في المكان اختفت لما مسكت المايك وقلت: “الندوب دي هي السبب الوحيد إن أختي عايشة وواقفة قدامكم النهاردة”. أمي انفجرت في العياط، وأبويا وطى رأسه الأرض، وأختي انهارت على ركبها. بس الحقيقة التانية اللي كشفتها بعد كده صدمت الكل أكتر وأكتر…
الجزء الأول
المزيكا العالية، وصوت طرطشة المية، وضحك حوالي ميتين مراهق، كل ده وقف فجأة لما صوت صفارة المايك ضرب في ودن الكل وقطع هدوء العصر.
على حرف حمام السباحة كانت واقفة أختي التوأم، نادين.
كانت طالعة زي المجلات؛ البيكيني الفوشيا الفاقع وبشرتها البرونزية المظبوطة مخلينها خطافة للعين، وكل الكاميرات والتليفونات كانت متوجهة ناحيتها.
أنا كنت واقفة في آخر جنينة الفيلا.
كنت لابسة نفس البيكيني بالظبط.
بس محدش كان يعرف.
لأني كنت مخبياه تحت روب بشكير أبيض تقيل، رغم حرارة الصيف اللي بتولع نار.
عرق ساقع كان نازل على ضهري.. مش من الجو، من الرعب التام.
نادين نادت في المايك بنبرة كلها مرح مصطنع، وهي بتبتسم كأنها بتهزر هزار بريء: “يا ميرنا!”.
كل الوشوش التفتت ناحيتي.
“أنتِ قاعدة مستخبية في الروب ده طول اليوم! مخلية شكلنا غريب قدام الناس”.
كام واحد من الحاضرين ضحكوا بسخرية.
نادين شاورت عليّ بالظبط، وابتسامتها بدأت تتحول لحاجة كلها لؤم وقسوة: “إحنا مش متفقين نلبس زي بعض النهاردة عشان عيد ميلادنا؟ يبقى بلاش استغماية بقى.. اقلعي الروب ده وانزلي المية! ولا أنتِ مكسوفة تخلي الناس تشوف شكلك الحقيقي عامل ازاي؟”.
واحدة من صاحباتها القريبين بدأت تسقف.. ببطء.. وبتريقة.
وواحد تاني دخل معاها.
#حكايات_شروق_خالد
وفي ثواني، الجنينة كلها بقت بتهز بصوت تسقيف جماعي وتقطيع قاسي: “اقلعي الروب!.. اقلعي الروب!.. اقلعي الروب!”.
بالنسبة لهم، ده كان تسلية وفقرة ضحك.
كانوا فاكرين إني مجرد بنت معقدة ومش واثقة في نفسها.
محدش فيهم كان يعرف إني مبلبستش نص كم من اتناشر سنة.
جوه البيت، من ورا الأبواب الإزاز، شفت إيد أبويا ماسكة المقبض، وكان خلاص خارج يهد الدنيا ويوقف المهزلة دي.
جت عيني في عينه وهزيت رأسي براحة أوي.. لأ.
مش المرة دي.
الحقيقة استخبت وقت طويل أوي وخلاص جه وقتها.
كل خطوة كنت بتمشاها ناحية نادين كانت تقيلة كأنها جبل.
التليفونات كلها ارفعت، وبتسجل، ومستنيين لحظة كسر نفسي وفضيحتي.
مكانوش متخيلين هما ويشوفوا إيه حالا.
وقفت على بعد خطوتين منها.
نادين ابتسمت ابتسامة انتصار، وهي متأكدة إنها كسرتني وكسبت الجولة.
ثبت عيني في عينها، وبعدين وبكل هدوء فكيت حزام الروب.
العقدة اتفكت.
الروب اتزحلق من على كتافي ووقع على الأرض الرخام من غير أي صوت.
شهقة رعب وخضة جماعية هزت الجنينة كلها.
في حد إيده اترعشت وكوباية الإزاز وقعت من يده واتشظت مية حتة على الأرض.
التسقيف والهتاف وقفوا في ثانية واحدة.
وكل ابتسامة على الوشوش اختفت تماماً…
#حكايات_شروق_خالد
الصمت بقاله هيبة مرعبة في المكان، وميتين شخص كانوا بيبصوا لجسمي بذهول وصدمة مخلتش حد فيهم قادر ينطق بكلمة. الحروق والندوب كانت واخدة مساحة كبيرة من ضهري وكتافي ودراعي الشمال، علامات مشوهة وقاسية سابها الوجع والنار من اتناشر سنة.
نادين الابتسامة اتمسحت من على وشها تماماً، خطوة ورا خطوة بدأت ترجع لورا وعينها مبرقة برعب وهي شايفاني بقرب منها بثبات مكنتش تتوقعه.
مديت إيدي وبكل هدوء أخدت المايك من إيدها اللي كانت بتترعش، ووقفت في نص الجنينة، وبصيت للكاميرات والتليفونات اللي لسه مرفوعة بس أصحابها نسيوا يقفلوها من كتر الخضة.
اتكلمت في المايك وصوتي كان طالع قوي وثابت، بس فيه نبرة وجع هزت قلوب الناس: “الوحش والتشويه اللي أختي كانت بتتريق عليه ومستنية تتفرجوا عليه وتضحكوا.. هو السبب الوحيد إن نادين واقفة قدامكم النهاردة بكامل جمالها ومن غير خدش واحد في جسمها”.
الناس بدأت تبص لبعض بوشوش مخطوفة، وكملت: “من اتناشر سنة، لما كان عندنا ست سنين، بيت عيلتنا القديم ولع بسبب ماس كهربائي.. نادين كانت محبوسة جوه أوضتنا والنار حاصرتها من كل حتة. أنا مدخلتش أدور على ألعابي ولا استخبيت؛ أنا رميت جسمي وسط النار وشيلتها وخرجت بيها، والستارة المولعة وقعت على ضهري ودراعي وأنا بحميها بجسمي عشان هي متتأذيش”.
بصيت لنادين اللي كانت دموعها بدأت تنزل برعب وقلت: “أنا عشت اتناشر سنة بستحمل نظرات الشفقة، وبستحمل حر الصيف في هدوم مقفولة وطويلة عشان مكسرش فرحتها بجمالها، وعشان محدش يحسسها بالذنب.. والنهاردة، في عيد ميلادنا الـ 18، أختي حبت تكافئني قدامكم وتفضحني عشان تظهر هي الملكة المثالية.. بس الحقيقة التانية بقى، اللي نادين نفسها مكنتش تعرفها.. ولا حد فيكم يعرفها.. هي الصدمة الأكبر”.
التفتت ناحية أمي اللي كانت بتعيط بانهيار وهي مخبية وشها في إيدها، وأبويا اللي كان واقف عاجز وراسه في الأرض من الخزي.
قلت بأعلى صوتي والمايك مسمع الفيلا كلها: “الندوب دي مكنتش الحاجة الوحيدة اللي اتخبت عنك يا نادين.. الحقيقة إن الحريق ده مكنش ماس كهربائي زي ما عيلتنا فهمت الناس كلها عشان تداري على الفضيحة.. الحريق ده، نادين هي اللي عملته بإيدها! كانت بتلعب بالكبريت ورمته على ملاية السرير من ورا الدادات، ولما النار مسكت خافت وجريت استخبت في الدولاب وقفلته على نفسها!”.
الكل شهق صدمة، ونادين وقعت على ركبها على أرض الرخام وهي بتصرخ بهستيريا ومش قادرة تنطق.
كملت وكلامي بينزل زي السكاكين: “أبويا وأمي دفعوا ملايين عشان يداروا على القضية ويقفلوا المحاضر، وفهموني إني لو اتكلمت أو قلت الحقيقة، أختي التوأم هتدخل مصحة أو السجن.. أنا ضحيت بجسمي وبحياتي ووبمراهقتي كلها عشان أحمي البنت اللي ولعت في البيت ووهبتني الوجع ده طول عمري! وفي الآخر.. جاية النهاردة تذلني بالروب والبيكيني؟”.
رميت المايك في حمام السباحة فعمل صوت طرطشة عالية، وأخدت الروب بتاعي من على الأرض، ولبسته بكل برود ووقار وسط ميتين شخص واقفين منكسرين وبيبكوا على حالي، وأولهم أصحاب نادين اللي كانوا بيهتفوا ضد المحركين.
مشيت وسبت الحفلة، وسبت نادين منهارة على ركبها، وأمي وأبويا بيحاولوا يداروا وشهم من الناس.. مشيت وأنا حاسة لأول مرة من اتناشر سنة إن الحمل التقيل اللي كان على ضهري انزاح، وإن الحقيقة مهما استخبت، بتطلع في الوقت المناسب عشان تكسر عين كل ظالم ومغرور.