حين عاد الميت ج3 حكايات شروق خالد
تجمد نادر وهو يحدق في الهاتف.
ساد الصمت لثانية، قبل أن يقول بسرعة:
“أنا نادر… سامح مصاب. إنت فين يا دكتور فؤاد؟”
انقطع نفس فؤاد للحظة.
ثم جاء صوته أكثر خوفًا:
“إوعى تقول مكانك… هم بيسمعوا كل حاجة.”
نظر اللواء عادل إلى الضباط الواقفين حوله.
أشار لهم بإغلاق أجهزة اللاسلكي.
لكن قبل أن يتكلم…
خرج من سماعة الهاتف صوت تشويش حاد.
ثم…
صوت رجل آخر.
هادئ جدًا.
“كنت متأكد إنك هترد يا نادر.”
اتسعت عينا نادر.
“مين؟”
ضحك الرجل.
“إحنا بقينا قريبين أوي.”
ثم انقطع الاتصال.
…
في نفس اللحظة…
اندفع أحد المسعفين إلى السطح وهو يلهث.
“الدكتور سامح بينزف بشدة… لازم ينزل العمليات حالًا!”
جرى نادر نحوه.
ركع بجوار سامح.
كانت الرصاصة قد اخترقت كتفه واستقرت بالقرب من الرئة.
فتح سامح عينيه بصعوبة.
قبض على معصم نادر بقوة.
وقال بصوت متقطع:
“الأرشيف… مش هو الهدف.”
اقترب نادر أكثر.
“تقصد إيه؟”
خرجت الكلمات بصعوبة:
“هم… بيخلوك تبص ناحية الحريق… علشان ياخدوا… الحاجة الحقيقية.”
ثم أغلق عينيه من شدة الألم.
صرخ الطبيب:
“يلا بسرعة… أوضة العمليات!”
اختفى السرير داخل المصعد.
…
في الأسفل…
كان الدخان يملأ الممرات.
ورجال الإطفاء يحاولون السيطرة على النيران.
لكن اللواء عادل لاحظ شيئًا غريبًا.
الحريق بدأ في غرفة صغيرة ملاصقة للأرشيف.
وليس داخل الأرشيف نفسه.
قال لأحد الضباط:
“اكسر الباب.”
ضرب الضابط الباب بقدمه.
فتح أخيرًا.
لكن الجميع توقف مكانه.
الغرفة كانت فارغة.
إلا من…
خزنة حديدية ضخمة.
لم تمسها النار.
اقترب نادر.
وجد بابها مفتوحًا بالفعل.
وفي الداخل…
لم تكن هناك ملفات.
بل صندوق خشبي قديم.
عليه ختم المستشفى الرسمي.
وتاريخ…
2016.
فتح الصندوق بحذر.
وجد بداخله شريط فيديو قديم.
وملفًا أصفر.
ومفتاحًا نحاسيًا غريب الشكل.
وتحتهم ظرف أبيض.
مكتوب عليه بخط اليد:
“لا يُفتح إلا إذا عاد محمود.”
ابتلع نادر ريقه.
فتح الظرف بسرعة.
كانت بداخله ورقة واحدة.
قرأ أول سطر فيها…
فتغير لون وجهه تمامًا.
كتب فيها:
“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة… فاعلم أن محمود السيوفي لم يكن المريض الحقيقي… بل كان الشاهد الوحيد.”
رفع نادر رأسه ببطء.
نظر إلى اللواء.
قبل أن ينطق…
سمعوا صوت إطلاق نار في آخر الممر.
استدار الجميع.
وسقط أحد الضباط أرضًا.
الرصاصة جاءت من الخلف…
من وسط أفراد الشرطة أنفسهم.
صرخ اللواء:
“الكل يثبت مكانه!”
لكن الضابط الذي أطلق النار كان قد خلع سترته بسرعة، وألقى سلاحه بين الزحام، ثم اندفع مع رجال الإطفاء وكأنه واحد منهم.
صرخ نادر:
“امسكوه!”
بدأت مطاردة جديدة وسط الدخان.
لكن الرؤية كانت شبه معدومة.
وفجأة…
اصطدم أحد رجال الشرطة بنادر.
اعتذر بسرعة واختفى في الممر.
لم يهتم نادر، وأكمل الجري.
وبعد دقائق…
اختفى المشتبه به تمامًا.
عاد نادر وهو يلهث.
نظر إلى يده ليخرج المفتاح من جيبه…
فتجمد مكانه.
جيبه كان فارغًا.
المفتاح النحاسي…
اختفى.
وفي اللحظة نفسها…
وصلت رسالة مجهولة إلى هاتفه.
فتحها بسرعة.
لم يكن فيها سوى صورة التقطت قبل ثوانٍ.
تُظهر ظهر نادر وهو يجري داخل الممر…
وخلفه مباشرةً ذلك الشرطي الذي اصطدم به.
وفي أسفل الصورة كانت جملة واحدة:
“قلنا لك… إحنا أقرب ليك مما تتخيل.”
حكايات شروق خالد
كان صوت صفارات الشرطة يقترب بسرعة، بينما توقفت سيارات الأمن أمام المستشفى.
قفز اللواء عادل من السيارة قبل أن تتوقف تمامًا، وصاح:
“أغلقوا كل المداخل! محدش يخرج ولا يدخل!”
انتشر الضباط في ثوانٍ، بينما اندفع نادر نحو قسم الرعاية المركزة، وقلبه يخفق بعنف.
لكن ما إن وصل إلى الغرفة حتى تجمد في مكانه.
السرير…
كان فارغًا.
الأنابيب مقطوعة، وجهاز المراقبة ما زال يعمل، لكن المريض اختفى.
همس نادر بصدمة:
“مستحيل…”
دخلت إحدى الممرضات وهي ترتجف.
“يا دكتور… من خمس دقايق دخل اتنين لابسين زي الإسعاف، قالوا إن فيه قرار بنقل الحالة لمستشفى تاني… وإحنا صدقناهم.”
ضرب اللواء عادل الحائط بقبضته.
“دي كانت عملية مدبرة!”
في اللحظة نفسها، دخل أحد الضباط مسرعًا.
“يا فندم… لقينا كاميرا مراقبة خارجية.”
وقف الجميع أمام شاشة المراقبة.
ظهر رجلان يدفعان سرير محمود السيوفي بسرعة نحو سيارة إسعاف بيضاء.
لكن نادر ركز في شيء واحد.
الرجل الذي كان يسير خلف السرير…
كان يعرج قليلًا.
اتسعت عينا نادر.
“أنا عارف المشية دي…”
نظر إليه اللواء عادل بسرعة.
“مين؟”
ابتلع نادر ريقه وقال بصوت خافت:
“الدكتور أشرف…”
ساد الصمت.
الدكتور أشرف…
الطبيب الذي أعلن قبل عشر سنوات وفاة محمود السيوفي مع نادر.
لكن المشكلة…
أن الدكتور أشرف مات في حادث سيارة منذ ثماني سنوات.
تبادل الجميع النظرات في ذهول.
قال أحد الضباط:
“يمكن حد بيشبهه.”
هز نادر رأسه بقوة.
“لا… أنا مستحيل أنسى المشية دي.”
وفجأة رن هاتف اللواء عادل.
رد بسرعة، ثم تغير لون وجهه.
“إيه؟!”
أغلق الهاتف ونظر إلى نادر.
“لقوا سيارة الإسعاف.”
تنفس نادر براحة للحظة.
لكن اللواء أكمل بصوت متوتر:
“لقوها… محروقة بالكامل.”
ساد الصمت من جديد.
“والأسوأ…”
“مافيش أي جثة جواها.”
وفي نفس اللحظة، وصل إلى هاتف نادر رقم مجهول رسالة قصيرة.
فتحها بيد مرتعشة.
كانت تحتوي على صورة حديثة لمحمود السيوفي، يجلس على كرسي داخل مكان مجهول، وينظر مباشرة إلى الكاميرا.
وأسفل الصورة جملة واحدة:
“هذه المرة… لن تستطيعوا إعلان وفاتي.”
حكايات شروق خالد