ورقه من ممرضه قلبت حياتي الجزء الثاني حكايات شروق خالد

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة لأول مرة من شهور إني واقفة على رجلي.

الخوف اللي كان مالي قلبي مات.

وحل مكانه هدوء مخيف.

الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة.

أول حاجة عملتها، إني رجعت المستشفى.

دخلت على طنط ميرفت، وكان الدكتور واقف جنبها.

سألته:
“لو سمحت يا دكتور… حالة والدته تسمح إنها تدلي بأقوالها؟”

بص لي باستغراب وقال:
“ليه؟”

قلت:
“فيه محضر هيتحرر.”

الدكتور فهم من ملامحي إن الموضوع كبير.

قال:
“الكلام صعب عليها بسبب الجلطة، لكن تقدر تكتب بإيدها الشمال شوية.”

بصيت لحماتي.

أول ما سمعت كلمة “محضر”، هزت راسها بالموافقة.

…

بعد أقل من ساعة…

كان وكيل النيابة بنفسه موجود في المستشفى.

قعد جنب سرير طنط ميرفت.

وحط قدامها ورقة وقلم.

بإيد مرتعشة…

كتبت أول جملة.

“ابني مصطفى هددني.”

النيابة طلبت تفريغ كاميرات المستشفى بالكامل.

واتحفظت على التسجيلات الأصلية.

وأخدت نسخة من الفيديو اللي كانت معايا.

الممرضة صباح شهدت بكل اللي شافته.

وفني الأمن أكد إن مصطفى كان بيفصل زرار الاستغاثة كل ليلة.

الدنيا بدأت تضيق عليه…

وهو لسه مش دريان.

…

بالليل…

رجع البيت.

كان داخل بيغني.

واضح إنه راجع من عند البنت الشقرا.

أول ما دخل، لقى الشقة فاضية.

دولابي مفتوح…

لكن هدومي كلها اختفت.

أوضة النوم فاضية.

حتى صور الفرح مش موجودة.

رن عليا.

رديت.

قال بعصبية:
“إنتِ فين؟”

قلت بهدوء:
“في مكان آمن.”

صرخ:
“يعني إيه؟”

قلت:
“يعني خلاص… مش هرجع.”

ضحك بسخرية.

“إنتِ فاكرة نفسك هتعيشي من غيري؟”

ابتسمت.

“وأنا كنت عايشة بيك أصلًا؟”

اتحول صوته للتهديد.

“هندمك.”

قلت:
“استنى بكرة.”

وقف ساكت.

“ليه؟”

قلت:
“هتعرف.”

وقفلت الخط.

…

تاني يوم الساعة عشرة الصبح…

كان داخل الشركة بكل ثقة.

يسلم على الموظفين ويضحك.

وفجأة…

دخل ثلاثة رجال ببدل رسمية.

واحد منهم قال بصوت واضح:

“الأستاذ مصطفى الشناوي؟”

رد:
“أيوة.”

طلّع كارنيهه.

وقال:

“حضرتك مطلوب للتحقيق في بلاغات تتعلق بالاستيلاء على أموال بطريق الاحتيال، وتهديد مريضة داخل منشأة طبية، وتعريض حياتها للخطر.”

اللون اتسحب من وشه.

قال:
“فيه غلط.”

رد الضابط:
“الكاميرات مبتغلطش.”

في نفس اللحظة…

كل موظفي الشركة كانوا واقفين بيتفرجوا.

واحد منهم همس للتاني:

“مش ده اللي كان عامل نفسه ابن بار؟”

واتنين بدأوا يشغلوا فيديو القبض عليه بالموبايل.

أما مصطفى…

فكان بيدور بعينيه في كل مكان.

يمكن يلاقيني.

لكن أنا كنت واقفة بعيد…

في العربية مع المحامي.

شايفة كل حاجة.

من غير ما أنزل.

المحامي بص لي وقال:

“شماتة؟”

هزيت راسي.

“لأ…”

وسكت شوية.

“…ده أول قسط بس.”

لأن اللي مصطفى ميعرفوش…

إن البنت اللي كان بيدفع لها فلوسي…

أول ما سمعت إنه اتمسك…

اختفت.

قفلت موبايلها.

واختفت بالفلوس…

وسابت له شقتها الوهمية، وأحلامه الكدابة، وخرابه كله.

ولأول مرة في حياته…

عرف يعني إيه حد يضحك عليه…

بنفس الطريقة اللي كان بيضحك بيها على غيره.

يتبع…

#حكايات_شروق_خالد

بعد القبض على مصطفى بثلاثة أيام، الخبر كان منتشر في كل حتة.

في الشركة…

في المستشفى…

وفي الحي اللي ساكنين فيه.

كل واحد كان بيحكي الحكاية بطريقته.

أما أنا، فكنت قاعدة جنب طنط ميرفت، بسقيها العصير بالمعلقة، وهي كل شوية تمسك إيدي وتبكي.

كتبت على الورقة قدامها:

“سامحيني… أنا اللي ربيت وحش.”

حضنتها وقلت:

“ذنبك الوحيد إنك كنتي فاكرة إن ابنك هيكبر ويبقى سندك.”

نزلت دموعها في صمت.

…

في اليوم الرابع، المحامي كلمني.

قال:

“لازم تيجي.”

رحت على مكتبه.

لقيته حاطط قدامه ملف جديد.

قال وهو بيفتحه:

“اكتشفنا حاجة أخطر.”

قلبي انقبض.

“إيه؟”

طلع صور.

وصور عقود.

وكشف حساب.

وقال:

“جوزك عمره ما كان بياخد الفلوس لشقة في حدائق الأهرام.”

اتجمدت مكاني.

“أمال كانت رايحة فين؟”

بص في الورق وقال:

“هو كان بيحولها باسم واحدة اسمها نادين… لكن الحساب اللي بتتحول عليه مش حسابها.”

سألته:

“حساب مين؟”

قال:

“أخته… نرمين.”

شهقت.

“أخته؟!”

هز رأسه.

“أيوة… وأخته كانت بتسحب الفلوس كاش أول بأول.”

حسيت إن الأرض بتلف بيا.

يعني الخيانة…

كانت أكبر من مجرد واحدة شمال.

دي كانت شبكة كاملة.

…

بعد يومين…

النيابة استدعت نرمين.

دخلت بكل ثقة.

وقالت:

“أنا معرفش حاجة.”

لكن بعد ما واجهوها بكشوف الحسابات…

والتحويلات…

والكاميرات…

انهارت.

واعترفت بكل حاجة.

قالت وهي بتعيط:

“مصطفى قالي إن مراته وافقت… وقال دي فلوسه وهو حر فيها.”

وكيل النيابة سألها:

“وإنتِ صدقتيه؟”

سكتت.

لأنها كانت عارفة إنها كذابة.

…

وفي نفس اليوم…

المفاجأة الأكبر حصلت.

الممرضة صباح اتصلت بيا.

وقالت:

“تعالي بسرعة.”

جريت على المستشفى.

أول ما دخلت أوضة طنط ميرفت…

لقيتها بتشاور على الدولاب الصغير اللي جنب السرير.

فتحت الدرج.

طلع مفتاح قديم مربوط بخيط أحمر.

كتبت على الورقة:

“الخزنة.”

استغربت.

“خزنة إيه؟”

كتبت:

“في البيت… تحت السرير.”

رجعت البيت القديم.

ورفعت السرير.

فعلاً…

كان فيه بلاطة متشالة.

وتحتها خزنة حديد.

فتحتها بالمفتاح.

ولقيت…

دفتر توفير قديم.

وعقد أرض.

وعقد محل.

وكيس قطيفة أحمر مليان دهب.

وفي آخر الخزنة…

جواب مكتوب باسمي.

فتحته…

وكان أول سطر فيه:

“يا عزة… لو بتقري الجواب ده، يبقى مصطفى خان الأمانة زي ما كنت خايفة.”

كملت القراءة ودموعي بتنزل.

“من سنين وأنا حاسة إن ابني اتغير. لذلك كتبت كل أملاكي باسم حفيدي المستقبلي، ولو ربنا مرزقكيش، تبقى باسمك إنتِ، لأنك الوحيدة اللي شفت فيكي بنت بجد.”

اتجمدت.

يعني…

كل حاجة كانت باسمي أنا.

ومصطفى…

ميعرفش.

قفلت الجواب.

وبصيت للمحامي.

ابتسم وقال:

“واضح إن ربنا كان بيدبرلك حقك من زمان.”

ابتسمت لأول مرة من قلبي.

لكن في اللحظة دي…

رن تليفوني.

رقم غريب.

رديت.

جالي صوت راجل غليظ.

قال:

“لو عايزة تشوفي مصطفى عايش… اسحبي كل البلاغات.”

اتسمرت مكاني.

لأن مصطفى…

كان لسه محبوس.

يبقى…

مين اللي بيهددني؟

يتبع…

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *