تخلوا عنهم ابنائهم

كانت روزا راميريز تحكم قبضتها على مقبض حقيبتها الحمراء كأن بقاء العالم متماسكا رهن بتلك الحركة الصغيرة. وأمامها مباشرة ثبت الموظف القضائي الختم على باب البيت الذي عاشت فيه ثلاثة وأربعين عاما. دوى صوت الشريط اللاصق كضړبة حاسمة لا رجعة فيها. لم تكن كلمة الحجز مكتوبة بخط عريض لكنها كانت محسوسة في الهواء وفي صمت الجيران الذين راقبوا من بعيد وفي شمس الخريف التي بدت عاجزة عن أن تدفئ شيئا.
إلى جانبها عدل أرماندو الحقيبة الزرقاء على كتفه وابتلع ريقه بصعوبة. كان في الحادية والسبعين من عمره وظهره قد حمل من قبل أكثر مما ينبغي محركات مفككة وصناديق أدوات وساعات طويلة في ورشة الميكانيك وها هو الآن يحمل عبئا آخر أثقل من جميعها خروجه بلا مفتاح وبلا سقف وبلا أحد ينتظره في نهاية الطريق.
قالت روزا بصوت مكسور كأن كل كلمة تنتزع من روحها قطعة من كبريائها
إلى أين سنذهب الآن يا أرماندو
نظر أرماندو إلى الشارع المرصوف بالحجارة في البلدة تلك الأحجار العتيقة التي كانت روزا تكنسها كل صباح في طريقها إلى الدكان والتي شهدت نشأة أبنائهما. حاول أن يخترع جوابا وجهة يقينا. لكنه لم يجد سوى إرهاق قديم.
لا أدري يا عزيزتي لم أعد أدري شيئا.
لم يكن الأقسى هو البنك ولا الرهن. الأقسى كان الأبناء.
فرناندو العمدة لم يخف ضيقه
دبرا أمركما بأنفسكما قالها كأن سنوات الحفاضات والحمى والمدرسة والتضحيات والليالي بلا نوم دين سدد وانتهى.
وبياتريس الابنة الوسطى كانت أبرد
لا أستطيع تحمل مسؤولية أخطائكما.
أما خافيير الأصغر فلم يجب أصلا. لا اتصال لا رسالة. فراغ كامل يؤلم أكثر من الصړاخ.
سارا بلا وجهة. جلسا على مقاعد الساحة يراقبان العائلات المارة أطفالا يركضون وأزواجا يحملون أكياس الخبز وأجدادا يمسكون بأيدي أحفادهم. كانت روزا ترى المشاهد كأنها فيلم بعيد وفي الوقت نفسه كانت تحترق من الداخل لأنها كانت تلك الأم يوما التي تركض إلى المستشفى إذا تعثر طفل وتبقى أسبوعا كاملا إلى جوار السرير حين لا تنخفض الحرارة وتعد النقود لشراء الدفاتر وتخيط الأزرار ليلا كي يذهب أبناؤها إلى المدرسة بمظهر لائق.
تمتمت من غير أن تنظر إلى أرماندو
أتتذكر حين كسر فرناندو ذراعه قضينا الليل كله في المستشفى.
أومأ أرماندو وعيناه رطبتان. كان يتذكر رائحة المطهر واليد الصغيرة التي تشد إصبعه وخوف الأب المخبأ خلف كلمات مطمئنة. ويتذكر أيضا إصابة بياتريس بالالتهاب الرئوي وكوابيس خافيير والمائدة التي كانت تمد دائما رغم قلة المال. لم يكن هناك ضړب ولا هجر ولا إهانات كان هناك عمل وصبر وحنان. ومع ذلك حين احتاجا يدا لم يجدا سوى باب موصد.
حين بدأ الغروب يلون الواجهات بالبرتقالي كانا قد بلغا أطراف البلدة حيث تقل البيوت وتستعيد الطبيعة مساحتها. شعرت روزا بارتجاف في ساقيها. أخذ أرماندو يفتش بعينيه عن ظل أو مكان يستريحان فيه دون أن يشعرهما العالم أنهما مزاحان جانبا.
هناك على تلك التلة قال لنصعد قليلا. لعلنا نجد مكانا نرتاح فيه.
كان الصعود قاسېا حجارة متفككة وشجيرات يابسة وتراب ينهار تحت الأقدام. كانت روزا تتكئ على ذراع أرماندو وكان أرماندو يتكئ على كبريائه ذلك الكبرياء العنيد الذي لا يريد لزوجته أن تراه يستسلم.
وقبيل بلوغ القمة أوقفت روزا خطاها فجأة. بين الشجيرات والصخور كأن الجبل يخفي سرا ظهرت هيئة لا تنتمي إلى المشهد قوس حجري وفي داخله باب خشبي اسود بفعل الزمن.
أرماندو انظر. هذا ليس بابا عاديا.
عدل أرماندو نظارته واقترب بحذر وفضول. كان الباب مغروسا في الصخر كأن أحدا
قرر منذ زمن بعيد أن هذا الموضع يستحق مدخلا. حاولت النباتات تغطيته لكنها لم تنجح تماما. سرت قشعريرة في جسد روزا ليست من برد بل من إحساس غريب بأنها عرفت المكان من قبل رغم يقينها بالعكس.
هل يسكن أحد هنا همست.
طرق أرماندو طرقا خفيفا. جاء الصوت غريبا عميقا كأن خلف الباب فراغا واسعا غرفا حياة. لم يجب أحد. حاول الدفع كان مغلقا. وبحركة شبه غريزية لاحظ حجرا بدا كأنه موضوع عن قصد. رفعه فإذا بمفتاح قديم صدئ يستقر تحته.
شدت روزا على ذراع أرماندو
لا أرماندو هذا سيدخلنا في متاعب.
نظر أرماندو إلى المفتاح ثم إلى يديهما الخاليتين وإلى الحقائب وإلى السماء التي أخذت تظلم.
أي متاعب أسوأ من المبيت في العراء قال بحزن هادئ ليلة واحدة فقط. وغدا نبحث عن أصحاب المكان ونشرح لهم.
لم تجب روزا وكان صمتها قبولا. وحين دار المفتاح في القفل بدا صرير الباب العميق كأنه يعلن أن خلف الخشب العتيق لا ينتظرهما مأوى فحسب بل حقيقة قادرة على تغيير كل شيء.
اندفع من الداخل هواء بارد يحمل رائحة رطوبة ممزوجة بعطر مفاجئ يشبه الخشب القديم والفواكه المجففة. دخلا على مهل يتحسسان الظلام. أشعل أرماندو قداحته الصغيرة التي اعتاد حملها ارتجفت الشعلة وأضاءت حجارة منحوتة وأرضية خشبية محفوظة ثم مساحة لا تشبه كهفا مرتجلا بل بيتا.
بيتا كاملا محفورا في الجبل.
حبست روزا أنفاسها. كانت هناك أرائك بالية لكنها متينة وطاولة ومطبخ بموقد حطب ورفوف مليئة بالمؤن وفي الخلف ظل غرفة نوم. كل شيء كان منظما أكثر مما ينبغي لمخبأ مهجور. والأغرب الطاولة معدة. صحنان كوبان وأدوات مائدة موضوعة بعناية كأن أحدهم قاطع عشاءه وقد يعود
في أي لحظة.
هذا هذا غير معقول همست روزا.
عثر أرماندو على فانوس زيت فوق طاولة وأشعله بحذر. أضاء الضوء الذهبي تفاصيل جعلت جلديهما يقشعر أغطية مطوية وحطب مقطوع ومخزن عامر. لم يكن البيت موجودا فحسب كان معتنى به بحب.
على طاولة المطبخ وجدت رسالة. ورقها مصفر وخطها رقيق. كتب في أعلاها إلى أبنائي الأحباء.
أمسكت روزا الورقة بيدين مرتجفتين وبدأت تقرأ بصوت خاڤت كأنها تخاطب نائما
أبنائي الأحباء إن كنتم تقرؤون هذا فقد وجدتم أخيرا طريق العودة إلى البيت.
شدت الكلمات حلقها. تحدثت عن امرأة تدعى سوليداد فارغاس وعن زوج اسمه ألبرتو وعن بيت شيد حجرا حجرا ليكون ملاذا حين صار العالم قاسېا. تحدثت عن حطب للشتاء ومؤونة عامرة وصندوق تحت السرير يحوي وثائق وادخارات. وتحدثت قبل كل شيء عن انتظار طويل عقود من الأمل بعودة أبناء لم يعودوا قط.
رفعت روزا رأسها والدموع تملأ عينيها
أرماندو هنا عاشت امرأة هجرها أبناؤها أيضا.
ابتلع أرماندو ريقه ونظر إلى المكان بخشوع كأن البيت محراب. وحين أنهت روزا القراءة ظلت جملة معلقة في الهواء
لا تشعروا بالذنب لأنكم تقيمون هنا. هذا المكان صنع بالحب ويجب أن يظل بيتا.
في تلك الليلة وللمرة الأولى منذ الإخلاء تناولا طعاما ساخنا. أشعل أرماندو الموقد وسخن حساء خضار من علبة. وغسلت روزا الأطباق في مغسلة لها ماء جار جلب من نبع قريب. وبينما كان الفانوس يحرك ظلالا على الجدران الحجرية تلاشى الخۏف واختلط بإحساس غريب بالطمأنينة كأن المكان كان ينتظرهما.
لكن روزا لم تنم. في العتمة كان اسم سوليداد ينخز ذاكرتها. لم تكن تعرف امرأة بهذا الاسم ومع ذلك كان الاسم يلامس قلبها كيد مألوفة.
أرماندو أشعر أنني كنت هنا من قبل.
سكت أرماندو لحظة ثم قال بلطف يخشى كسر الهشاشة
روزا ألم يخبرك والداك بالتبني يوما عن عائلتك

البيولوجية
اخترقت السؤال صدرها. كانت تعرف أنها متبناة منذ طفولتها ولا شيء أكثر. كلما سألت غير والداها الموضوع بتهذيب مربك
لم تكن أمك البيولوجية قادرة. لا شيء غير ذلك.
ولماذا تسأل قالت بحدة دفاعية.
لأن هذا البيت وهذه الرسائل وتلك الصورة التي وجدتها تردد هناك مصادفات كثيرة.
مع ضوء الصباح المتسلل من فتحة صغيرة في المنحدر قررا الاستكشاف بهدوء. في خزانة غرفة النوم وجدا ملابس نظيفة معلقة وفي القاع علبة أحذية تحوي صورا. التقطت روزا واحدة فتجمدت كانت المرأة المسنة في الصورة تحمل ملامح تشبهها حد المرآة المتقادمة.
أرماندو انظر.
قد تكون مصادفة حاول أن يقول لكن صوته لم يكن مقنعا.
تذكر الرسالة
تحت السرير في الغرفة الرئيسية صندوق يحوي وثائق مهمة.
حركا السرير. كان هناك صندوق قديم بقفل حديدي. رفعت روزا الغطاء وشعرت بانقطاع النفس. لم يكن ذهبا ولا جواهر بل ملفات وسجلات وصور ورسائل مربوطة بشرائط كلها مرتبة كأرشيف حياة.
فتح أرماندو ملفا كتب عليه سجلات. قرأ وثيقة ثم أخرى ثم تجمد
روزا انظري إلى هذا سوليداد فارغاس دي راميريز.
شعرت روزا بضړبة في صدرها. وفي ملف آخر بعنوان وثائق الأبناء كانت ثلاث شهادات ميلاد أصلية وثلاث وثائق تبن طفلة وطفلان تواريخ 1958 و و.
أمسكت روزا بالوثيقة الأولى فمال العالم
روزا ماريا راميريز مولودة في الخامس عشر من مارس 1958.
كان تاريخها. اسمها. واسم الأم سوليداد فارغاس دي راميريز.
أطلقت روزا صوتا لا هو كلمة ولا بكاء
أرماندو أنا هي.
احتضنها أرماندو وهي ټنهار مرتجفة كأن عمرا كاملا تراكم في جسدها. أربعون عاما من الأسئلة من الشك في كونها محبوبة أو متروكة. وإذا بالحقيقة تظهر كانت أمها البيولوجية موجودة ولم تكن موجودة فحسب بل بنت بيتا سريا تطل به على حياة روزا وتنتظر في صمت.
في الصندوق رسالة طويلة بعنوان تاريخ العائلة. قرأها أرماندو بصوت عال لأن روزا لم تستطع الإمساك بالورق دون أن تبلله دموعها. روت سوليداد سنوات الجفاف والجوع والبطالة وألم عدم توفر الحليب لثلاثة أطفال. روت زيارة الأخصائي الاجتماعي وعرض التبني. روت القرار الأقسى والأكثر حبا أن تسلم أبناءها ليعيشوا ليكون لهم مستقبل. وذكرت شرطا واحدا أن تبقى في المدينة نفسها لتراهم يكبرون من بعيد بلا تدخل احتراما للاتفاق.
تدفقت إلى ذاكرة روزا ومضات امرأة تجلس في آخر القاعة في حفلات المدرسة ابتسامة تتكرر في الكنيسة متبرعة مجهولة دفعت جزءا من رسوم دراستها. أشياء بدت مصادفات في الطفولة وصارت الآن قطعا مكتملة.
كشفت الرسالة أمرا آخر كانت سوليداد قد رأت أزمة روزا الأخيرة وشهدت الإخلاء ورأت الأبناء يديرون ظهورهم فتركت دلائل تقودها إلى البيت حين تكون في أشد الحاجة. لم يكن شيء مصادفة.
تنفست روزا بعمق لأول مرة منذ سنوات
أمي كانت تحبني كانت تحبني دائما.
أمضيا أياما في البيت يقرآن الرسائل وېلمسان الأشياء ويشعران بأن شيئا نائما يستيقظ في روزا. وفي غرفة خفية خلف رفوف عثرا على أرشيف سري قصاصات صحف وصور الأبناء الثلاثة ووثائق وثلاثة صناديق صغيرة بأسماء. في صندوق روزا كانت دمية قماشية. أمسكتها روزا وتعرفت إليها دون أن تدري كيف كأن الجسد تذكر قبل العقل.
ثم وجدا يوميات كشفت أن روزا لم تسلم للتبني رضيعة بل في سن عامين ونصف. قرأت السطر فانكسر قلبها انكسارا مختلفا لذلك بدا البيت مألوفا ولذلك جاءت الأحلام ولذلك كان إحساس البيت.
احتواها أرماندو بصمت فالحب أحيانا لا يحتاج كلمات.
جاء الدور على
الإخوة. تركت سوليداد عناوين وأرقاما. ترددت روزا كانت تخشى الرفض وقد ذاقته من قبل. لكنها أدركت أمرا جديدا العائلة قد تتأخر
لكنها قد تأتي حين نقرر البحث. اتصلت بالأول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *