دافع لي والد زوجي
قرأ فيصل البند مرة.
ثم مرة أخرى.
كانت أصابعه ترتجف إلى درجة أن الورقة أصدرت صوتًا خفيفًا بين يديه.
تقر مجموعة العتيبي الاستثمارية بأنها تلقت من بنك السبيعي تمويلًا مؤقتًا مشروطًا بإزالة أي مطالبة وراثية أو عائلية أو مالية ناتجة عن العلاقة بين فيصل العتيبي ونورة الحربي قرأ بصوت منخفض.
بقيت الجوهرة في مكانها بلا حركة.
أغلق الشيخ فهد عينيه.
أما أنا فلم أفعل.
كنت أريده أن يبقى مستيقظًا.
كنت أريد أن يقرأ فيصل كل كلمة، كما قرأت أنا خذلاني طوال خمس سنوات.
أكمل قلت.
ابتلع فيصل ريقه.
وفي حال وجود ذرية غير معترف بها، يلتزم الشيخ فهد العتيبي بضمان إبعادها عن الدائرة العائلية من خلال تعويض مالي وسرية تامة…
تجمدت القاعة كلها.
إحدى السيدات بفستان فضي أفلتت كأسها من يدها.
ولم ينحنِ أحد لالتقاطه.
فتح محاميّ بدر القحطاني الملف على صفحة أخرى.
المستند لا يثبت فقط أن الشيخ فهد أجبركِ على الرحيل يا نورة. بل يثبت أن الزواج من عائلة السبيعي كان جزءًا من صفقة مالية. خروجكِ، والشيك، وصمت فيصل، كلها استُخدمت لإنقاذ ديون مجموعة العتيبي.
نظرت الجوهرة إلى والدها الجالس في الصف الأول وملامحه متصلبة.
هل كنت تعرف هذا؟
لم يُجب الشيخ ناصر السبيعي.
ولم يكن بحاجة إلى أن يجيب.
كان صمته له رائحة العقود.
خلعت الجوهرة طرحتها ببطء.
وكان فيصل لا يزال ينظر إلى الورقة كأنها نار بين يديه.
أنا لم أوقّع على هذا تمتم.
فتح الشيخ فهد عينيه.
فيصل، لا تقل كلمة واحدة.
هل كنت أعرف؟
شدّ الشيخ فهد على فكه.
فعلت ما كان لازمًا لحمايتك.
عندها أطلقت ضحكة قصيرة وجافة.
لا. فعلت ما كان لازمًا لتبيعه بثمن أعلى.
نظر إليّ الشيخ فهد بحقد.
لكن حقده لم يعد يصل إليّ.
قبل خمس سنوات كان سيحطمني. كنت فتاة ترتجف ويدها
فوق بطنها، تدخل مكاتب من الرخام، والجميع ينظر إليها كأنها لطخة على السجاد. أما تلك الليلة، تحت ثريات الريتز كارلتون في الرياض، أمام رجال الأعمال والكاميرات، كان حقده صغيرًا.
صغيرًا جدًا.
التصق أطفالي بي.
متعب، الأكبر بثلاث دقائق، أمسك يدي. سارة رفعت ذقنها بتلك الشجاعة التي كانت تخيفني أحيانًا. ليث كان ينظر إلى فيصل كأنه يحاول أن يجد في وجهه إجابة. وإياد، الأكثر صمتًا بينهم، كان يحتضن ملفًا أزرق فيه رسوماته.
أربعة أطفال في الخامسة.
أربع حقائق تتنفس.
خفض فيصل نظره إليهم.
نورة… قال لم أكن أعلم أنهم أربعة.
أنت لم تكن تعلم أن هناك واحدًا أصلًا.
قالوا لي إنك رحلتِ.
اشتروني.
ظننت أنك صرفتِ الشيك.
رفعت الشيك.
ظننت ما كان يريحك حتى لا تبحث عني.
دخلت الجملة في صدره مباشرة.
رأيت شيئًا ينكسر في ملامحه.
ولم يسعدني ذلك.
وهذا كان أسوأ ما في الأمر.
كنت قد تخيلت هذه اللحظة مرات كثيرة. ظننت أنني سأشعر بالانتصار، بالسلام، ربما بفرح مظلم. لكن رؤيته هناك، بلباس زفافه، يدرك أن والده باع حياته وأنه ساعد بجبنه، لم يمنحني إلا حزنًا.
مشت الجوهرة نحو الطاولة الرئيسية.
أخذت العقد.
قرأته بهدوء مخيف.
زفافي كان ضمانًا بنكيًا.
لم يرد أحد.
نظرت إلى والدها.
كنت ستزوّجني به لتغلق دينًا قديمًا؟
نهض الشيخ ناصر السبيعي ببطء.
الجوهرة، لا تفعلي مشهدًا أمام الناس.
ضحكت ضحكة قصيرة.
مشهد؟ هناك أربعة أطفال دخلوا زفافي للتو، وأنت قلق من المشهد؟
ضرب الشيخ فهد الطاولة بيده.
كفى! هذا الأمر يُحل في الخاص.
خطوت نحوه.
لا. أنت أخرجتني في الخاص. أطفالي يدخلون في العلن.
كان الصحفيون قد وصلوا إلى باب القاعة. حاول الأمن منعهم، لكن الأمر كان مستحيلًا. كانت الشاشة ما زالت تعرض اسمي واسم أفق التقنية العالمية، الشركة التي وُلدت في مطبخ صغير مستأجر في الخبر، وحولها أربعة أسرّة أطفال، وجهاز حاسوب قديم كان ينطفئ أحيانًا إذا شغلت الغلاية الكهربائية.
أفق التقنية لم تولد من شيك.
وُلدت من عدم صرفه.
وُلدت من بيع سيارتي، ومن النوم ساعتين، ومن العمل وطفل نائم فوق صدري، ومن مكالمات عمل والغسالة تدور في الخلفية، ومن مستثمرين قالوا لي ارجعي لنا عندما لا تكونين مشغولة جدًا بالأمومة.
وُلدت من الجوع.
لكن ليس الجوع إلى المال.
بل الجوع إلى ألا أتوسل مرة أخرى.
أشار الشيخ فهد إلى الشاشة.
أنت فعلتِ هذا لإهانتنا.
نظرت إليه.
أنت من أدخلني المدرسة الصحيحة.
ماذا؟
علمتني أن عالمكم لا ينتصر فيه صاحب الحق. ينتصر فيه من يأتي بالأدلة.
أخرج محاميّ ورقة أخرى.
ولدينا المزيد.
رفع فيصل رأسه.
المزيد؟
وضع بدر أربعة أظرف صغيرة على الطاولة.
فحوصات وراثية. أُجريت بسلسلة حفظ نظامية. نحن لم نأتِ لنطلب إذنًا لتأكيد ما هو واضح. جئنا لنثبت أن الأطفال أبناء فيصل العتيبي بيولوجيًا.
وضعت والدة فيصل، السيدة لطيفة، يديها على فمها.
لم تكن قد تحدثت منذ دخولي.
كانت دائمًا امرأة أنيقة وصامتة، من النوع الذي يبتسم دون أن يُظهر الكثير، ويتألم دون أن يبعثر مظهره. قبل خمس سنوات، رأتني أغادر مقر مجموعة العتيبي من نهاية الممر. رأيتها. وهي أيضًا اختبأت.
وفي تلك الليلة نهضت.
مشت نحو الأطفال.
رفعت يدي.
لا.
توقفت كأن الكلمة ضربتها.
نورة، أرجوكِ.
لا تأتي لتتعرفي عليهم بالدموع. الدموع ليست بطاقة جدة.
أغمضت السيدة لطيفة عينيها.
أعرف.
كنتِ تعرفين أنهم طردوني.
نعم.
سقط الاعتراف ناعمًا.
لكنه كسر أكثر من صرخة.
نظر فيصل إلى أمه.
أنتِ أيضًا؟
بكت والدته بلا صوت.
والدك قال لي إن هذا هو الأفضل. قال إنك إن عرفت ستدمر مستقبلك. قال إنك ستصدق أنها أخذت المال ورحلت. وأنا… كنت جبانة.
تراجع فيصل خطوة.
الجميع قرر عني.
نظرت إليه.
لا يا فيصل. أنت أيضًا قررت. قررت أن تصدق دون أن تبحث. قررت ألا تطرق بابي. قررت أن تتزوج اليوم دون أن تسأل لماذا اختفت المرأة التي أقسمت أنك تحبها من يوم وليلة.
خفض رأسه.
أنتِ محقة.
هذه الإجابة أضعفتني لثانية.
ليس لأنني سامحته.
بل لأنني قبل خمس سنوات كنت سأبيع روحي لأسمعه يعترف بخطأ واحد.
خلعت الجوهرة خاتمها.
لم ترمه.
وضعته بهدوء فوق الطاولة بجانب العقد.
الزفاف ملغى.
احمر وجه الشيخ ناصر السبيعي.
الجوهرة، فكري في العواقب.
نظرت إليه كأنها تراه لأول مرة.
هذا ما أفعله يا أبي.
حاول الشيخ فهد أن يتدخل.
يا ابنة السبيعي، هذا لا يناسب أحدًا.
رفعت الجوهرة ذقنها.
يناسبني أنا. يناسبني ألا أتزوج رجلًا تستطيع عائلته بيعه مقابل تمويل.
أغلق فيصل عينيه.
ولم يعترض.
فرقة العزف التي كانت تنتظر إشارة خفضت آلاتها. أحد العازفين تمتم بدعاء قصير. وخارج الفندق، كانت سيارات الرياض تمر وكأن المدينة لا تعلم أن عائلة كاملة تتهاوى داخل قاعة مليئة بالورود المستوردة.
كان أطفالي ينظرون إلى كل شيء بصمت.
صمت أكثر مما ينبغي.
انحنيت أمامهم.
أنتم بخير؟
قطبت سارة أنفها.
الرجل الغاضب صرخ كثيرًا.
نعم.
هل نقدر نروح نأكل آيس كريم بعدين؟
ابتسمت لأول مرة بصدق.
نعم يا حبيبتي.
سمع الشيخ فهد ذلك، فتقدم خطوة مرتبكة.
نورة، لا تستطيعين أخذهم هكذا. إنهم من العتيبي.
وقفت ببطء.
لا تكرر هذه الجملة.
دماؤنا فيهم.
دمي معهم كل يوم. دمكم لا يظهر إلا في المختبر.
اقترب فيصل من والده.
لا تتحدث عنهم كأنهم أملاك.
التفت الشيخ فهد إليه بغضب.
اصمت! كل ما تملكه تملكه بفضلي.
نظر إليه فيصل.
إذًا ربما أنا لا أملك شيئًا.
لأول مرة بدا الشيخ فهد عجوزًا.
لا قويًا.
عجوزًا.
رجل حرك المال والتواقيع والأسماء والمصائر كقطع شطرنج، لكنه لم يتخيل أن امرأة حاملًا يمكن أن تخرج من مبناه بشيك لم
لمحة نيوز
يُصرف، ثم تعود بشركة قيمتها تريليونات.
فتح بدر آخر جزء من الملف.
هناك نتيجة تعاقدية أخرى.
نهض الشيخ ناصر السبيعي فورًا.
هذا لا يجب أن يُقرأ هنا.
قلت بهدوء
غريب. الجميع يريد الخصوصية عندما لم يعد العار عاري أنا.
قرأ بدر
إذا ثبت أن مجموعة العتيبي أخفت ذرية مباشرة لفيصل العتيبي بهدف التأثير على اتفاقات الوراثة أو السيطرة، فإن أي صندوق عائلي أو حق تصويت أو منفعة مرتبطة بأسهم العائلة تصبح قابلة للمراجعة بسبب الاحتيال والتدليس والصورية.
شحبت ملامح بندر، أحد مستشاري مجموعة العتيبي.
هذا قد يجمد الصفقة.
الصفقة جُمدت بالفعل قال بدر الطلب قُدّم هذا العصر.
تمايل الشيخ فهد.
لا يمكنك فعل ذلك.
فعلته.
أعطيتك أربعمائة وخمسين مليون ريال!
رفعت الشيك.
لا. حاولت شراء اختفاء. وأنا لم أكن للبيع.
مزقته.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
تساقطت القطع فوق المفرش الأبيض مثل رماد حريق قديم.
حبست القاعة أنفاسها.
نظر الشيخ فهد إلى القصاصات كأنه شاهد حجته الوحيدة تموت.
كانت ثروة تمتم.
أطفالي أغلى.
رفع متعب وجهه.
ماما، هل هذا الورق كان فلوسًا كثيرة؟
مسحت على شعره.
نعم.
ولماذا مزقته؟
فكرت لحظة.
لأن بعض الأوراق تكون أثقل وهي كاملة.
غطى فيصل وجهه بيده.
كانت الجوهرة تبكي، لكنها واقفة.
وجلست السيدة لطيفة كأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
أغلق محاميّ الملف الأحمر.
غدًا يبدأ الإجراء الرسمي للاعتراف، والنفقة بأثر رجعي، وحقوق الهوية، والحماية المالية للأطفال. نحن لا نتفاوض على العاطفة. نحن هنا لحماية أربعة أطفال.
رفع فيصل نظره.
لن أقاوم.
نظر إليه الشيخ فهد بحدة.
لا تكن غبيًا.
كنت غبيًا لخمس سنوات.
رفع الشيخ فهد يده.
لثانية ظننت أنه سيصفعه.
تقدم الأمن خطوة.
لكن فيصل لم يتحرك.
انتهى الأمر يا أبي.
أنزل الشيخ فهد يده.
ليس ندمًا.
بل لأن الجميع كان ينظر إليه.
في تلك الليلة خرجت من القاعة دون أن أركض.
مشى أطفالي معي فوق رخام الفندق اللامع. مررنا بجانب موظفين يحملون صواني ثابتة، وبجانب ضيوف يتظاهرون أنهم لا ينظرون. في الخارج، ضربني هواء الرياض البارد على وجهي كصفعة نظيفة.
كانت أضواء المدينة تلمع فوق الأبراج.
وكان برج المملكة في الأفق كأنه يشير إلى حقيقة لا يستطيع أحد الهروب منها.
طلبت سارة الآيس كريم.
ذهبنا لتناول الحلوى.
ليس إلى مطعم فاخر.
بل إلى مكان صغير في حي السليمانية، حيث يستطيع أطفالي أن يلطخوا أيديهم بالسكر دون أن ينظر إليهم أحد كأنهم مساهمون مستقبليون. ضحكوا. تشاجروا على الشوكولاتة. ونام إياد في حضني قبل أن يكمل حصته.
تلك كانت انتصاري.
ليست الشاشة.
ولا الإدراج في السوق.
ولا وجوه آل العتيبي الشاحبة.
انتصاري كان أربعة أطفال يأكلون الحلوى بعد أن مزقت شيكًا كان قادرًا على شراء صمتي، لكنه لم يكن قادرًا على شراء أمومتي.
في اليوم التالي، كان الخبر حديث البلد.
الصحف تتحدث عن الزفاف الملغى، وعن أفق التقنية، وعن التوائم الأربعة، وعن العقد السري، وعن أزمة مجموعة العتيبي. وفي السوق المالية، هبطت أسهم شركاتهم قبل منتصف النهار. وعلى مواقع التواصل، صار للجميع رأي. بعضهم قال إنني منتقمة. وبعضهم قال إنني ذكية. وبعضهم قال إنني قاسية. وبعضهم قال إنني أم تدافع عن حقها.
أنا لم أقرأ كثيرًا.
كان لدي فطور أعده.
أطفالي ما زالوا يريدون الفطائر على شكل وجوه حيوانات، حتى لو ظهرت أمهم في القنوات الاقتصادية العالمية.
كانت الجلسة الأولى بعد أسبوعين.
جاء فيصل دون والده.
فاجأني ذلك.
جاء ببدلة بسيطة، وهالات تحت عينيه، وملف في يده. لم يحضر معه محامين شرسين، ولا متحدثًا إعلاميًا، ولا فريق علاقات عامة.
وعندما رأى الأطفال، لم يركض نحوهم.
وهذا أيضًا فاجأني.
بقي بعيدًا.
وانتظر.
راجعت القاضية المستندات، وفحوصات الوراثة، والشهادات، وكشوفات المصاريف الطبية، والمدارس، والتأمين، والعلاج، والسكن، وكل شيء. تحدث بدر عن الهوية، والنفقة، والأمان، وإجراءات الحماية. أما محامي فيصل فاكتفى بالقول إن موكله سيعترف طوعًا بالأبوة.
رفعت القاضية نظرها.
هل تقر أنك والد الأطفال الأربعة؟
تنفس فيصل بعمق.
نعم.
انقبض صدري.
ليس من أجله.
من أجلهم.
تابعت القاضية
هل أنت مستعد لتحمل الالتزامات المترتبة على ذلك؟
نعم.
هل تطلب رؤية فورية؟
نظر فيصل إلى الأطفال.
اختبأ متعب خلف ذراعي.
راقبته سارة بحذر.
ليث لم يرمش.
وإياد كان يضغط على ملفه الأزرق.
خفض فيصل نظره.
لا. أطلب أن نبدأ بالعلاج الأسري واللقاءات تحت إشراف مختص، إذا كانوا هم مستعدين.
نظر إليّ بدر.
لم أقل شيئًا.
لكن جزءًا صغيرًا جدًا من غضبي توقف عن الضغط على أسنانه.
بعد الجلسة، لحق بي فيصل في ممر المحكمة، بين جدران باهتة، وملفات، وأمهات متعبات، وآباء غاضبين، وأطفال يلعبون بالهواتف بينما يقرر الكبار عالمهم.
نورة.
توقفت.
لا تجعل الأمر صعبًا.
لم آتِ لأطلب شيئًا.
نظرت إليه.
هذا سيكون جديدًا.
تقبل الضربة.
أردت فقط أن أقول لك إنني بحثت عنك.
ضحكت.
بعد خمس سنوات.
لا. في ذلك الأسبوع.
تجمدت.
ماذا؟
ذهبت إلى الشقة التي كنتِ تعيشين فيها. لم أجدك. قال أبي إنك صرفتِ الشيك وسافرتِ إلى دبي. أراني نسخة من الشيك. قال إنني لو بحثت عنكِ ستتقدمين بشكوى ضدي. وأنا… أردت أن أصدقه.
لأن تصديقه كان أسهل من الاعتراف بأنك خذلت نفسك.
نعم.
أزعجتني صراحته.
وماذا تريد الآن؟
نظر فيصل نحو القاعة التي كان الأطفال يجلسون فيها مع مساعدتي.
أريد أن أتعلم أسماءهم دون أن أستحقها بعد.
آلمتني الإجابة.
لأنها كانت جيدة.
وأنا لم أكن أريد إجابات جيدة منه.
لن أعطيك عائلة جاهزة قلت ولن أشرح لهم أنك رجل طيب لأنك اعترفت متأخرًا بما كان يجب أن تحميه من البداية.
أعرف.
لن تظهر لهم بهدايا غالية.
أعرف.
ولن تستخدم اسم العتيبي كمفتاح.
لم أعد أعرف إن كنت أريد هذا الاسم مفتاحًا لأي شيء.
نظرت إليه بتركيز أكبر.
كان فيصل متعبًا بطريقة لا يصلحها المال.
أطفالك لا يحتاجون أميرًا نادمًا قلت يحتاجون شخصًا بالغًا ثابتًا.
أريد أن أحاول.
هم سيقررون كم يسمحون لك.
هز رأسه.
لم يطلب عناقًا.
لم يطلب غفرانًا ليشعر أنه نظيف.
فقط تنحى جانبًا عندما مررنا.
وكان ذلك أول تصرف محترم أراه منه منذ سنوات.
الشيخ فهد لم يحضر الجلسات.
لكنه حضر في الصحف.
دعاوى متبادلة.
تحقيقات داخلية.
استقالات مستشارين.
واتفاق السبيعي يتفتت مثل السكر في فنجان قهوة ساخن.
أصدرت الجوهرة تصريحًا قصيرًا
كنت جزءًا من صفقة لم أكن أعرف حجمها. ألغيت زفافي لأن أي تحالف لا يبرر محو أطفال.
بدا التصريح عادلًا.
ليس مقدسًا.
عادلًا فقط.
طلبت السيدة لطيفة رؤيتي بعد شهر.
وافقت في مقهى في حي العليا، لا في بيتي. وصلت دون سائق ظاهر، ودون مجوهرات كبيرة، وبحقيبة بسيطة، وبخجل لا يشبه اسم عائلتها.
لا أتيت لأطلب الوصول إلى الأطفال قالت.
جيد.
جئت أطلب منك السماح.
هذا لا يغير شيئًا.
أعرف.
إذًا لماذا؟
امتلأت عيناها بالدموع.
لأنني طوال خمس سنوات دعوت الله أن يرزقني أحفادًا، وهم كانوا موجودين، ولم أملك الشجاعة لأبحث عنهم.
لم أرد.
أخرجت علبة صغيرة.
هذه كانت لوالدتي. ليست لشراء شيء. لا غفران، ولا وقت، ولا دخول إلى حياتهم. هي لسارة عندما تريدين أنتِ. وإن لم تريدي أبدًا، سأفهم.
لم آخذ العلبة.
لا تجلبي إرثًا لطفلة لم تعرف حضنك بعد.
خفضت السيدة لطيفة رأسها.
معك حق.
نهضت.
وتركت رسالة فقط.
لم أفتحها إلا ليلًا.
لم تكن لي.
كانت لأطفالي.
لم تتحدث عن المال.
تحدثت عن الجبن.
احتفظت بها.
ربما يومًا ما.
بعد أشهر بدأت اللقاءات تحت إشراف مختص.
في اللقاء الأول، جاء فيصل دون هدايا.
دخل أطفالي معًا، كأنهم قطيع صغير.
سألتهم الأخصائية إن كانوا يريدون إلقاء السلام.
قال متعب لا.
وسألت سارة
لماذا لم تحمِ ماما؟
تجمد
فيصل.
كنت خلف الزجاج.
لم أستطع إنقاذه.
ولا يجب أن أفعل.
لأنني كنت جبانًا قال.
أمال ليث رأسه.
هل الجبان سيئ؟
نعم أجاب فيصل لكنه أيضًا شيء يمكن للإنسان أن يتوقف عن كونه، إذا فعل الصواب مرات كثيرة.
فتح إياد ملفه الأزرق.
وأخرج رسمة.
كانت قاعة الزفاف.
ورود.
شيك ممزق.
أربعة أطفال.
أم بفستان أسود.
ورجل أبيض مثل الورق.
أنت هذا قال.
أخذ فيصل الرسمة بحذر.
نعم.
رسمتك صغيرًا لأنك لم تكن موجودًا عندما كنا أطفالًا.
بكى فيصل.
ليس بصوت عالٍ.
ولا كي يراه أحد.
بكى كمن يتلقى حكمًا مرسومًا بالألوان.
الرسم جميل قال.
هز إياد رأسه.
أنا شاطر.
ابتسم فيصل لأول مرة.
نعم. جدًا.
في ذلك اليوم لم يحدث عناق.
لكن حدثت سبع دقائق من الحقيقة.
وأحيانًا تكون سبع دقائق من الحقيقة أثمن من خمس سنوات من الاسم.
لم تصبح الحياة بسيطة.
لا تصبح كذلك أبدًا.
كبرت أفق التقنية بسرعة أكبر مما كنت أستطيع الاحتفال به. مستثمرون، مقابلات، اجتماعات بلهجات أجنبية، رحلات إلى نيويورك، لندن، جدة، سنغافورة. لكن جدول أعمالي بقي فيه أوقات لا تُمس فطور مع أطفالي، العلاج، اجتماعات المدرسة، أعياد الميلاد، التطعيمات، حفلات نهاية العام.
الثروة لم تجعلني لا أُقهر.
جعلتني أكثر مسؤولية.
لأنني كنت أعرف معنى أن تكوني حاملًا ووحيدة، ومعك شيك يستطيع شراء كل شيء إلا الكرامة.
أنشأت صندوقًا لدعم الأمهات الرياديات اللواتي أُخرجن من بيوت أو شركات أو عائلات لأنهن لا ينتمين إلى مستوى أحد. سميته الصفر الذي لم يُصرف، نسبة إلى أصفار الشيك التي لم ألمسها.
وكلما وقعت منحة، كنت أتذكر الشيخ فهد.
ليس بحقد.
بل بامتنان مرير.
لقد أراد أن يمحوني.
وبذلك أجبرني أن أكتب نفسي بحجم أكبر.
بعد عام من الزفاف الملغى، طلب الشيخ فهد مقابلتي.
قلت لا.
ثم مرض.
وطلب مرة أخرى.
قلت لا.
وعندما أصر للمرة الثالثة، قال لي فيصل
لست مضطرة للذهاب.
أعرف.
إذًا لماذا تفكرين؟
نظرت إلى أطفالي يلعبون في الحديقة.
لأنني لا أريد أن يعتمد سلامي على الهروب من الأشباح.
ذهبت.
كان الشيخ فهد في منزله في حي حطين، أنحف مما كان، جالسًا في غرفة كبيرة تفوح منها رائحة الخشب القديم والدواء الغالي. لم يعد يشبه الرجل الذي رمى شيكًا على مكتب. كان يشبه ما كان عليه دائمًا تحت السلطة خوف يرتدي ثوبًا فاخرًا.
نورة قال.
الشيخ فهد.
آلمه أنني لم أناده بشيء آخر.
خسرت الكثير.
نظرت من النافذة إلى الحديقة المرتبة.
لم آتِ لأواسيك.
أعرف.
سعل.
رأيت صور الأطفال.
دون إذني غالبًا.
خفض نظره.
إنهم جميلون.
كانوا كذلك أيضًا عندما أردت أن يختفوا قبل أن يولدوا.
أغلق عينيه.
ظننت أنني أحمي ابني.
لا. كنت تحمي اسمك.
هذا هو نفسه.
لذلك خسرت الاثنين.
سكت.
ثم أخرج ظرفًا من جانب الطاولة.
أريد أن أترك لهم شيئًا.
لم آخذه.
أطفالي لا يحتاجون مالك.
الجميع يحتاج المال.
لا. الجميع يحتاج ألا يُشترى.
ارتجفت يده.
لن تسامحيني أبدًا؟
تذكرت الفتاة التي كنتها قبل خمس سنوات، يدها فوق بطنها، تسمع الأصفار كأنها تسمع حكمًا.
لم آتِ لأسامحك. أتيت لأقول لك إن أحفادك موجودون، وسعداء، ولا يدينون لك بشيء.
امتلأت عيناه بالدموع.
هل أستطيع رؤيتهم يومًا؟
إذا أرادوا هم عندما يكبرون. ليس الآن. ليس بسبب مرضك. ليس بسبب شعورك بالذنب. وليس لأنك اكتشفت متأخرًا أن الدم لا يُحفظ في الأرشيف.
هز الشيخ فهد رأسه.
لأول مرة لم يأمر.
فقط قَبِل.
وعندما خرجت من ذلك البيت، تنفست كأنني أغادر سجنًا لم أدخله يومًا.
استمر فيصل في الظهور.
ليس مثاليًا.
لكن ثابتًا.
حضر حفلات المدرسة دون كاميرات. تعلم من يكره البروكلي، ومن يتعب في السيارة، ومن ينام والضوء مفتوح، ومن يحتاج إلى الصمت قبل أن يتكلم. وفي يوم من الأيام، أمسك متعب يده ليعبر الشارع. تجمد فيصل في مكانه، كأن طفلًا سلّمه شركة أكبر من أي إمبراطورية.
رأيته.
ولم أقل شيئًا.
هناك مشاهد لا تحتاج إلى موافقة.
فقط إلى وقت.
أحيانًا كان ينظر إليّ كما كان يفعل قديمًا.
لم أعد له تلك النظرة.
ما كنا عليه مات في مكتب وشيك فوق الطاولة.
أما ما يمكن أن يوجد بعد ذلك، فلم يكن له اسم بعد.
ولم يكن مستعجلًا.
في إحدى الأمسيات، سألتني سارة
ماما، لماذا احتفظتِ بالشيك كل هذا الوقت إذا كنت ستقطعينه؟
كنا في المطبخ نعد البسكويت. وكان الطحين يغطي أنفها.
لأنني كنت أحتاج أن أتذكر أنني لم أصرفه.
حتى لا تنسي؟
حتى لا أبيع نفسي.
فكرت قليلًا.
والآن لم تعودي تحتاجينه؟
ابتسمت لها.
لا. الآن لديكم أنتم. ولدي نفسي.
واصلت العجن.
إذًا جيد أنك مزقته. كان شكله قبيحًا.
ضحكت.
خمس سنوات من الألم لخصتها طفلة ويداها مملوءتان بالطحين.
ما أحكم الحياة حين تتوقف عن طلب الإذن.
اليوم، عندما أمر بجانب الريتز كارلتون في الرياض، لا أشعر بضربة تلك الليلة كما كنت أشعر سابقًا. أرى أضواء، سيارات، ضيوفًا، موظفين، أبراج المدينة، والرياض الكبيرة التي تبتلع المآسي ثم تعيدها لنا على شكل ذاكرة.
كان ذلك الفندق المكان الذي أرادت فيه عائلتان أن تتزوجا فوق صمتي.
وانتهى المكان نفسه بأن دخل أطفالي إليه بأحذيتهم الصغيرة وحقائقهم الكبيرة.
دفع لي الشيخ فهد العتيبي أربعمائة وخمسين مليون ريال لأختفي وأنا حامل.
لم أصرف الشيك.
ولم أختفِ.
فقط ابتعدت بما يكفي لأعود واقفة.
وعندما عدت، لم أحمل الانتقام بين ذراعي.
حملت أربعة أطفال.
أربعة أسماء يجب أن يُعترف بها.
أربع ضحكات لم يستطع أي عقد أن يمحوها.
وحملت أيضًا شيكًا كما هو، ليس كثراء، بل كدليل.
دليل على أن المرأة يمكن أن تبقى بلا زوج، بلا دعم، بلا اسم عائلة قوي، ومع ذلك تبني عالمًا كاملًا.
دليل على أن المال يشتري الصمت الضعيف، لكنه لا يشتري أمًا قررت ألا تنكسر.
ودليل على أن هناك أصفارًا لا تساوي شيئًا أمام كلمة واحدة يقولها طفل قبل النوم
ماما.
تلك كانت ثروتي دائمًا.
وتلك، لم يستطع أي فرد من آل العتيبي أن يأخذها مني.