**”بين العسكري والقبر: الرتبة المستخبية في عنبر الطوارئ”*ج3* حكايات شروق خالد

ركبت الميكروباص اللي رايح ناحية الجيزة وسط الناس الشقيانة اللي رايحة أكل عيشها مع أول ضوء للشمس. قعدت جنب الشباك وسندت راسي عليه، وبقيت أتفرج على الشوارع وهي بتصحي.. بياع الفول اللي بيجهز عربيتو، والعمال اللي مستنيين المقاولة، والطلبة اللي رايحين مدارسهم وصوت أم كلثوم طالع من راديو الميكروباص وهي بتغني “مصر التي في خاطري”.
محدش من اللي قاعدين جنبي كان يتخيل إن الست الهادية اللي لابسة عباية بسيطة وماسكة شنطة قماش دي، كانت من كام ساعة بس بتخيط شريان في صدر بطل وبتطير بمستقبل ضابط مستهتر.
وصلت بيتي في حارة هادية من حواري مصر القديمة. فتحت الباب بالراحة عشان مِصحّيش حد.. شميت ريحة البيت اللي بتطمن، ريحة بخور هادي كانت بنتي “مريم” متبخرة بيه البيت قبل ما تنام.
دخلت أوضتي، حطيت الشنطة، وبصيت في المراية.. شوفت تجاعيد وشي اللي حفرتها سنين الشقا، والخطوط اللي تحت عيني من سهر الليالي في المستشفيات الميدانية. قلعت البادج وحطيته على التسريحة جنب صورة جوزي الله يرحمه، اللي استشهد في سينا من عشر سنين.. بصيت لصورته وقولتله بصوت واطي:
* “طمن قلبك يا حبيبي.. رجالوتك لسه بخير، وولاد مصر لسه بيطلعوا من بوق الموت عشان يحموها.. واليوم عدا على خير.”
وفجأة، الباب خبط خبطة صغيرة ودخلت مريم، بنتي الكبيرة اللي بتدرس في امتياز طب قصر العيني.. كانت صاحية بتذاكر وعينها منفوخة، أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني:
* “حمد الله على السلامة يا ماما.. الشفت كان عامل إيه النهاردة؟ تعبتي؟”
ابتسمت وطبطبت عليها:
* “الله يسلمك يا قلب ماما.. تعبها راحة يا بنتي، طول ما بنقدر نرجع أم فرحانة بابنها، يبقى التعب ملوش قيمة.”
مريم بصت للبادج اللي على التسريحة، وقربت ومسكته، وقرأت المكتوب فيه “عميد طبيب / إلهام الشافعي”.. لفت ليا وقالت بفخر وعينها بتلمع:
* “تعرفي يا ماما.. أنا صحابي في الكلية لما بيعرفوا إنك دكتورة إلهام، بيقعدوا يحكوا عن العمليات اللي عملتيها في وقت الحرب وكأنهم بيتكلموا عن حد من الأساطير.. ونفسي في يوم من الأيام أكون ربعك.”
أخدتها في حضني وقولتلها:
* “يا مريم يا بنتي.. الرتبة دي والاسم ده مش هما الأسطورة. الأسطورة هي الشغلانة دي لما تديها قلبك وبطنك.. لما تشوفي الغلبان والمصعّد وعسكري الأمن المركزي زيه زي أجدعها مسؤول.. الطب يا بنتي مش لقطة ولا منظرة بالبالطو الأبيض.. الطب ده رحمة ربنا اللي بتمشي على الأرض.. طول ما أنتي حاسة بوجع الناس، ربنا هيكبرك ويحط محبتك في قلوبهم.”
مريم باست إيدي وقالت:
* “حاضر يا ماما.. ربنا يخليكي لينا وتفضلي دايماً ساندانا وساندة كل اللي يحتاجك.”
* “ويخليكم ليا يا بنتي.. يلا روحي كملي مذاكرتك، وأنا هصلي الفجر وأنام لي ساعتين قبل ما يطلبوني تاني.. المستشفى مابتنامش، وأنا عمري ما هأخر عن ولادي.”
دخلت توضيت وصليت الفجر، ودعيت لكل عسكري نايم في المستشفى، ولكل أم مستنية ابنها يرجع لها بالسلامة.. ونمت وأنا مرتاحة البال، عارفة إن الشرف مش في الرتبة اللي بتتحط على الكتف، الشرف الحقيقي هو إنك تكون السند وقت الشدة.. وإحنا بتوع الشدائد.

حكايات شروق خالد

عدت الساعتين وكأنهم دقيقتين، وصحيت على صوت تليفوني الشخصي وهو بيرن.. النغمة دي بالذات كنت مخصصاها لعمليات الطوارئ الحرجة في المستشفى، نغمة تخلي الواحد يقف انتباه وهو لسه في سريره.
سحبت الخط وقولت بصوت ناشف ملوش علاقة بالنوم:
* “أيوة.. معام العميد إلهام.”
جالي صوت مدير المستشفى، اللواء صبري، بس المرة دي صوته كان فيه نبرة غريبة.. مزيج من التوتر والارتياح:
* “صباح الخير يا فندم، أسف إني صحيتك.. بس اللواء قائد قوات الصاعقة بنفسه وصل المستشفى من نص ساعة عشان يطمن على (مصطفى)، وأول ما عرف باللي حصل في الطوارئ وباللي عملتيه، أصر إنه يستناكي في المكتب بره الرعاية.. ومَرضيش يمشي إلا لما يشوفك.”
أخدت نفس طويل وقولتله:
* “مسافة السكة يا سيادة اللواء، ربع ساعة وأكون عندك.”
قمت بسرعة، غسلت وشي، ولبست لبسي الميري العسكري كامل.. البدلة المكوية، الكتافات اللي عليها النسر والنجمتين، وشيلت البادج اللي كان سبب الحكاية وحطيته في جيبه مكان قلبي. بصيت لنفسي في المراية.. الوش تعبان، بس الهيبة هي هي، هيبة الشرف والخدمة.
نزلت وأخدت تاكسي وعلى “المعادي العسكري” فوراً.
أول ما دخلت ممر الرعاية المركزة، لقيت الحركة مش عادية.. حرس واقفين، وقيادات من الصاعقة بـ براريهاتهم الحمراء المميزة ماليين المكان. وفي نص الممر، كان واقف اللواء قائد القوات، راجل زي الصخر، هيبته تملى العين.
أول ما شافني داخلة، ساب القيادات اللي واقفة معاه، وخطى خطوتين ناحيتي.. وقبل ما أنا أرفع إيدي وأضرب له تعظيم سلام بحكم الأقدمية، لقيت الراجل هو اللي رفع إيده وضربهولي!
تعظيم سلام عسكري ناشف ومهيب من قائد قوات الصاعقة لـ “إلهام الشافعي”.
وقفنا انتباه، ونزل إيده وقرب مني، وبصلي بعيون فيها تقدير يوزن بلد، وقال بصوت جهوري هز الممر:
* “يا فندم.. أنا اللي بضربلك تعظيم سلام النهاردة باسم كل عسكري وضابط في الصاعقة المصرية. مصطفى ده مش مجرد عسكري، مصطفى ده من أبطال العمليات اللي شايلين روحهم على كفوفهم.. وإنتي النهاردة رجعتي لي ابني، وحميتي ضهر رجالتي.”
بصيت له بثبات وقولتله:
* “يا فندم، ده واجبي وده مكاني. ولادنا في الصاعقة بيحمونا بره في خط النار، وأقل حاجة نعملها إننا نحميهم جوه لما يقعوا.. رتبتنا الحقيقية بنأخدها من أرواحهم اللي ربنا بيجعلنا سبب في نجدتها.”
اللواء ابتسم وقال:
* “والنقيب كريم.. قراره طلع خلاص، هيتنقل للوحدات الإدارية البعيدة في السلوم، وهيتحاكم عسكرياً عشان يعرف إن الميري مش منظرة ولا وسيلة عشان يتنطط بيها على أسياده من الدكاترة والتمريض اللي بيحملوا المستشفى على كتافهم.”
في اللحظة دي، لمحت من قزاز الرعاية المركزة “مصطفى”.. كان بدأ يفوق، وعيونه مفتوحة ببطء، وجنبه المؤشرات كلها مستقرة وزي الفل.
دخلت الرعاية بالراحة، وقربت من سريره.. أول ما شافني، عرفني علطول بالرغم من البدلة الميري.. حاول يرفع إيده يحييني، بس طبطبت على كتفه بحنية وقولتله:
* “ارتاح يا بطل.. حمد الله على سلامتك يا مصطفى.. شد حيلك عشان أمك في الصعيد مستنياك، وبسكوت الشفت الجاي مش هتاكله لوحدك، أنا اللي هعملك الشاي بنفسي.”
الواد ابتسم من تحت ماسك الأكسجين، ودمعة فرحة نزلت من عينه.
خرجت من الرعاية وأنا حاسة إن الممر كله بينور.. الشمس كانت طلعت وبقت في كبد السماء، والناس رايحة وجاية، والمستشفى شغالة مابتوقفش.. لفيت البادج بتاعي تاني ورجعته لظهره، وحطيته في جيبي.. ومسكت كشكول الطوارئ وبدأت الشفت الجديد.. لأن الحكايات بتخلص، والأبطال بيروحوا ويجوا، بس مصر.. مصر دايماً ولادة، وطالما فيها رجالة بتحمي في الميدان، وستات بتداوي في الطوارئ.. عمر شمسها ما ه تغيب.

**”بين العسكري والقبر: الرتبة المستخبية في عنبر الطوارئ”**
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *