سر جبل الاسود الجزء الاول حكايات شروق خالد
لما بعتت رسايلتي على جروب العيلة وقلت: “من النهارده لا تعزمونا تاني… إحنا مبقيناش لعبة تتسلوا بيها. والهدية اللي مستنيينها جاية في الطريق.” كنت متوقعة هيقوموا يشتموا ويهددوا.
لكن اللي حصل كان أغرب.
تليفون جوز أختي فضل يرن ورا بعضه أكتر من خمستاشر مرة في خمس دقايق.
أمي كانت بتعيط وهي بتقول:
ـ يا بت… عملتي إيه؟
وأختي صابرين كانت بتصرخ:
ـ يا نجاة… انطقي! عملتي إيه يا مرة؟
بصيت على الملفات اللي كانت مفروشة قدامي فوق طرابيزة السفرة، وابتسمت ابتسامة باردة، وهمست لنفسي:
ـ كان لازم تعاملوا عيالي زين… قبل ما ييجي يوم الحساب.
…
كان بيت أبوي في آخر البلد، بيت كبير مبني بالطوب الأحمر، قدامه مندرة واسعة وساحة مليانة نخل وجميز، وكل سنة كانوا يعملوا فيه لمة كبيرة بعد موسم جمع القصب.
العيلة كلها كانت متجمعة.
الرجالة قاعدين في المندرة يشربوا الشاي التقيل ويتكلموا في الأرض والمواشي، والستات جوه بيجهزوا الأكل.
ولادي، حمزة وعالية، كانوا واقفين جنب بعض في هدوء، مستنيين زي باقي العيال.
جديهم بدأ يوزع الهدايا.
ابن خالي خد موبايل جديد.
بنت عمتي خدِت غويشة دهب.
حفيد تاني خد موتوسيكل صغير بالكهربا.
وأمي بتصور بالموبايل وهي تضحك.
أما ولادي…
ولا حتى كيس حلوى.
سكتوا.
حمزة فضل يبص حواليه يمكن يكون اسمه لسه مجاش.
لكن كل الهدايا خلصت.
ابن أختي مالك ضحك بصوت عالي وقال:
ـ شكلهم السنة دي ما استحقوش حاجة.
الضحكة علت في المكان.
ولا واحد قاله عيب.
أبوي كمل يشرب الشاي.
أختي صابرين بصتلي بابتسامة كلها شماتة.
وأمي قالت وهي بتقفل الكاميرا:
ـ فيه عيال بتفرح أهلها… وفيه عيال ملهمش لازمة.
في اللحظة دي شفت وش بنتي عالية وهو بيتغير.
عينيها دمعت.
أما حمزة، حاول يبان راجل قدامي.
لكن شفايفه كانت بترتعش.
قومت من مكاني بهدوء.
قلت:
ـ نسيتوا حاجة.
صابرين قالت وهي بتضحك:
ـ نسينا إيه؟
مالك قال:
ـ يمكن السنة الجاية يبقوا يستاهلوا.
وقتها مسكت إيد بنتي، وخدت جاكيت الولد.
قلت:
ـ يلا بينا.
أمي زعقت:
ـ يا بت ما تفضحيناش قدام الناس.
بصيتلها وقلت:
ـ الفضيحة عملتوها إنتوا… مش أنا.
أبوي ضرب بعصايته في الأرض وقال:
ـ طول عمرك مكبرة المواضيع.
ابتسمت.
نفس الكلمة اللي كانوا بيقولوها من وأنا صغيرة.
نجاة الدرامية.
نجاة المطلقة.
نجاة اللي شغلها واخدها من بيتها.
ولا مرة حد فيهم عرف إن شغلي هو اللي خلاني واحدة من أخطر الناس في كشف سرقة الشركات وغسيل الأموال.
كنت سايبة الكل فاكر إني مجرد موظفة بسيطة في قنا.
لكن الحقيقة…
إني كنت شغالة مع لجنة رقابية كبيرة، وبحقق في قض*ية هزت نص الصعيد.
والمتهم الرئيسي فيها…
كان جوز أختي.
مختار.
الراجل اللي كل البلد كانت فاكرة إنه أغنى تاجر مواشي وأراضي.
بينما الحقيقة…
إن فلوسه جاية من سرقة ملايين الجنيهات، وتزوير أوراق أراضي، ورشاوى لمسؤولين كبار.
والمصادفة؟
إن ملف التحقيق كله كان بين إيديا أنا.
وهم…
ولا عندهم أي فكرة.
رجعنا البيت.
حمزة قعد ساكت.
وفجأة قال:
ـ يمّه… إحنا وحشين؟
قلبي اتقطع.
حضنته وقلت:
ـ والله يا ضنايا… إنتوا أنضف ناس في الدنيا.
عالية سألت وهي بتمسح دموعها:
ـ أمال ليه جدو وجدتي بيحبوا ولاد خالتي أكتر مننا؟
مقدرتش أرد.
لأن الحقيقة كانت أوحش من سنهم.
أهلي طول عمرهم بيقدسوا الفلوس.
اللي معاه عربية فارهة يبقى سيد الناس.
واللي يلبس ماركات يبقى ابن عز.
أما أنا…
فكنت مخبية كل نجاحي.
ولا مرة اتباهيت بقرش.
بعد ما نيمت العيال، نزلت المطبخ.
فتحت اللاب توب.
قدامي ملفات، وتحويلات بنكية، وعقود مزورة، وصور لاجتماعات سرية في استراحات على طريق الصحراوي الغربي، وأسماء ناس معروفة في المحافظة.
كل دليل كان بيقرب مختار من السجن.
مسكت موبايلي.
وبعت على جروب العيلة:
“من النهارده ما تعزموناش تاني… إحنا مبقيناش نكتة تتسلوا بيها. والهدية اللي مستنيينها جاية في الطريق.”
ثلاث ثواني…
والدنيا اتقلبت.
تليفونات.
رسايل.
صوت أمي وهي بتعيط.
وأول رسالة وصلتني كانت من مختار.
كتب فيها:
“إيه الهدية يا نجاة؟”
بصيت للرسالة… وابتسمت.
لأن بعد أقل من أربع وعشرين ساعة…
كانت عربيات المباحث والرقابة الإدارية هتقف قدام أكبر فيلا في البلد…
وساعتها…
كل أهل الصعيد هيعرفوا إن العيلة اللي كانت بتتكبر على الغلابة…
كانت عايشة من فلوس الحرام.
#حكايات_شروق_خالد
الساعة كانت داخلة على اتناشر بالليل.
البيت ساكت… إلا من صوت عقارب الساعة.
رنيت تليفوني من جديد.
مختار.
بصيت للاسم شوية، وبعدها رديت.
أول ما سمع صوتي قال وهو بيحاول يبان هادي:
ـ نجاة… إيه الكلام اللي بعتيه على الجروب؟
قلت ببرود:
ـ فهمته زي ما هو.
ـ قصدك إيه بالهدية؟
ـ هتعرف بكرة.
صوته اتغير فجأة.
ـ لو دي لعبة… يبقى بلاش هزار.
ضحكت ضحكة قصيرة.
ـ أنا عمري ما هزار في شغلي يا مختار.
وقبل ما يتكلم قفلت السكة.
…
بعد أقل من دقيقة، جالي اتصال من أمي.
رديت.
كانت بتعيط.
ـ يا بتي… عشان خاطر أبوكي… متعمليش مشاكل.
قلت:
ـ المشاكل بدأت من يوم ما فضلتوا الفلوس على الدم.
ـ دي مجرد هدايا يا بنتي.
ـ لا… دي كانت إهانة لعيالي قدام البلد كلها.
سكتت.
ولأول مرة ملقتش كلام ترد بيه.
…
في الناحية التانية من البلد…
كان مختار داخل المندرة عند أبويا.
كل الرجالة الكبار قاعدين.
أبوي أول ما شافه قال:
ـ خير يا واد؟
مختار قال بصوت مهزوز:
ـ نجاة باعتة رسالة غريبة.
صابرين قالت وهي بتحاول تضحك:
ـ سيبك منها… دي بتخوّف وخلاص.
لكن مختار ما ضحكش.
طلع موبايله ووراهم الرسالة.
السكوت نزل على المكان.
أبوي بصله وقال:
ـ هي تعرف إيه يعني؟
مختار بلع ريقه.
ـ يمكن… أكتر مما إحنا فاكرين.
صابرين بصتله باستغراب.
ـ إنت مخبي حاجة؟
اتوتر.
ـ لا… لا… مفيش.
لكن عرقه كان بينزل من جبينه رغم برد الليل.
…
في بيتي…
فتحت الملف الأخير.
كان فيه تسجيلات صوت.
وصور.
وتحويلات بملايين الجنيهات.
وأسماء موظفين مرتشين.
وفيديو واضح لمختار وهو بيستلم شنطة فلوس داخل استراحة على طريق قنا – سفاجا.
ابتسمت.
وقلت لنفسي:
ـ خلاص… النهاية قربت.
في اللحظة دي…
وصلتني رسالة من رقم غريب.
“لو عايزة عيالك يعيشوا… اقفلي الملف.”
اتجمدت إيدي.
بصيت للرسالة أكتر من مرة.
وفي نفس الثانية…
سمعت صوت حركة برا البيت.
حد بيلف حوالين السور.
طفيت نور الصالة بسرعة.
وبصيت من بين الستارة.
لقيت عربية ربع نقل سودا واقفة بعيد شوية.
وفيها تلات رجالة.
واحد منهم نزل.
ولابس جلابية سودا.
وماسك في إيده جركن بنزين.
همست:
ـ يا ساتر يا رب…
الراجل قرب من باب البيت…
وفجأة رفع الجركن…
وبدأ يرش البنزين حوالين السور.
عرفت وقتها…
إنهم مش خايفين من السجن…
هم مستعدين يولعوا فيا أنا وعيالي قبل ما الحقيقة تطلع للنور.
حكايات شروق خالد
جريت على أوضة العيال.
حمزة وعالية كانوا نايمين، ولا عندهم خبر باللي بيحصل برة.
قفلت الباب عليهم بالمفتاح، وخدت تليفوني في إيدي.
مكنتش خايفة على نفسي…
كنت خايفة عليهم.
بصيت من الشباك.
الراجل خلص يرش البنزين، ولف وشه ناحية العربية.
وفي اللحظة دي سمعت صوت مختار وهو بيزعق من داخل العربية:
ـ استنى… متولعش دلوقتي!
الراجل وقف.
مختار نزل بنفسه.
كان بيبص حوالين البيت، وكأنه بيفكر.
قال بصوت واطي:
ـ لو ماتت… الملف هيوصل للنيابة تلقائي.
الراجل سأله:
ـ أومال نعمل إيه؟
مختار رد وهو بيجز على سنانه:
ـ نخوفها… ونجيب الملف الأول.
ابتسمت رغم الخطر.
لأن الجملة دي أكدتلي إنهم فعلاً عارفين إن الأدلة عندي.
فتحت تطبيق صغير في موبايلي.
وضغطت على زر واحد.
بعد ثواني، وصلت رسالة:
“تم إرسال نسخة احتياطية من جميع الملفات إلى جهة آمنة.”
ارتحت.
دلوقتي حتى لو خدوا اللاب توب…
خلاص فات الأوان.
…
برة البيت، واحد من الرجالة حاول يفتح البوابة الحديد.
لكن قبل ما يلمسها…
نور العربية ضرب في وشهم.
عربية شرطة عدت من أول الشارع.
الرجالة جَروا بسرعة.
ومختار ركب عربيته واختفى في الضلمة.
فضلت واقفة ورا الستارة لحد ما الشارع هدي.
…
أول ما أذن الفجر، لبست هدومي.
صحيت العيال.
حمزة سألني وهو بيفرك عينه:
ـ يمّه… رايحين فين بدري؟
ابتسمت وربت على راسه.
ـ هنروح مكان آمن شوية يا حبيبي.
ركبنا العربية.
لكن قبل ما أدور الموتور…
لقيت عربية بيضا واقفة قدام البيت.
نزل منها راجل في الخمسينات، لابس جلابية صعيدي نضيفة وعِمّة بيضا.
عرفته أول ما شوفته.
كان الحاج منصور العزازي…
أكبر رجال البلد، وصاحب كلمة محدش يقدر يكسرها.
قرب من شباك العربية وقال بهدوء:
ـ يا بنتي… انزلي.
نزلت وأنا مستغربة.
قال وهو بيبص حواليه:
ـ اللي حصل امبارح وصلني كله.
سألته:
ـ وجاي ليه؟
رد بصوت ثابت:
ـ لأن اللي إنتِ ماسكاه… مش هيوقع مختار لوحده.
استغربت.
ـ يعني إيه؟
بص في عيني وقال:
ـ الملف فيه أسامي ناس أكبر منه بكتير… ولو فتحتيه، البلد كلها هتتقلب.
وقبل ما أسأله أي سؤال…
طلع من جيبه ظرف بني قديم.
ادهولي وقال:
ـ ده كان عند أبوك من سبع سنين… وخباه عنك.
فتحت الظرف بسرعة…
وأول ورقة وقعت في إيدي خلت الدم ينشف في عروقي.
كانت شهادة ملكية…
باسم أبويا.
تثبت إنه شريك مختار من أول يوم…
وإن كل اللي كانوا بيعملوه طول السنين، كان بعلم أبويا وموافقته.
في اللحظة دي فقط…
فهمت ليه أبويا سكت لما اتذل ولادي.
وفهمت ليه أمي كانت بتموت خوف من كلمة واحدة مني.
لأن سقوط مختار…
كان معناه سقوط العيلة كلها.
حكايات شروق خالد