“طلقني وقال: إنتِ مش كفاية… فخسِر ابنه وثروته وكل اللي بناه!” ج1 حكايات شروق خالد
كنت قاعدة قدام الدار، بهز سرير ابني الصغير سيف، وهو بيضحكلي ضحكة كانت بتهوّن عليَّ كل اللي شوفته.
فجأة عربية سودا وقفت قدام البوابة، ونزل منها راجل لابس بدلة، وماسك في إيده ظرف كبير.
الخدامة راحت تاخده منه، لكنه قال:
ـ لا… لازم أسلمه للست بنفسها.
خدت الظرف، وأول ما فتحتُه عرفت إنه ورق طلاق.
ولا دمعة نزلت.
ولا حتى اتخضيت.
ابتسمت بس.
أصل الورق ده كان متأخر كتير.
أنا اسمي نورا.
ومن أربع سنين اتجوزت ياسين الهواري، واحد من أكبر رجال الأعمال في الصعيد.
الناس كلها كانت بتحسدني.
يقولوا: “يا بختها… عايشة في قصر، وراكبة أفخم العربيات.”
بس محدش كان يعرف إني كنت عايشة لوحدي، وجوزي وجوده في البيت بقى أغرب من غيابه.
كل شوية يقول:
ـ عندي شغل في القاهرة.
ومرة يقول:
ـ عندي صفقة في الغردقة.
ومرة:
ـ مسافر يومين وبرجع.
واليومين يبقوا أسبوع، والأسبوع يبقى شهر.
وأنا… كنت بصدق كل كلمة.
لحد ما ربنا كشفلي الحقيقة.
في ليلة كنت قاعدة مستنياه، موبايلي رن.
لقيت رسالة من رقم معرفوش.
فتحتها.
كانت صور.
ياسين واقف يضحك مع ست، وحاضنها.
وصورة تانية وهو ماسك إيد واحدة غيرها.
وصورة تالتة في فندق، والست لابسة العقد اللي هو جابهولي في عيد جوازنا.
فضلت أبص في الصور، وكل صورة كانت بتكسر حاجة جوايا.
كل سفريات الشغل…
كانت كدب.
وكان بيلف على ستات وهو سايب مراته لوحدها.
رجع بعدها بكام يوم.
دخل البيت كأنه داخل أوضة في فندق.
قال وهو بيخلع الجاكت:
ـ عاملة إيه يا نورا؟
حطيت الصور قدامه.
بصلها، ولا اتوتر، ولا حتى حاول ينكر.
رفع عينه وقال بمنتهى البرود:
ـ إنتِ ما بقيتيش كفاية ليا.
بصيتله وأنا ثابتة.
وقلت:
ـ ربنا يسامحك.
ومن يومها، مات جواه آخر ذرة حب كانت باقيالي.
بعد أسبوعين، بعتلي ورق الطلاق مع المحامي.
وقتها كنت في آخر حملي.
وهو ماكانش يعرف.
لأنه من شهور ما سألش عني، ولا حتى بص في وشي.
حماتي، الحاجة جليلة، بعتت تستدعيني.
أول ما دخلت، زقت قدامي عقد وقالت:
ـ امضي يا بت، وخدي شقة ومبلغ عدل، واحمدي ربنا إن ابني رضي يديكي حاجة.
فتحت الورق.
شقة.
وشوية فلوس.
وفي المقابل أتنازل عن أي حق ليا، وما أطالبش بحاجة في شركات الهواري.
ضحكت.
الحاجة جليلة كشت في وشها وقالت:
ـ بتضحكي على إيه؟
بصيتلها وقلت:
ـ إنتوا فاكرين إني البت الغلبانة اللي اتجوزت ابنكم عشان فلوسه.
لكن نسيتوا أنا مين.
أنا قبل ما أتجوز ياسين، كنت محامية، وبشتغل في أكبر مكتب محاماة في قنا.
وأبويا… هو الراجل اللي وقف جنب عيلة الهواري يوم كانوا على وشك يفلسوا.
ويومها، كتب بإيده بند في عقد الشراكة…
بند صغير.
بس قادر يقلب الدنيا كلها فوق دماغكم.
طلعت القلم من شنطتي.
الحاجة جليلة ابتسمت، فاكرة إني هوقّع.
لكن قفلت القلم تاني، وقمت من مكاني.
وقلت وأنا ببصلها في عينيها:
ـ قولي لابنك… الطلاق هيتم.
وسكت شوية، قبل ما أكمل بثقة:
ـ بس هيتم على طريقتي أنا… وساعتها هو اللي هيتمنى الزمن يرجع بيه لورا.
#حكايات_شروق_خالد
خرجت من الفيلا ورأسي مرفوع، وسيبت الحاجة جليلة واقفة مكانها، ملامحها متلخبطة، كأنها أول مرة حد يرفض أوامرها.
أول ما ركبت العربية، مسكت موبايلي واتصلت برقم واحد.
ـ أيوه يا بابا…
جالي صوته الهادي:
ـ وصلولك ورق الطلاق؟
ابتسمت وأنا ببص لسرير سيف اللي كان نايم جنبي.
ـ وصل… والمرحلة اللي كنا مستنيينها بدأت.
سكت ثواني، وقال:
ـ خلاص… يبقى وقت تنفيذ البند.
قفلت المكالمة، وحسيت لأول مرة من سنين إني بتنفس.
…
في نفس الوقت…
كان ياسين قاعد في مكتبه في شركة الهواري، ورجله فوق المكتب، وبيضحك مع صاحبه.
ـ خلصت منها أخيرًا… بكرة تمضي وتاخد قرشين وتمشي.
قبل ما صاحبه يرد، السكرتيرة خبطت ودخلت وهي وشها متوتر.
ـ يا فندم… في وفد من مكتب الأستاذ فؤاد الدمنهوري مستني حضرتك.
اتعدل في قعدته.
ـ فؤاد بنفسه؟
ـ أيوه يا فندم.
دخل أبويا، ومعاه تلات محامين.
رمى ملف سميك على المكتب.
ـ مساء الخير يا ياسين بيه.
ابتسم ياسين بسخرية.
ـ خير؟ جاي تزورنا؟
فتح أبويا الملف.
ـ لا… جاي أفكرك بحاجة كنت ناسيها.
طلع عقد قديم، الورق مصفر من الزمن.
ـ فاكر العقد ده؟
بص ياسين عليه، وهز كتفه.
ـ عقد الشراكة القديم.
قال أبويا بهدوء:
ـ اقرأ البند سبعة وتلاتين.
بدأ يقرأ.
وفجأة وشه اتغير.
قرأه مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وبعدين رفع عينه بسرعة.
ـ مستحيل!
أبويا ابتسم لأول مرة.
ـ لا… ده حقيقي.
البند كان واضح…
“في حالة ثبوت أي إخلال جسيم من أحد الشركاء يؤدي للإضرار بسمعة العائلة أو الشراكة، يحق للطرف الضامن إعادة تقييم نسب الملكية وإيقاف صلاحيات الإدارة لحين الفصل القانوني.”
ويوم توقيع العقد…
أبويا كان هو الطرف الضامن.
قال ياسين بعصبية:
ـ الكلام ده انتهى من سنين.
رد أبويا:
ـ لأ… لأن العقد اتجدد بنفس شروطه، وإنت مضيت بإيدك من غير ما تقراه.
في اللحظة دي، دخل المدير المالي الشركة وهو بيجري.
ـ يا فندم… البنوك جمدت جزء من التسهيلات المالية لحد ما النزاع القانوني يتحسم.
صرخ ياسين:
ـ إزاي؟
رد المدير:
ـ وصلهم إخطار رسمي من المحكمة.
فضل ياسين واقف مكانه، لأول مرة يحس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
…
في المساء…
كنت قاعدة في بيت أبويا، وسيف نايم في حضني.
جرس الباب رن.
الخادمة دخلت وقالت:
ـ ياسين بيه بره… وبيقول لازم يشوف حضرتك.
قلت بهدوء:
ـ خليه يدخل.
دخل، لكن المرة دي ماكانش نفس الراجل الواثق.
كان باين عليه السهر والتوتر.
وقف قدامي وقال:
ـ نورا… إحنا ممكن نتفاهم.
ابتسمت.
ـ نتفاهم؟ دلوقتي افتكرت إن في كلام؟
قال بسرعة:
ـ أنا مستعد أزود الفلوس… وأكتبلك فيلا كمان.
ضحكت ضحكة قصيرة.
ـ هو إنت لحد دلوقتي فاكر إن كل حاجة بتتشري بالفلوس؟
قرب خطوة وقال:
ـ طب قولي إنتِ عايزة إيه؟
بصيت في عينيه، وبعدها بصيت لسيف وهو نايم.
وقلت بكل هدوء:
ـ حقي… وحق ابني.
اتجمد مكانه.
ـ ابن؟!
رفعت سيف بين إيديا.
ـ أيوه… ابنك.
فتح عينيه بصدمة، ولسانه اتعقد.
ـ يعني… أنا… أنا عندي ابن؟
رديت ببرود:
ـ كان عندك فرصة تبقى أب… لكن إنت اخترت تبقى غريب.
حاول يقرب من سيف، لكني رجعت خطوة لورا.
ـ متلمسوش.
همس بصوت مكسور:
ـ ليه مخبيتيش عني؟
بصيتله بقوة.
ـ لأنك عمرك ما سألت… ولا مرة سألت حامل عايشة لوحدها أخبارها إيه.
سكت، وبدأ الندم يظهر على وشه لأول مرة.
لكن قبل ما ينطق، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها مأمور محكمة، ومعاه قوة تنفيذ.
دخل وهو ماسك ظرف جديد.
وبص لياسين وقال بصوت رسمي:
ـ ياسين الهواري… حضرتك مطلوب تنفيذًا لقرار المحكمة بالتحفظ المؤقت على جميع صلاحياتك الإدارية وأصول مرتبطة بالنزاع، ولازم تتفضل معانا لاستلام الإخطارات الرسمية.
بص ياسين لنورا، ثم لأبوه اللي كان واقف على السلم، وحس إن اللعبة اللي كان فاكر نفسه كسبها… لسه أولها.
حكايات شروق خالد