عادات من القبر الجزء الثاني والاخير حكايات شروق خالد
القاعة كلها سكتت في ثانية، والمزيكا وقفت والناس بدأت تتوشوش. حسن بصلي وهو مذهول ومش مستوعب الكلمة: “قبر إيه يا كريم؟ أنت بتقول إيه؟ دي فريدة خطيبتي!”.
نادين —أو “فريدة” زي ما مسمية نفسها دلوقتي— وشها بقى زي الأموات، وجسمها كله كان بيرتعش. حاولت تتسحب وترجع لورا وهي بتبصلي بنظرة رجاء وخوف، بس أنا مكنتش شايف قدامي. خمس سنين من العذاب والكسرة مروا قدام عيني في لحظة.
سحبت جنا ورا ضهري عشان متشوفش المنظر، وطلعت الموبايل من جيبي بإيد بترتعد، وفتحت صورتها اللي معايا من سنين، وزقيت الموبايل في وش حسن: “شوف بنفسك يا صاحبي.. شوف الست اللي أنت لسه كاتب كتابك عليها حالا! دي نادين مراتي.. أم بنتي اللي عشت خمس سنين فاكر إنها ماتت وشبعت موت!”.
حسن مسك الموبايل وبقى يبص للصورة ويبص لوشها وهو مش مصدق، ملامحه اتغيرت من الصدمة للغل. لفت ليها وزعق بصوت هز الحيطان: “الكلام ده صح؟! أنتِ مين؟! أنطق الكفن ده يطلع إيه؟!”.
نادين انهارت تماماً وقعدت على ركبها بفستانها الأبيض وهي بتعيط وتصرخ: “سامحني يا حسن.. سامحني يا كريم.. أنا مكنتش قاصدة أعمل فيكم كده! أهلي هما السبب.. هما اللي خططوا لكل حاجة!”.
بدأت تعترف وسط ذهول المعازيم؛ حكت إزاي عيلتها استغلت حادثة عربية شبه عربيتها بالظبط وماتت فيها ست تانية، فدفعوا رشاوى وزوروا الأوراق وشهادة الوفاة عشان يرجعوا بنتم ليهم، ويبعدوها عن “الفقر” وعن الجوازة اللي رفضوا تعترف بيها. وهي وافقت وضحت ببنتها وبيا عشان ترجع لحياة العز والشبع. وبعد خمس سنين، لما افتكرت إن السر اتدفن، وافقت تتجوز حسن وهي متعرفش إنه أعز أصحابي.
حسن بصلي وعينه مليانة دموع وندم، وقال بصوت مكسور: “والله العظيم ما كنت أعرف يا صاحبي.. والله ما كنت أعرف”. وقبل ما حد ينطق، حسن قلع دبلته ورماها في وشها وقالي: “حقك عليا يا كريم.. الجوازة دي باطلة.. والست دي لازم تتحاسب”.
الموضوع مخلصش في القاعة. اتصلنا بالشرطة وجت قبضت عليها بتهمة تزوير شهادة وفاة وانتحال شخصية ثانية، والتحقيقات فتحت ومقليش حد من عيلتها إلا واتجرجر معاه.
أنا أخدت بنتي جنا في حضني وخرجت من القاعة دي وأنا حاسس بغصة في قلبي، بس في نفس الوقت حاسس إن الحمل انزاح. نادين مماتتش في حادثة، نادين ماتت في نظري من زمان، والنهاردة الحقيقة ظهرت عشان بنتي تعرف إن ربنا مب يضيعش حق حد.
#حكايات_شروق_خالد
بعد الليلة دي، القض..ية بقت رأي عام والجرائد كلها بتتكلم عن “العروسة العائدة من الموت”. التحقيقات مع نادين وأهلها كشفت بلاوي تانية، واتضح إنهم دفعوا مبالغ ضخمة عشان يقفلوا ملف الحادثة القديمة باسمها. حسن صاحبي وقف جنبي وقفة رجالة، ومسبنيش لحظة، وكان حاسس بالذنب رغم إنه ملوش ذنب في أي حاجة.
أما نادين، فبعد كام شهر من المداولات في المحاكم، صدر ضدها وضد والدها حكم بالسجن المشدد بتهمة التزوير في أوراق رسمية والرشوة.
في اليوم اللي الحكم صدر فيه، كنت قاعد في بيتي وجنا نايمة في حضني. بصيت لوشها البريء وحسيت لأول مرة من خمس سنين إن قلبي هدي. الوجع اللي كان عايش جوايا اتبخر، وحل محله إحساس بالراحة إن ربنا كشف كل حاجة في الوقت المناسب عشان بنتي متكبرش وهي فاكرة إن أمها فارقت الحياة غصب عنها، لأ.. دي هي اللي اختارت تمشي، والحمد لله إن ربنا نجدنا منها.
حسن جالي البيت بالليل، قعدنا مع بعض نشرب قهوة وسط هدوء الشقة. بصلي وقال: “كريم.. أنا لولا وجودك الليلة دي، كنت هعيش عمري كله مخدوع مع ست باعت أقرب الناس ليها عشان الفلوس.. ربنا فداني بيك يا صاحبي”.
ابتسمتله وقلت: “الحمد لله يا حسن.. ربنا دايماً بيجيب الخير، والست دي مكانتش شبهنا ولا تستاهل تدل خطوة في حياتنا”.
مرت الأيام ورجعت لصحتي ولشغلي، وبقيت بشتغل في تصميم الديكور اللي بحبه، وبقيت بخصص كل دقيقة من وقتي لجنا. كبرت وبقت في المدرسة، وكنت أنا ليها الأب والأم والسند. وفي يوم، وإحنا واقفين في بلكونة شقتنا الجديدة اللي وسعناها وشطبناها سوا، جنا بصتلي وقالت: “بابا.. أنا بحبك أوي، أنت أحسن بابا في الدنيا”.
ضميتها لصدري وأنا ببص للسما اللي صافية ونجومها منورة، وعرفت إن الحكاية مخلصتش بموت نادين، دي بدأت بجد من يوم ما الحقيقة ظهرت، وإن تعويض ربنا دايماً بييجي في شكل رضا وراحة بال ملهاش تمن.
عادت من القبر
#حكايات_شروق_خالد