البيت اللي رموني فيه… ولما بنيته بإيدي حاولوا ياخدوه مني ج1 حكايات شروق خالد

أهلي جابوا لأختي التوأم شقة بنتهاوس بتلاتة مليون جنيه، وأنا ادّوني بيت قديم آيل للسقوط كانوا شارينه في مزاد بأقل من تمن كنبة مستعملة.

 

وبعد تسع شهور، أمي دخلت المطبخ اللي أنا رممته بإيديا، وبصت للدواليب الكحلي، والأرضية الخشب، والطوب الأحمر المكشوف في الحيطان، كأنها بتعاين جناح في فندق مش بيتي وحياتي، وحطت ملف أصفر فوق رخامة المطبخ الخشب.

 

وبعدين قالت بمنتهى البرود:

 

“لمي حاجتك يا نورا… فيفيان محتاجة البيت ده دلوقتي.”

 

وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة.

 

هما عمرهم ما صدقوا إن البيت ده ممكن يبقى جميل.

 

هما بس كانوا واثقين إني هتعب وأصلحه… وبعدها ياخدوه مني.

 

اسمي نورا حمدي.

 

عندي سبعة وعشرين سنة، واتولدت قبل أختي التوأم، فيفيان، بسبع دقايق.

 

سبع دقايق بس.

 

ده كان كل الفرق بينا.

 

لكن في عيلتنا، السبع دقايق دول كانوا كفاية علشان الكل يقرر مين فينا هتكون النجمة… ومين هتفضل طول عمرها شايلة المقشة وبتنضف وراها.

 

فيفيان كانت الحلوة.

 

الرقيقة.

 

المدللة.

 

البنت اللي كل قرايبنا كانوا بيقولوا عليها:

 

“دي نجمة العيلة.”

 

أما أنا، فكنت “العاقلة”.

 

والعاقلة دي كلمة بيقولها الأهل للبنت اللي عايزينها تبلع زعلها في هدوء، ومتشتكيش، وبعدها تقوم تحط الأكل على السفرة كأن مفيش حاجة حصلت.

 

فيفيان كان عندها دروس رقص، وفساتين جديدة، وأوضة نوم بيتغير أثاثها كل كام سنة، وأمي كانت بتسقف لها قبل حتى ما تخلص اللي بتعمله.

 

أما أنا؟

 

شغل البيت.

 

هدوم فيفيان القديمة.

 

وجملة أبويا اللي سمعتها طول عمري:

 

“نورا مش محتاجة دلع… دي عملية وبتعرف تعتمد على نفسها.”

 

عملية.

 

الكلمة دي فضلت ماشية ورايا طول حياتي زي سلسلة صغيرة مربوطة في رقبتي.

 

علشان كده، لما أهلي عملوا لنا حفلة تخرج كبيرة في فيلا العيلة في التجمع، كان المفروض أتوقع اللي هيحصل.

 

سرادق أبيض ضخم.

 

أنوار صغيرة معلقة في كل مكان.

 

أكل من شركة كاترينج غالية.

 

وقرايب ماسكين كاسات العصير وبيمثلوا إن الحفلة معمولة علشان يحتفلوا بالبنتين بالتساوي.

 

أبويا وقف قدام فيفيان واداها علبة سودا شيك.

 

فتحتها.

 

كان جواها مفتاح إلكتروني.

 

مفتاح بنتهاوس مدفوع تمنه بالكامل في واحدة من أفخم مناطق القاهرة الجديدة.

 

شبابيك من الأرض للسقف.

 

أمن وحراسة على مدار الساعة.

 

حمام سباحة فوق السطح.

 

وتمن الشقة كان حوالي تلاتة مليون جنيه.

 

الرقم فضل يتردد بين الترابيزات كأنه خبر مفرح للعيلة كلها.

 

وبعدين أبويا لف ناحيتي.

 

مفيش كلمة حلوة.

 

مفيش حضن.

 

مفيش حتى حد رفع الموبايل علشان يصور اللحظة.

 

رما كيس بلاستيك عند رجلي.

 

آه.

 

كيس بلاستيك من بتوع السوبر ماركت.

 

فتحت الكيس.

#حكايات_شروق_خالد

لقيت جواه شوية مفاتيح نحاس مصدية، وورقة متنية مكتوب عليها عنوان.

 

بيت قديم في حارة شعبية ناحية مصر القديمة.

 

كانوا شارينه في مزاد بحوالي تسعمية جنيه.

 

أبويا ابتسم وقال:

 

“مشروع صغير ليكي… اعتبريه درس في الاعتماد على النفس.”

 

الناس ضحكت.

 

مش لأن الكلام كان مضحك.

 

لكن لأنهم مكانوش عارفين هل القسوة الواضحة بالشكل ده مسموح يضحكوا عليها ولا لأ.

 

فيفيان قربت من واحدة صاحبتها وقالت بصوت عالي متعمدة إني أسمعها:

 

“نورا طول عمرها بتحب تدوّر الزبالة.”

 

أمي سمعتها.

 

وما قالتش لها حاجة.

 

وده كان أكتر شيء افتكرته بعدين.

 

مش المفاتيح.

 

ولا ضحك الناس.

 

سكوت أمي.

 

البيت كان أسوأ من الإهانة نفسها.

 

الباب الخارجي مائل.

 

الشبابيك مقفولة بألواح خشب.

 

وفيه قرار إزالة قديم متعلق على الباب، أطرافه اتاكلت من الشمس والمطر.

 

أول ما دخلت، ريحة الرطوبة والعفن والتراب ضربت في وشي.

 

المحارة واقعة.

 

المواسير مصدية.

 

السقف فيه أجزاء مهددة تقع.

 

وصاحبتي مادي أول ما دخلت ورايا، رفعت الإيشارب على مناخيرها وقالت:

 

“لا يا نورا… مستحيل. البيت ده محتاج معجزة.”

 

لكن وأنا ماشية وسط الركام، طرف السجادة القديمة المقطوعة اتحرك تحت رجلي.

 

بصيت لتحت.

 

ركعت.

 

وشديت جزء منها.

 

وكان هناك.

 

خشب أصلي قديم.

 

مدفون تحت التراب.

 

متبقع.

 

مخدوش.

 

لكن لسه موجود.

 

ولأول مرة فهمت حاجة أهلي مكانوش قادرين يشوفوها.

 

هما رموني وسط الخراب لأنهم كانوا شايفين إني أنتمي له.

 

لكنهم ماكانوش يعرفوا إني بعرف أشوف الأصل تحت الدمار.

 

وقبل ما أصرف جنيه واحد على البيت، عملت أهم حاجة في حياتي.

#حكايات_شروق_خالد

ورق رسمي.

 

عقد ترميم واتفاق مكتوب.

 

أبويا وقّع عليه.

 

وأمي وقّعت عليه.

 

واتوثق رسمي.

 

الاتفاق كان واضح:

 

لو قدرت أخلي البيت صالح للسكن خلال اتناشر شهر، وعلى حسابي الشخصي بالكامل، الشركة اللي البيت مسجل باسمها تلتزم بنقل الملكية ليا مقابل جنيه واحد.

 

أبويا تقريبًا ما قراش الورق.

 

وقّع وهو بيضحك وقال:

 

“اعملي اللي انتي عايزاه.”

 

وأمي بصت لي وقالت بسخرية:

 

“إنتي بتحبي تعيشي الدور أوي يا نورا.”

 

أما أنا؟

 

حطيت العقد في ملف.

 

وسميت أول صفحة في دفتري الأسود:

 

الصفحة الأولى.

 

لمدة تمن شهور، كنت بشتغل الصبح في ورشة ومعرض أثاث، وبالليل بروح البيت.

 

شيل ركام.

 

طلبات تصاريح.

 

كمامات وفلاتر.

 

فحص كهربا.

 

تصليح سباكة.

 

فواتير.

 

إيصالات.

 

كنت محتفظة بإيصال كل مسمار.

 

كل علبة دهان.

 

كل كيس أسمنت.

 

كل جنيه دفعته.

 

وكل ساعة اشتغلتها.

 

عم جابر، جاري المتقاعد، كان بيساعدني في الحاجات اللي ممكن تتسبب في موتي لو عملتها غلط، خصوصًا الكهربا.

 

وكان دايمًا يقول:

 

“أنا مش بساعدك يا بنتي… أنا بس بمنع كارثة جديدة تحصل في الحارة.”

 

ومادي كانت بتيجي بالقهوة والسندوتشات، وتقعد جنبي على الأرض وسط التراب.

 

كانت من النوع اللي يقف جنبك من غير ما يحتاج جمهور يشوفه وهو بيعمل كده.

 

وشوية بشوية…

 

البيت اتغير.

 

الطوب الأحمر القديم ظهر من تحت طبقات المحارة.

 

الأرضية الخشب رجعت تلمع بلون دافي.

 

الشبابيك اتفتحت.

 

والشمس دخلت البيت لأول مرة من سنين.

 

أما المطبخ…

 

فكان أجمل حاجة عملتها بإيديا.

 

دواليب كحلي.

 

رخامة خشب طبيعية.

 

رفوف مفتوحة.

 

والشمس وقت العصر كانت تدخل من الشباك وتغطي المكان بنور ذهبي، كأن البيت نفسه كان مستني كل السنين دي حد واحد بس يصدق إنه يستاهل فرصة.

 

وبعدين…

 

فيفيان خسرت البنتهاوس.

 

وأمي ظهرت عند باب بيتي بالملف الأصفر.

 

دخلت من غير ما تستأذن.

 

لفت بعينيها في المكان ببطء.

 

بصت للحيطان.

 

للأرضية.

 

للمطبخ.

#حكايات_شروق_خالد

للسلم اللي رممته.

 

ولكل تفصيلة دفعت فيها من فلوسي ووقتي وصحتي.

 

ما قالتش:

 

“برافو.”

 

ولا:

 

“أنا فخورة بيكي.”

 

ولا حتى:

 

“البيت بقى جميل.”

 

مشت لحد المطبخ.

 

حطت الملف الأصفر فوق الرخامة الخشب.

 

فتحته.

 

وطلعت نسخة من عقد ملكية البيت.

 

زقته ناحيتي.

 

وبعدين ابتسمت.

 

“لمي حاجتك يا نورا. فيفيان محتاجة البيت ده دلوقتي.”

 

بصيت لها من غير ما أتكلم.

 

فكملت:

 

“شقتها راحت بسبب مشاكل مالية، ومش معقول أختك تعيش في مكان أقل من المستوى اللي اتعودت عليه.”

 

قلت بهدوء:

 

“وده إيه علاقته ببيتي؟”

 

ضحكت.

 

ضحكة قصيرة باردة.

 

وبعدين خبطت بصباعها على الورقة.

 

“بيتك؟”

 

سكتت لحظة، قبل ما تقول:

 

“إنتي ما صدقتيش بجد إننا نقلنا البيت باسمك، صح؟”

 

لثانية واحدة…

 

ثانية واحدة بس…

 

كنت على وشك أرجع البنت الصغيرة اللي كانت بتبلع زعلها وتسكت.

 

البنت اللي اتعلمت إن فيفيان دايمًا تيجي الأول.

 

وإن دوري أنا أصلح.

 

وأتنازل.

 

وأفهم.

 

وأسكت.

 

لكن المرة دي…

 

مديت إيدي ناحية الرف.

 

سحبت الدفتر الأسود.

 

وحطيته قدام أمي.

 

فتحته.

 

على الصفحة الأولى.

 

وبصيت لها مباشرة.

 

وقلت:

 

“لأ يا ماما… أنا ما صدقتش كلامكم.”

 

قلبت الصفحة ببطء.

 

“أنا صدقت توقيعاتكم.”

 

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *