**اللمسة واللقمة**ج2 حكايات شروق خالد

مريم مكنتش قادرة تقف على رجليها، صدمة العمر كله كانت متلخصة في السرير ده. الممرضين والدكاترة المساعدين واقفين مستغربين، أول مرة يشوفوا الدكتورة مريم، الجراحة الحديدية اللي مبتتهزش في أصعب العمليات، بتبكي بالحرقة دي وميتة على عيانة غريبة.

مريم مسحت دموعها فجأة، واتحولت في ثانية لوحش كاسر، زعقت في الأوضة: “الكل على غرف العمليات حالا! دقيقة واحدة زيادة والست دي هتروح مننا.. اتحركوا!”

في ثواني، كان السرير بيجري في ممرات المستشفى، ومريم بتجري جنبه وهي ماسكة إيد أم أحمد وبتهمس لها: “قاومي يا أم أحمد.. قاومي عشان خاطري.. أنا ما صدقت لقيتك.”

**برة في طرقة العمليات..**

كان فيه شاب تلاتيني، لبسه بسيط وعليه آثار تراب وشقا، باين عليه إنه شغال صنايعي أو عامل باليومية. كان قاعد على الأرض، ساند راسه بين إيديه وبيعيط بقلة حيلة. ده كان أحمد.. ابن أم أحمد.

مريم قبل ما تعقم إيدها وتدخل الأوضة، راحت له. أحمد أول ما شافها بالبالطو الأبيض، وقف بسرعة وجري عليها: “يا دكتورة.. أرجوكي طمنيني على أمي، والله العظيم إحنا ملناش غيرها في الدنيا، والمدير المالي تحت كان عاوز يطردنا عشان ممعناش تمن المستلزمات.. أنا مستعد أمضي على شيكات، مستعد أبيع كليتي بس أمي تعيش!”

مريم حطت إيدها على كتفه وثبتته: “يا أحمد.. أمك في عيني، ومفيش مليم واحد هتدفعه. المستشفى دي كلها متغلاش عليها. ادعيلها بس.”

أحمد بص لها بذهول، مكنش مستوعب ليه دكتورة كبيرة بالمنظر ده مهتمة بيهم كدة، ومن غير ما يسألها، مريم سابته ودخلت الأوضة المعقمة.

**جوة غرفة العمليات..**

الأجهزة كانت بتصفر بصوت متوتر، ضربات القلب بتقل والضغط بيقع. المساعدين كانوا بيبصوا لبعض بقلق: “يا دكتورة.. الجلطة سادة الشريان الرئيسي تماماً، والقلب مجهد ومش مستحمل.”

مريم كانت بتشتغل وإيديها بتتلف في حرير، كأنها بترد الجميل لكل ثانية عاشتها وهي شبعانة بسبب الست دي. العرق كان بينزل على وشها، والممرضة بتمسحه بسرعة. مريم كانت بتكلم نفسها في السر: “مش هتموتي يا أم أحمد.. ربنا مش هيرجعك ليا بعد عشرين سنة عشان تمشي كده.”

ساعتين كاملين من الرعب.. الشريان اتفتح، والدعامة ركبت، وصوت جهاز ضربات القلب بدأ يستقر ويرجع للإيقاع الطبيعي المنتظم. مريم خدت نفس طويل، وخرجت من الأوضة وهي حاسة إن روحها هي اللي ردت لها.

**بعد يومين في غرفة العناية المركزة..**

الشمس كانت داخلة من الشباك بتنور الأوضة الشيك اللي مريم نقلت فيها أم أحمد على حسابها الخاص. أحمد كان قاعد جنب السرير، وأم أحمد بدأت تفتح عينيها براحة وبتعب.

أحمد بلهفة: “أمي! حمد الله على سلامتك يا غالية.. خضيتي قلبي عليكي.”

أم أحمد بصوت ضعيف وبابتسامة باهتة: “الله يسلمك يا ضنايا.. أنا فين؟ والمستشفى الكبيرة دي تمنها كام؟ إحنا ممعناش يا أحمد يا بني.”

أحمد دمع: “متقلقيش يا أمي.. ربنا سخر لنا دكتورة هنا كأنها ملاك من السما.. دفعت كل حاجة وعملت العملية بنفسها، وبتجيلك كل ساعة تطمن عليكي.”

في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت مريم. مكانتش لابسة البالطو، كانت لابسة فستان بسيط، وشايلة في إيدها “علبة كرتون” دافية.

أم أحمد بصت لوش مريم.. حاولت تفتكر الوش ده، بس السنين كانت غيرت ملامح الطفلة الصغيرة لست جميلة وناجحة. مريم قربت من السرير، حطت العلبة على التربيزة، وفتحتها.

الأوضة اتملت بريحة بيض وبطاطس محمرة وعيش محمص بالزبدة.. نفس الريحة بتاعة زمان بالظبط.

أم أحمد برقت عينيها، وبصت للطبق، وبعدين بصت لوش مريم.. الصدمة خلت دموعها تنزل من غير ما تحس.

مريم قعدت على طرف السرير، ودموعها هي كمان نزلت، وقالت بصوت يرتعش: “الأسف مبيأكلش عيش ومبيدفعش فواتير.. فاكرة الجملة دي يا أم أحمد؟”

أم أحمد شهقت وحطت إيدها على بؤها: “مريم؟! الطفلة الصغيرة بتاعة المحل؟!”

مريم هزت راسها وهي بتعيط وبوّست إيد أم أحمد: “أيوة يا أمي.. مريم الشحاتة اللي المدير كان عاوز يطردها، والناس دارت وشها عنها.. مريم اللي إنتي ضحيتي بيوميتك وقوت عيالك عشان تأكليها. أنا بقيت دكتورة يا أم أحمد.. بقيت جراحة قلب بسبب اللقمة اللي حطيتيها في بطني في اليوم ده. اللقمة دي هي اللي عاشت معايا وعملت مني بني آدمة.”

أحمد كان واقف مش فاهم حاجة وعينيه بتنزل دموع من التأثر، وأم أحمد خدت مريم في حضنها وفضلوا يعيطوا سوا. أم أحمد قالت لها: “يا حبيبتي.. ده أنا نسيت الموضوع ده من زمان.. أنا كنت بعمل بأصلي وبلقمة عيش حلال.”

مريم خرجت من حضنها وبصت لها بقوة: “إنتي نسيتي.. بس ربنا منسيش يا أم أحمد. ربنا شال لك الجميل ده لعشرين سنة، وعينيا لقطتك وسط آلاف العيانين عشان أرد لك حاجة بسيطة من اللي عملتيه معايا. من النهاردة.. إنتي مش هتحتاجي لحاجة تاني أبدًا، وأحمد أخويا هيشتغل معايا هنا في المستشفى.. إحنا بقينا عيلتك.”

**وفي نفس اللحظة..**

الباب اتفتح فجأة ودخل مدير المستشفى الاستثمارية وبص لمريم بغضب: “دكتورة مريم! إيه المهزلة اللي حصلت في الطوارئ دي؟ إزاي تدخلي حالة من غير دفع التأمين والمستلزمات؟ وإزاي تنقليها لأوضة (VIP) من غير موافقة الإدارة؟ المستشفى دي ليها نظام وقوانين!”

مريم وقفت بكل هيبتها، وبصت للمدير بنظرة حادة خلت الراجل يتراجع خطوة لورا. مريم مشيت لغاية عنده، وقالت له بصوت فاح فيه القوة والشموخ:

“النظام والقوانين بتاعتك دي تدوس عليها برجلك لما تكون قصاد حياة بني آدم.. والست دي، ضفرها برقبة المستشفى دي باللي فيها. أنا قدمت استقالتي الصبح من المستشفى الاستثمارية دي.. وبكرة الصبح، المستشفى الخيري الجديد بتاعي هيفتح، وأم أحمد وأول حالة هتدخله، والغلابة اللي زيك مبيحبوش يشوفوهم.. هيكونوا هما أسياد المكان هناك.. اتفضل برة!”

المدير وقف مذهول ومش ناطق، وأم أحمد بصت لمريم بفخر، وعرفت إن اللقمة اللي وجعت قلبها عليها زمان.. ربت جبل وملاك بينقذ الناس دلوقتي.

 

حكايات شروق خالد

 

المدير خرج من الأوضة ووشه جايب ألوان، مش بس عشان مريم هزأته، لا.. عشان المستشفى خسرت أكبر وأشطر جراحة قلب في مصر، والخبر ده لو اتعرف في السوق، أسهم المستشفى الاستثمارية هتقع في الأرض.

مريم لفت لأم أحمد وأحمد، وابتسامتها رجعت تنور وشها تاني، وقالت: “فككوا منه.. يلا بينا عشان نخرج من هنا، القصر بتاعي جاهز، والمستشفى الجديدة على بعد خطوتين، ومن النهاردة مفيش مستشفيات استثمارية ولا مديرين يتحكموا فينا.”

**بعد شهر.. في منطقة السيدة زينب..**

الشارع كله كان متقفل ومزوق بالأنوار، صواوين كبار منصوبة، وريحة اللحمة والفتة قالية المكان. ده كان يوم افتتاح “مستشفى مريم الخيري لرعاية القلب”. المكان مكنش مجرد مستشفى، ده كان مبنى فخم ومجهز بأحدث الأجهزة الطبية اللي مش موجودة غير في أوروبا، بس مكتوب على البوابة بخط عربي شيك: *(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا – الدخول بالمجان لكل محتاج).*

مريم كانت واقفة ولابسة بالطو أبيض شيك، وجنبها أحمد اللي اتعين مدير إداري للمستشفى بعد ما مريم دبرت له كورسات مكثفة ولقيته شاب ذكي جداً ويستاهل، وأم أحمد كانت قاعدة على كرسي مريح زي الملكة، والكل بيسلم عليها ويبوس إيدها.

وفي وسط الزحمة والهيصة، مريم لمحت راجل عجوز، ضهره محني، شعره شايب تماماً، ولابس هدوم مبهدلة، واقف على طرف الصوان عينه مكسورة وبيبص على الأكل بحسرة وجوع.

مريم برقت عينيها.. الملامح دي متموتش في ذاكرتها أبدًا.

ده كان “هو”.

مدير المطعم القديم بتاع زمان.. الراجل القاسي اللي خطف من إيدها طبق الفطار وقالها: *”الأسف مبيأكلش عيش”*.

الدنيا دارت بيه، والمطعم بتاعه قفل وخسر كل فلوسه بعد ما اتقبض عليه في قضايا أغذية فاسدة، وتجارته بارت لحد ما بقى يلف في الشوارع يدور على لقمة ياكلها.

مريم مشيت ناحيته بخطوات بطيئة وثابتة. الراجل رفع عينه وبص لها، مكنش عارفها طبعاً، بس شاف الهيبة والدكاترة اللي واقفين وراها.

مريم بصت له وقالت بصوت هادي وناشف: “جعان يا حاج؟”

الراجل وطى راسه بكسوف: “الحمد لله يا بنتي.. بقالي يومين مكلتش لقمة، وشميت ريحة الأكل جيت أقف هنا لعل وعسى حد يديني نايب.”

مريم شاورت للمتر اللي واقف على البوفيه وقالت له بصوت عالي سمّع الناس اللي واقفة كلها: “هات للراجل ده أحسن طبق فطار ولحمة.. خليه ياكل ويشبع لغاية ما بطنه تملى.”

الراجل عينه دمعت وفضل يدعي لها: “ربنا يخليكي يا دكتورة.. ربنا يكرمك ويرزقك.. أنا آسف لو وقفت في طريقكم.”

مريم بصت في عينه وقالت له كلمة واحدة خلت ركبه تتخبط في بعضها: “الأسف مبيأكلش عيش يا حاج.. بس إحنا هنا بناكل عيش.. وبنعالج الناس، وبنرد القسوة بالرحمة. اتفضل كل، وألف هنا وشفا على قلبك.”

الراجل تلمح في ملامحها البنت الصغيرة الشحاتة اللي طردها زمان، وشه اتقلب وازرقّ وساب الطبق من إيده من كتر الصدمة والكسوف، ولف ضهره وجري وهو مش قادر يبص في وشها.

أم أحمد قربت من مريم، وحطت إيدها على كتفها وقالت: “سيبيه يا بنتي.. الدنيا لما بتدور مبرحموش، وإنتي ربنا نصرك عشان قلبك نظيف.”

مريم لفت وخدت أم أحمد في حضنها وسط تصفيق ودعاء مئات الغلابة اللي واقفين مستنيين الكشف والرحمة، وفي اللحظة دي مريم عرفت إن اللقمة الحلال اللي بتترمي في بحر الخير، بترجع لصاحبها ولو بعد حين، كنز يحميه من الموت.

 

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *