رفضوا يجيبوا الوجبه لابني حكايات شروق خالد

كان أخويا كريم بيحط لابني آدم، اللي عنده تمن سنين، هوت دوج ناشف في طبق ورق… بينما أولاده كانوا بيقطعوا شرائح لحم فاخرة قدام عينيه.

مش وجبة أطفال.

ومش حتى نفس الأكل بكمية أقل.

مجرد هوت دوج ناشف جابه من قائمة الوجبات السريعة، كأنه افتكر وجوده في آخر لحظة.

قال كريم وهو بيحط الطبق قدام آدم: “اتفضل… إحنا ما طلبناش أكل لابنك.”

آدم بص للسفرة الطويلة، والمفارش البيضا، وبعدها بص على أولاد خاله وهم بيضحكوا ويأكلوا، وبعدين رفع عينيه ناحيتي.

أمي قالت بمنتهى البرود: “كان المفروض تجيبي له أكل معاك.”

سكتت الأوضة كلها للحظة.

بعدها ضحكت مرات كريم.

أبويا نزل عينيه في المنيو وكأنه ما سمعش حاجة.

أما كريم، فكان قاعد في آخر الترابيزة مبتسم بثقة، مستني اللحظة اللي هيطلع فيها الساعة الفاخرة اللي اشتراها لأبويا هدية بمناسبة المعاش… وهو مقتنع إن الحساب كله هيتدفع من فلوسي.

ابتسمت بهدوء وقلت:

“تمام… فهمت.”

لأني اتعلمت من زمان…

الناس اللي بتهينك قدام الناس، بتبقى متأكدة إنك هتكسف تفضح الحقيقة.

العزومة دي كانت معمولـة عشان احتفال تقاعد أبويا.

كريم هو اللي اختار المطعم، وعزم العيلة كلها، وحجز القاعة، وطلب أغلى الأكلات، وقال للجميع:

“ما تقلقوش… الحساب هيتدفع من حساب العيلة.”

“حساب العيلة.”

الاسم الجميل اللي كانوا بيطلقوه على الحساب البنكي اللي فتحته أنا من سنين عشان مصاريف علاج أبويا وأمي وقت الأزمات.

أنا الوحيدة اللي كنت بحط فيه فلوس كل شهر.

كريم… ولا جنيه.

وأبويا… ولا جنيه.

أما أمي، فكانت كل شوية تسحب منه فلوس وتقول: “دي تعويض عن تعب الأعصاب.”

وبطريقة غريبة…

كل ما كريم يحب يعيش دور ابن العيلة المدلل، فلوسي كانت تتحول فجأة إلى “فلوس العيلة”.

أما لما ييجي الدور على ابني…

يبقى المفروض “أكون مجهزة أكله معايا.”

همس آدم وهو منزل رأسه:

“يا ماما… أنا مش جعان.”

الجملة دي وجعتني أكتر من أي إهانة.

لأنه كان جعان فعلًا.

كان متحمس للعزومة من الصبح.

لبس القميص الأزرق اللي بيحبه جده، ورسم له كارت بإيده كتب فيه:

“مبروك يا جدو… أنا فخور بيك.”

ودلوقتي…

كان بيحاول يصغر نفسه وسط ناس كان المفروض يحموه.

حطيت إيدي على كتفه وقلت بهدوء:

“ما تاكلش لو مش عايز.”

ضحك كريم وقال:

“بلاش تعملي مشكلة… الأطفال بيحبوا الهوت دوج.”

بصيت على علبة الساعة الغالية اللي على الترابيزة…

وفي نفس اللحظة جه الجرسون بجهاز الدفع عشان يحاسب الفاتورة الكبيرة.

وقفت.

كل الموجودين بصوا ناحيتي.

رفعت كوباية العصير وقلت:

“قبل ما تتحط الحلويات… أحب أعلن حاجة.”

ابتسم كريم، فاكر إني هشكره قدام الناس.

لكن بصيت للجرسون وقلت:

“لو سمحت… افصل حسابي أنا وابني لوحدنا.”

هز الجرسون رأسه بالموافقة.

في اللحظة دي…

اختفت الابتسامة من وش كريم.

فتح بقه عشان يعترض…

لكن كنت لسه مخلصتش.

طلعت موبايلي، فتحت تطبيق البنك، ومديت إيدي في شنطتي وأخرجت الورقة الوحيدة اللي كانت كفيلة تهدم الصورة المثالية اللي رسمها لنفسه قدام العيلة كلها.

#حكايات_شروق_خالد

كريم ضحك ضحكة مصطنعة وقال:

“إيه الهزار ده يا مها؟ افصلي حسابك إيه؟ إحنا قولنا الحساب من حساب العيلة.”

بصيت له بهدوء، ورفعت الورقة قدام الجميع.

قلت:

“تعرفوا الورقة دي إيه؟”

ولا حد رد.

فتحتها بهدوء ولفيتها ناحية أبويا.

“دي كشف الحساب الخاص بحساب العيلة… آخر خمس سنين.”

اتغير لون وش كريم.

أما أمي فقالت بسرعة:

“إحنا مالنا بالكلام ده دلوقتي؟ الناس كلها بتبص.”

ابتسمت.

“بالظبط… الناس كلها بتبص. وعلشان كده لازم الحقيقة تتقال قدام الكل.”

القاعة سكتت تمامًا.

حتى الجرسونات وقفوا مستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل.

بصيت في الورقة وقلت بصوت واضح:

“إجمالي اللي دخل الحساب خلال خمس سنين… ثلاثة ملايين ومئتين وثمانين ألف جنيه.”

عيون الناس اتسعت.

“اسم صاحب كل الإيداعات…”

وسكت لحظة.

“…مها عبد الرحيم.”

أشرت لنفسي.

“يعني أنا.”

لفيت الصفحة.

“إجمالي إيداعات كريم…”

رفعت الورقة.

“صفر جنيه.”

كريم ضرب بإيده على الترابيزة.

“إنتي بتفضحيني؟”

قلت بهدوء:

“أنا بقرأ أرقام.”

ضحكات خافتة بدأت تتسمع من آخر القاعة.

كملت:

“إيداعات بابا… صفر.”

“إيداعات ماما… صفر.”

أمي صرخت:

“إحنا أهل.”

هززت رأسي.

“وأنا كنت فاكرة كده.”

فتحت الصفحة الأخيرة.

“أما السحوبات…”

ابتسمت بأسى.

“أربعمائة ألف جنيه باسم علاج.”

“مائتين وعشرة آلاف جنيه باسم مصاريف طارئة.”

“مائة وخمسون ألف جنيه باسم هدية.”

وبعدين بصيت مباشرة على كريم.

“الهدية دي هي الساعة اللي إنت جاي تقول للناس إنك اشتريتها من تعبك.”

كل العيون اتجهت ناحية علبة الساعة.

أبويا بص لكريم لأول مرة.

“الكلام ده صحيح؟”

كريم اتلعثم.

“كنت… هارجع الفلوس.”

قلت:

“بقالك أربع سنين بتقول هترجعها.”

فتحت الموبايل، وعرضت إشعارات التحويلات.

كل عملية سحب كانت ظاهرة بالتاريخ والمبلغ.

قلت:

“كل مرة كنتوا تسحبوا فلوس من الحساب، كانت الرسالة بتوصلني.”

أمي قربت مني وهي بتحاول تخطف الموبايل.

“اقفلي الكلام ده.”

رجعت خطوة لورا.

“ليه؟ الحقيقة بتوجع؟”

آدم كان ماسك إيدي بقوة.

بصيت له وابتسمت.

ثم رجعت أبص للعيلة.

“فاكرين لما قلتوا إن الأطفال بيحبوا الهوت دوج؟”

ولا حد نطق.

“ابني اتحرم من وجبة، علشان ابنه ياكل ستيك بآلاف الجنيهات… من فلوسي أنا.”

كريم صاح:

“إنتي بتكبري الموضوع.”

قلت:

“لا… اللي كبر الموضوع إنك حاولت تذل طفل عنده تمن سنين.”

الهدوء بقى مرعب.

حتى أبويا كان وشه شاحب.

مديت إيدي ناحية علبة الساعة، ودفعتها ناحية كريم.

“خد هديتك.”

استغرب.

قلت:

“لأنها مش هدية منك.”

وبعدين بصيت لأبويا.

“لو حضرتك عايز تحتفظ بيها، ده حقك… لكن لازم تعرف إنها اتدفعت من فلوس كنت شايلها علشان علاجك.”

أبويا مسك العلبة بإيده المرتعشة.

فضل يبص فيها ثواني طويلة.

وفجأة حطها قدام كريم.

وقال بصوت مكسور:

“أنا ما ألبسش حاجة اتجابت بالكذب.”

كريم سكت.

أول مرة في حياته ما يلاقيش كلمة يدافع بيها عن نفسه.

الجرسون قرب مرة تانية وقال باحترام:

“يا فندم… الفاتورة.”

كريم بص حواليه.

كان مستني حد يقول له:

“سيبها… مها هتدفع.”

لكن المرة دي…

ولا حد اتكلم.

طلعت بطاقتي، وقلت للجرسون:

“حاسبني أنا وابني بس.”

الجرسون حسب الطلبات.

دفعت تمن وجبتي، وعصير آدم اللي ما شربوش، وحتى الهوت دوج الناشف اللي محدش لمسه.

ثم وقفت، ومسكت إيد ابني.

قبل ما أخرج، لفيت ناحية كريم وقلت:

“بالمناسبة…”

رفعت الموبايل قدامه.

“من ساعة واحدة بس… قفلت حساب العيلة نهائي، وحولت كل اللي فاضل فيه لحساب جديد باسمي.”

اتسعت عينيه.

“إنتِ ما ينفعش تعملي كده!”

ابتسمت لأول مرة من قلبي.

“ينفع… لأن الحساب باسمي أنا، وأنا الوحيدة اللي كانت بتموله.”

أمي شهقت.

“يعني مفيش فلوس؟”

قلت:

“لا… مفيش فلوس حد يمد إيده عليها بعد النهارده.”

خرجت أنا وآدم من القاعة.

وقبل ما باب المطعم يقفل، سمعت صوت كريم وهو بيتخانق مع مدير المطعم بعدما عرف إن باقي الفاتورة الضخمة، بكل أطباق الستيك والمأكولات الفاخرة، لازم يدفعها هو بنفسه.

أما آدم، فرفع رأسه وبصلي وقال بابتسامة صغيرة:

“ماما… ممكن وإحنا راجعين ناكل كشري؟”

ضحكت وأنا أمسح على شعره.

وقلت:

“هنجيب أكبر طبق كشري في مصر… لأن كرامتك عندي أغلى من أي عزومة.”

حكايات شروق خالد

خرجنا من المطعم، وآدم ماسك إيدي كأنه خايف أختفي. كان الليل هادي، لكن جوايا كانت عاصفة انتهت أخيرًا.

ركبنا العربية، وآدم فضل ساكت شوية، وبعدين قال بصوت خافت:

“ماما… أنا كنت فاكر إن أنا عملت حاجة غلط.”

وقفت عند أول إشارة، وبصيت له.

“ليه يا حبيبي؟”

قال وهو بيبص في الأرض:

“عمو كريم كان بيبصلي وحش… ولما ولاده كانوا بيضحكوا عليا حسيت إن أنا وحش.”

حسيت إن قلبي بيتقطع.

فكيت الحزام، وميلت عليه حضنته.

“إسمعني كويس… الغلط عمره ما كان فيك. الغلط في أي حد يحاول يكسّر خاطر طفل.”

هز رأسه، وابتسم لأول مرة من غير خوف.

…

بعد نص ساعة كنا قاعدين في محل كشري شعبي.

ولا نجوم خمس نجوم…

ولا أطباق فضة…

ولا ناس بتتصور.

مجرد طبق كشري كبير، وريحة بصل محمر، وابني بيضحك.

وأقسم بالله…

عمري ما حسيت إن فلوسي اتصرفت في مكانها قد اللحظة دي.

—

تاني يوم الصبح…

صحيت على أكتر من خمسين مكالمة.

كريم.

أمي.

مراته.

حتى خالتي.

قفلت الموبايل، لكن الرسائل فضلت تنزل.

“إنتِ خربتي البيت.”

“أبوك تعبان بسببك.”

“الناس كلها عرفت.”

“ارجعي الفلوس.”

آخر رسالة كانت من كريم.

“لو ما رجعتيش الحساب، هرفع عليكي قض\ية.”

ضحكت.

وبعتله صورة واحدة.

كانت صورة أول ورقة من كشف الحساب، اللي فيها اسمي باعتباري صاحبة الحساب.

وتحتها كتبت:

“اتفضل.”

ما ردش.

—

بعد الضهر…

رن جرس البيت.

فتحت الباب.

لقيت أبويا واقف.

كان شكله متغير.

كبر عشر سنين في ليلة واحدة.

أول ما شاف آدم، نزل على ركبته وفتح دراعه.

آدم بصلي.

قلت له:

“روح يا حبيبي.”

جري عليه.

أبويا حضنه وهو بيعيط.

أول مرة أشوف أبويا بيعيط بالشكل ده.

قال بصوت متقطع:

“سامحني يا آدم… أنا كنت موجود وسكت.”

آدم مسح دموعه بإيده الصغيرة وقال:

“خلاص يا جدو.”

الجملة البسيطة دي كسرتني.

—

دخل أبويا البيت.

قعد فترة طويلة ساكت.

وبعدين طلع ظرف من جيبه.

حطه قدامي.

فتحته.

لقيت فيه الساعة.

نفس الساعة.

قال:

“رجعتها.”

قلت باستغراب:

“رجعتها إزاي؟”

قال:

“قلتله يا يرجعها… يا يبيعها ويسدد تمنها.”

سكت لحظة.

“رفض.”

“قولتله من النهارده… أنا ماليش ابن اسمه كريم لحد ما يرجع حقوق الناس.”

كنت عارفه إن الكلمة دي كانت أصعب قرار أخده في حياته.

—

بعد أسبوع…

اكتشفت إن كريم بدأ يبيع عربيته.

وبعدين أعلن بيع شاليه كان دايمًا يتباهى بيه.

لأنه اكتشف إن الديون اتراكمت عليه.

ولأول مرة…

مافيش حساب عيلة ينقذه.

ولا أخت تدفع.

ولا أم تبرر.

—

أما أمي…

فضلت شهور تحاول تكلمني.

كل مرة كانت تبدأ بنفس الجملة:

“إحنا عيلة.”

لكن المرة دي…

كنت أرد بهدوء:

“العيلة بتحمي بعض… مش تستغل بعض.”

وبعدين أقفل المكالمة.

—

بعد ستة شهور…

كان عيد ميلاد آدم.

سألته:

“تحب نعمل حفلة كبيرة؟”

ابتسم وقال:

“لا.”

“أمال عايز إيه؟”

قال:

“أنا عايز جدو ييجي… ونجيب كشري.”

ضحكت.

وجالي إحساس إن ابني كبر سنين في يوم واحد.

عملنا عيد ميلاد بسيط.

أبويا جه وهو شايل هدية متواضعة.

كتاب صغير، وكرة قدم.

قبل ما يديها لآدم، قال:

“المرة دي… الهدية من فلوسي أنا.”

ابتسمت.

لأن الجملة دي كانت معناها أكبر من أي هدية.

—

وفي نهاية اليوم…

وأنا بحط آدم في سريره، سألني:

“ماما…”

“نعم؟”

“إحنا بقينا أغنيا؟”

ابتسمت.

وقلت:

“إحنا كنا أغنيا طول عمرنا.”

استغرب.

“إزاي؟”

طبطبت على رأسه، وقلت:

“لأن اللي عنده كرامة، وضمير، وراحة بال… عمره ما يكون فقير.”

ابتسم، وغمض عينيه.

أما أنا…

فبصيت من الشباك، وافتكرت الليلة اللي خرجت فيها من المطعم وأنا فاكرة إني خسرت عيلتي.

لكن الحقيقة…

إني في الليلة دي، خسرت الناس اللي استغلوني…

وكسبت أهم شخصين في حياتي:

نفسي…

وابني.

رفضوا يجيبوا لابني وجبة… ثم اكتشفوا مين اللي كان بيدفع

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *