حين عاد الميت ج4 حكايات شروق خالد
رفع نادر الهاتف مرة تانية، وفتح الصورة بتأنٍ.
كبرها بإصبعه، وثبت نظره على الركن الشمال.
اتسعت عيناه فجأة.
همس: “مش معقول…”
اقترب اللواء عادل منه. “في إيه؟”
ناول له الهاتف.
ظهر في خلفية الصورة انعكاس شخص واقف داخل غرفة العناية… رغم إن الغرفة كانت مقفولة بالكامل وقت التصوير.
كان يرتدي بالطو أبيض، لكن وشه مش باين.
وفوق جيبه كان فيه نفس الشعار الغريب اللي لقوه قبل كده على الورقة المحروقة.
قال نادر بقلق: “هو كان موجود معانا… وإحنا ما أخدناش بالنا.”
وقبل ما يرد اللواء…
رن هاتف المستشفى.
ردت الممرضة بسرعة، لكن لون وشها اختفى وهي بتسمع الطرف التاني.
بصت لنادر وهي بتترعش.
“دكتور… غرفة حفظ الجثامين…”
وقف قلب نادر للحظة.
“مالها؟”
قالت بصوت متقطع: “كل الكاميرات اتفصلت خمس دقايق… ولما رجعت…”
ابتلعت ريقها.
“لقوا درج رقم سبعة مفتوح… والجثة اللي فيه اختفت.”
نظر نادر إلى اللواء.
“مين كانت الجثة؟”
ردت الممرضة وهي بالكاد قادرة تنطق:
“الجثة اللي وصلت من ساعة… باسم مجهول.”
لكن موظف الاستقبال جري عليهم في نفس اللحظة وهو ماسك ملفًا قديمًا.
“استنوا… فيه حاجة لازم تشوفوها.”
فتح الملف أمامهم.
كانت بداخله صورة قديمة من عشر سنوات.
تجمد نادر في مكانه.
الصورة كانت لفريق طبي كامل يقف أمام المستشفى.
وكان هو بينهم… أصغر بعشر سنوات.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن نادر.
المفاجأة أن الرجل المجهول الذي اختفت جثته… كان واقفًا في الصورة بينهم، بنفس الملامح، ونفس العمر… وكأنه لم يتقدم في السن يومًا واحدًا.
ساد الصمت.
قطع اللواء عادل الصمت قائلًا: “هاتوا سجل الموظفين في السنة دي… حالًا.”
وبعد دقائق، عاد أحد الضباط وهو يحمل السجل.
فتح الصفحة الخاصة باسم الرجل.
لكنها كانت فارغة.
لا اسم.
لا رقم قومي.
لا عنوان.
فقط جملة واحدة مكتوبة بالحبر الأحمر:
“إذا عاد… فلا تحاولوا إيقافه.”
وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار المستشفى بالكامل.
وسُمعت خطوات بطيئة تقترب في الممر المظلم… ثم توقف كل شيء أمام باب غرفة محمود.
حكايات شروق خالد
تقف نادر أمام غرفة العمليات، ويداه ملطختان بدماء سلمى، بينما عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل.
بعد ساعات طويلة، خرج الدكتور سامح وهو يخلع الكمامة، وابتسم لأول مرة.
قال بصوت هادئ: “الحمد لله… سلمى خرجت من الخطر.”
تنفس نادر بارتياح، وأغمض عينيه للحظة، وكأن جبلًا انزاح عن صدره.
في الوقت نفسه، وصلت قوة الشرطة إلى المخزن الذي كان يختبئ فيه زعيم الشبكة.
حاول الهرب، لكن اللواء عادل أشهر سلاحه وقال: “انتهت اللعبة… سلّم نفسك.”
وبعد مطاردة قصيرة، تم القبض عليه، ومعه كل الملفات التي تثبت جرائمه، وأسماء المتورطين داخل المستشفى وخارجها.
بعد أيام…
امتلأت قاعة المحكمة بالإعلام والناس.
وقف المتهمون في القفص، بينما وقف نادر وسامح وسلمى يشهدون بكل ما حدث.
أصدر القاضي حكمه:
السجن المؤبد لزعيم الشبكة.
السجن المشدد لكل من شارك في تجارة الأعضاء وتزوير التقارير.
إغلاق الشبكة بالكامل، وإنقاذ عشرات الضحايا الذين كانوا على وشك الوقوع في أيديهم.
خرج الجميع من المحكمة، وكانت الشمس تشرق وكأنها تعلن بداية جديدة.
اقتربت سلمى من نادر وقالت بابتسامة: “لو ماكنتش صدقتني من البداية… كنا كلنا انتهينا.”
ابتسم نادر ورد: “وأنا اتعلمت إن الحقيقة مهما اتدفنت… لازم تطلع للنور.”
صافحه اللواء عادل وقال: “مصر محتاجة ناس زيك.”
نظر نادر إلى المستشفى من بعيد، ثم ابتسم بهدوء، ودخل من الباب الرئيسي ليبدأ أول يوم عمل جديد… هذه المرة وهو يعلم أن أرواح المرضى أصبحت في أيدٍ أمينة.
**تمت.**
حين عاد الميت
حكايات شروق خالد