اخويا

الصفحة السابقة انت في الصفحة 1 من 6 صفحات الصفحة التالية
علي نغمات و صوت كارم محمود و أغنية «مـ,ـرحب شهر الصوم »، و روائح و نفحات رمضان تـ,ـجول في شوارع المحروسة و الحـ,ـواري، و مـ,ـتاجر الفوانيس و ياميش رمـ,ـضان… و هنا بداخل إحدي الأحياء الشعبية الشهيرة في محافظة الجيزة، حي إمبابة الشهير، و بأعلي ذلك البناء القديم حيث يحلق أعلاه سرب من الحمام الزاجل يقوم هذا الشاب مـ,ـتوسط القامة بالصـ,ـفير و التلويح بعلم كـ,ـبير، أمتدت إيدي ذات ملمس ناعم و رائحة ذكية فوق عينيه، أبتسم و قال: -قال يعني لما تغمي عيـ,ـنيا مش هاعرفك.
أبعدت كفيها عن عينيه و لكزته في كتفه قائلة: -أنت رخم أوي علي فكرة.
Robert De Niro
ألتفت إليها و أخبرها بنبرة تلعب علي أوتار فؤادها المُغرم به حتي النخاع: -و أنتي حلوة و جميلة أوي يا ليلة.
ظل يحدق في عينيها مبتسماً و بداخله يريد أن يعانقها و يحلق بها مثل هذا السرب المحلق في السماء ، شعرت بالخجل من نظرته الـ,ـثاقبة تلك فتهربت و قالت: -شوفت بقي نستني اللي كنت جاية لك عشانه.
أخرجت من حقيبتها ورقة رفعتها أمام عينيه و بكل سعادة أخبرته: -أولاً أنا جيت لك عشـ,ـان أقولك كل سنة و أنت طـ,ــ,ـيب بما أنه أول يوم رمضان بكرة و كمان عشان أنا جبت ٩٠٪.
شبه إبتـ,ـسامة ظهرت علي شفاه قائلاً بإقـ,ـتضاب: -مبروك.
أدخلت الشهادة إلي حـ,ـقيبتها و سألته و القلق و التوتر يداهمان قلبها من ردة فعله التي لم تكن تتوقعها: – مالك مش مبسوط ليه، حساك زعلان؟
ولي ظهره إليها و أغترف بيده حبات القمح من الكيس البلاستيكي مُجيباً علي سؤالها: -مين قال كده،أنا فرحان ليكي بس..
صمت فوجدها تقف أمامه مباشرة تمسك بساعده و تسأله بترقب: – بس أي؟
أطلق تنهيدة من أعماقه ثم أخبرها: -خايف من أخوكي ليرفض جوازنا عشان فرق التعليم اللي ما بينا.
قطبت حاجبيها قائلة: -دي حاجة تخصني أنا هو مالهوش دعوة.
– و لما يرفضني زي المرة اللي فاتت و يسمعني كلمتين مالهمش لازمة!
داهم الحزن ملامح وجهها عندما تذكرت ذلك اليوم الأسود عندما تقدم عمار لخطبتها و قام شقيقها برفضه بحُجة إنه ليس يمتلك عمل مُستقر و لم يمتلك سُبل المعيشة البسيطة ليعطي إليه شقيقته.
ردت علي حديثه و هي تمسك بيده لتطمئنه: -ما تقلقش أنا الحمدلله خلصت من الثانوية العامة و هادخل الجامعة، و عقبال ماتفتح الدراسة هاشوف أي شغلانة و أهو قرش مني علي قرش منك يبقي معاك حق الشبكة و جمعية ورا التانية نقدر نجيب العفش.
زادت كلماتها أوجاعه، زفر بضيق و قلة حيلة، أخبرها بحدة: – و فكرك بقي أنا هوافق علي حاجة زي كده!
صاحت بنفاذ صبر و من فرط خناق شقيقها الذي يفرضه عليها: – هو مفيش غير كدة، عمار أنا بحبك و بحلم باليوم اللي هابقي معاك فيه و لينا بيت و حياتنا الخاصة، نفسي أصحي علي صوتك مش زعيق أخويا و خناقه يا إما معايا يا إما مع مراته،أنا تعبت و مابقتش قادرة أستحمل.
و مع أخر جملة داهمها البكاء، فأطلقت لدموعها العنان، أقترب منها و كاد يعانقها أوقفه رنين هاتفها، أنتفضت و أخرجت الهاتف من حقيبتها، أتسعت عينيها بفزع عندما رأت إسم زوجة شقيقها فأدركت سبب الإتصال.
ــــــــــــــــــ
و في البناء المقابل تقف تلك السيدة ذات الثلاثة و الثلاثون عاماً و إمارات الـ,ـخوف تغزو ملامحها لاسيما بعدما سمعت صوت زوجها الذي ولج للتو من الباب مُنادياً عليها بصوته الأجش المُخيف: -هدي ، يا هدي.
ألقت نظرة أخيرة علي شاشة هاتفها و تمتمت بصوت خافت: – يخربيتك يا ليلة لو عرف أنك خرجتي و مارجعتيش لحد دلوقت هيقـ,ـتلني و هيقـ,ـتلك.
-بت يا ليلة. تركت هاتفها علي القطعة الرخامية و خرجت إليه تبتسم له بتصنع: -أنت جيت يا سي حـ,ـبشي، أنا أفتكرتك هتيجي بالليل.
جلس علي أقرب كرسي و قام بخلع حذائه المتسخ قائلاً: -لا أنا قفلت الورشة بدري النهاردة،أصل الولاه صامولة جدته تعيشي أنتي.
عقبت بقليل من الحزن: -لا حول ولا قوة إلا بالله ده أنا لسه شـ,ـيفاها ديك الـنـ,ـهار كانت فرشة الفجل و الجرجير.
عاد بظهره إلي الوراء بأريحية: -عمرها كده بقي ربنا يرحمها، أومال فين البت لـ,ـيلة لسه ماصحيتش؟
تجنبت النظر إليه حتي لا يكشف كذبها قائلة: – شكلها نايمة أصلها كانت شغاله معايا في الشقة بنحضر لرمضان بقي و كده،كل سنة و أنت طيب.
و بعدما أنتهت من إجابتها نظرت إليه لتتأكد من إقتناعه، فوجدته يرمقها بنظرة أخري و سألها: -هم العيال لـ,ـسه مارجـ,ـعوش من عند أمـ,ـك؟
هزت رأسها بإيجاب: -اه، أصل أختي رجـ,ـعت من السفر و أنت عارف العيال بيحبو خالتهم قولت أسيبهم لها و هابقي أروح أشـ,ـوفها و أخد العيال و أنا راجعة.
نهض و أقـ,ـترب منها و عينيه تنضح بنظرات جـ,ـريئة سافرة، سألته بإرتباك: -فيه حاجة يا سي حبشي؟
جذبها من خصرها و أخبرها: -فيه إنك وحشتيني.
قطبت حاجبيها و سألته بعدم فهم كالبلهاء: -وحـ,ـشتك إزاي يعني ما أحنا في خـ,ـلقة بعض كل يوم.
هزها بين ذراعيه و عينيه تنضح بنظرة إشتهاء: -ما تفهمي بقي يا أم مخ تخين، بقولك وحشتيني، و بكرة رمضان.
عقدت حاجبيها بضيق ثم رمقته بنفور و إشمئزاز قائلة: -ريحتك كلها شحم و جاز.
تركها و قام بأستنشاق ثيابه: -عندك حق،كان عندي شغل كتير إمبارح و نسيت أجيب لك الهدوم تغسليهم، عشر دقايق هادخل أخد دش و أرجع لك فُلة.
و بعدما دلف إلي المرحاض، ركضت الأخري إلي باب المنزل تسترق السمع إلي خطوات تلك القادمة، صوت المفتاح في قفل الباب، سبقتها هي و قامت بفتحه، شهقت ليلة عندما وجدتها في وجهها: -خضتيني يا هدي حرام عليكي.
جذبتها الأخري إلي الداخل و أغلقت الباب بهدوء حتي لايصدر صوتاً يصل إلي زوجها، دفعتها إلي غرفتها لتوبخها: -أخص عليكي يا ليلة ،هي دي النص ساعة و جاية!
-هو جه؟ سألـ,ـتها بـ,ـخوف بعدما نظرت نحو الـ,ـخارج و سمعت صوت إنهمار صنبور المياه في المرحاض، أجابت الأخري: -اه جه و سألني عليكي، قولت له أنتي نايمة، خليكي هنا بقي لحد ما أخلص الغدا، ألا قوليلي صح عمـ,ـلتي أي؟
أخرجت الشـ,ـهادة من حـ,ـقيبتها و قالت بشبه إبتسامة: -أتفضلي.
رددت و هي تنظر إلي النسبة المئوية: -بسم الله ماشاء الله، كده تقدري تدخلي الكلية اللي نفسك فيها.
جـ,ـلست علي حافة الفراش و أخبرتها بسأم: -تفتكري حبشي هيخليني أدخل الكلية بعد ما حلف عليا ما هاخرج من البيت!
ربتت عليها بمواساة و قالت: -معلش ده شـ,ـيطان و دخل ما بينكم، هو بيحبك و خاف عليكي لما طلعتي الرحلة من غير ما تقولي له.
عقبت بحزن و بنبرة مليئة بالشجن: -يعني هو سكت، ده فرج عليا أصحابي و الناس و جرني زي العيلة الصغيرة في الشارع و جابني علي هنا و دور عليا الضـ,ـرب لولاكي كان زمانك بتقرأي عليا الفاتحة.
أطلقت الأخري تنهيدة لا تعلم بماذا تواسـ,ـيها أو تخفف عنها آلامها، تدرك مدي قسوة زوجها علي شقيقته لاسيما بعد وفاة أبويهما نتيجة حادث سير و كانت ليلة في العاشرة آنذاك، تولي بعدها حبشي تربية شقيقته و هو في العشرين عاماً و رفض تدخل أو مساعدة أحد من الأقارب، لكن كلما كبرت زادت قسوته و طغيانه عليها، و فوق كل هذا لديه أسوأ الخصال و هو البخل!
ــــــــــــــــــــــ
و في إحدي الأبنية القريبة ولجت تلك الـ,ـمرأة ذات الوجه العابس و المتجهم،تغزو تحمل الكثير من الأكياس البلاستيكية المليئة بالخضروات و الفاكهة، تتمتم بصوت غاضب: -لسه نايمة لي لحد الضهر يا ست عايدة والله عال ما هو لو اللي معاكي ليه كلمة عليكي مكنش بقي ده حالك.
و بداخل إحدي غرف الشقة تتقلب عايدة بتأفف و تلكز زوجها: -أصحي يا جلال و أخرج لأمـ,ـك بدل ما أنا ما أخرج لها و أنت تزعل في الأخر و تقولي أمي.
زمجر الأخر و يزيح يدها عنه: -أخرج لها شوفيها عايزة أي، أنا عايز أنام و مش ناقص صداع.
-هو ده كل اللي ربنا قدرك عـ,ـليه، نام يا أخويا نام ده اللي باخده منك و بس.
أزاحت الدثار بتأفف و نهضت، ذهبت لإرتداء عباءة محتشمة فوق منامتها القطنية، و ألقت علي رأسها وشاحاً ثم خرجت ترفع زواية فمها جانباً، فقالت لها حماتها بسخرية: -صباحية مباركة يا عروسة، نقش الحنة لسه علي رجلك!
رفعت إحدي حاجبيها بإمتعاض: -و ليه المسخرة اللي مالهاش لازمة دي علي الصبح،أنا فضلت سـ,ـهرانة لحد ما إبنك رجع الفجر من الشغل.
ألقت ما بيدها فوق المنضدة و قالت: -تعالي خدي الحاجة دي و أبدأي جـ,ـهزي في حاجة فطار بكرة ، و خـ,ـدي بالك معتصم كلمني الصبح و زمانه علي وصـ,ـول يعني عايزه كل يوم الأكل اللي بـ,ـيحبه مش اللي علي مزاجكك أنتِ و جوزك.
إبتسامة عارمة دبت علي شفتيها: -هو خد الأجازة و لا أي؟
جلست علي الأريكة ذات الطراز القديم و خلعت و شاحها، أجابت: -واخد أجازة شهرين بالعافية،يا دوب ألحق اشوف له عروسة بدل ما العمر يجري بيه نفسي أفرح بعياله قبل ما أمـ,ـوت.
كانت الأخري تجترع الماء فأصابها السعال، و عندما بدأت تهدأ قالت: -و مستعجلة عليه ليه، قصدي و هي العروسة دي هانلاقيها فين بالسرعة دي!
-الـ,ـبنات علي قـ,ـفا من يشيل ياخـ,ـتي، و معتصم إبـ,ـني جدع زي القمر طول بعرض و كسيب و لو شاور بصباعه بس كل البـ,ـنات هيقولو له أمرك.
و كأنها أنتبهت إلي شئ فأردفت بصياح: -أنتي لسه هاترغي معايا روحي يلا أعملي اللي قولت لك عليه و أنا هادخل أصلي الضهر و أجي أحصلك.
ـــــــــــــــــــــ يتجمع كلا من حبشي و ليلة و هدي حول مائدة الطعام المستديرة، كان الأخر يأكل بنهم ثم يجترع القليل من الماء و يمسح علي شاربه الكث، ينظر إلي شقيقته الشاردة في صحنها التي لم تتناول مـ,ـنه ملعقة واحدة، سألها: -مابتاكليش ليه؟
أنـ,ـتبهت إلي سؤاله، و قبل أن تجيب وجدت زوجة أخيها ترمقها بنظرة و كأنها تخبرها بأن عليها الحذر في حديثها معه حتي لا تسبر أغواره. أجابت بهدوء بالغ: -أنا جبت ٩٠٪.
ما زال يأكل و علي غرار توقعها كان مُبتسماً و أفحمها بتعقيبه علي كلماتها: -و أنا أعملك أي ما تجيبي ٩٠ و لا ١٠٠٪ حتي، أنا كده كده حالف عليكي ما هاتكملي تعليمك و كفاية عليكي الثانوية العامة عشان تبقي تقرطسيني تاني و تطلعي رحلات من ورايا.
تركت الملعقة و نهضت قائلة: -و الله دي حياتي و أنا حـ,ـرة فيها، أنت مجرد واصي عليا في الميراث آه، لكن حياتي الشخصية لاء.
شـ,ـهقت زوجته و ضـ,ـربت بكفها علي صـ,ـدرها، جحظت عينيها ترمق الأخري بأن تتراجع عن قولها قبل أن يفتك بها، و ما لبث سوي لحظات حتي تردد صدي صرخات ليلة و شقيقها يجذبها من خصلاتها: -سمعيني تاني كده يا روح أخوكي اللي قولتيه من شوية، أصـ,ـل سـ,ـمعي تقيل أو الـ,ـظاهر العلقة بـ,ـتاعت المرة اللي فاتت مكنتش كـ,ـفاية.
أنهال عليها بلطمة تلو الأخري و صفعات، صرخت زوجته: – أبوس إيدك يا حـ,ـبشي سـ,ـيبها لتمـ,ـوت في إيدك هي مكـ,ـنتش تقصد.
زجرها بنظرة نارية أرعبتها و قام بتهديدها: -عليا الطلاق كلمة تاني لتكوني عند أمك، ملـ,ـكيش دعوة أخـ,ـتي و بربـ,ـيها.
ظلت ليلة تصرخ من ضـ,ـربه المُبرح لها و جذبه لخصلاتها التي أقتلع البعض منها بين أنامله حتي أنقذها صوت رنين جـ,ـرس الـ,ـمنزل، توقف عن عنفه و دفعها إلي غرفتها يأمرها من بين أسنانه: -غوري علي جوة و ما أسمعش ليكي نفس لحد ما أرجع لك.
ذهب ليري من الزائر، فتح الباب وجد طفل صغير من إحدي أطفال الحارة يخبره: -أسطي حـ,ـبشي، فيه جماعة واقفين قدام الورشة بيـ,ـسألو عليك.
قطب حاجـ,ـبيه بإسـ,ـتفهام قائلاً: -ياتري يطلعو مين دول كمان، ما هو يوم باين من أوله؟
و بعدما غادر، ذهـ,ـبت زوجـ,ـته لمواساة تلك الـ,ـمسكينة الباكية، تربت عليها بحنان: -معلش يا ليلة حقك عليا أنا، أخوكي و الله بيحبك بس إيديه سابقة دماغه.
رمقتها الأخري بسخط و أعين غارقة بالدموع، صاحت في وجهها: -حب أي ده اللي يخليه كل شويه يضـ,ـربني و يذل فيا!
أثرت هدي الصمت لاتملك حق الدفاع عن زوجـ,ـها الآثم، طالما توسلت إليه بعدم التعرض لشقيقته بهذا الأسلوب المؤذي فما كان من الأخر سوي التهديد و الوعيد إذا لم تكف عن رشده.
ـــــــــــــــــ
و هنا في إحدي المطاعم المزدحمة حيث يعمل عمار علي توصيل الطلبات المنزلية عبر الدراجة النارية، نزل من أعلاها للتو بعدما أوقف المُحرك، أخرج ما لديه من النقود و ذهب إلي مسئول الحسابات. -أتفضل يا عم حسن فلوس العشر أوردرات.
حدقه الرجل بنظرة أثارت قـ,ـلقه و جعلته مرتبكاً لا سيما عندما سأله: -عشر أوردرات مش ١٣ يعني!
أبتلع الأخر ريقه بتوتر بدي علي ملامحه فأجاب بصوت يكاد يكون مسموعاً: -أه عـ,ـشرة.
رفع الرجل زواية فمه جانباً ببـ,ـسمة سـ,ـاخرة و قام بالـ,ـنقر علي لوحة الـ,ـمفاتيح التي أمامه ثم قام بتوجيه شاشة الحاسوب أمام محمود التي جحظت عينيه عندما رأي نفسه في تسجيل الكاميرات و هو يستلم الطلبات و بالفعل أعدادهم أكثر من عشرة، أجترع لعابه و نظر بتوجس إلي مديره الذي يرمقه بتجهم: -بص، أنا أديتلك فرصتين قبل كده و قولت لنفسي خلاص يا حسن سامحه يمكن كان معذور في قرشين عـ,ـشان كدة عمل الحركة دي، و سامحتك مرة و التانية يمكن تتوب، لكن لما لاقيته داء فيك و فاكرني مغفل و ماتعرفش إن دبة النملة هنا بتكون بعلمي، يبقي كده خلاص ملكش عندي أكل عيش.
و بدلاً من أن يطالب العفو و السماح من رب عمله قام بخلع القميص المدون عليه شعار و إسم المطعم و صاح بكل تبجح: -أنت هتذلني يا عم، خدي قميصكم العرة أهو، أومـ,ـال لو كنت بـ,ـتقبضني مرتب عدل زي باقي الناس كنت عملت فيا أي.
ثـ,ـارت أغوار الرجل فقام بمهاجمته: -يعني حرامي و بـ,ـجح و كمان مش عاجـ,ـبك، ألف و نص في الشهر مش عاجـ,ـبينك غير التيبس اللي بتطلع بيه من الـ,ـزباين.
لم يتحمل توبيخ الرجل له فقام بدفعه و كاد يضـ,ـربه لكن قام العاملون بالمكان بمنعه، أخذ يتملص من قبضاتهم لكنه فشل.
و في الحارة كانت تجلس خلف النافذة تنظر عبر فتحات الخشب إلي الخارج بأعين بها آثار البكاء، تقوم بإجراء إتصال أكثر من مرة و لم تتلق أي إجابة مـ,ـنه، تريد أن تخبره كما تـ,ـطوق أن ينقذها من ظلم شقيقها، لم تعد تتحمل أكثر من ذلك فهي تحبه و لا تريد العيش سوي معه، فمنذ أن جاء هنا و سكن في هذا البناء منذ سنوات،لم تكن تعلم عنه شئ سوي إنه شاب مُغترب من محافظة الدقهلية و جاء هنا للعمل و يعود إلي بلده من حين لأخر حتي أخبرها بأن والدته توفت و أشقائه الثلاثة لكل منهم حياته .
هناك صوت المسحراتي الجهوري و هو ينادي علي أطـ,ـفال الـ,ـحارة بينما هي كانت تنتظر عمار، فأنتبهت إلي صوت دراجته حيث توقف أمام الـ,ـبناء المقابل، لاحظت عدم إرتدائه لزي عمله كما أن ثيابه غير مهندمة، يبدو إنه تشاجر مع أحدهم. نهضت بهدوء و ألـ,ـتقطت وشاحاً أرتدته علي عجالة و ذهبت لتطمئن بأن شقيقها و زوجته كلاهما يغطان في النوم و دون أي جهد للسير إلي غرفـ,ـتهما كان صوت شـ,ـخير شقـ,ـيقها يصل إلي أذنها، تـ,ـنفست الصعداء. تسللت من النافذة و تتلفت من حولها لمراقبة الأجواء و حتي لا يكتشف أمرها، ولجت إلي البناء و صعدت خلفه علي أطراف أناملها، و حينما وصلت إلي السطح وجدت يد تجذبها بعنف و تدفعها إلي الجدار!
#الفصل_الثاني #ما_بين_الحب_والحرمان #بقلم_ولاء_رفعت_علي
تسللت من النافذة و تتلفت من حولها لمراقبة الأجواء و حتي لا يكتشف أمرها، ولجت إلي البناء و صعدت خلفه علي أطراف أناملها، و حينما وصلت إلي السطح وجدت يد تجذبها بعنف و تدفعها إلي الجدار!
شهقت بفزع و أخذت تلتقط أنفاسها و تردد بعض الأدعية حتي هدأت عندما أطمئنت إنه عمار و علي وجهه علامات الـ,ـغضب يسألها: – أي اللي منزلك الشارع في الوقت المتأخر ده؟
ردت بخوف و علامات الذعر علي وجهها: -كنت جاية أطمن عليك لما لاقيتك ما بتردش.
أبعد يده عن تلابيب عـ,ـبائتها و أطلق زفرة نافرة فهذا ما كان ينقصه في تلك الحالة التي يمر بها. -مـ,ـكنتش بترد ليه؟
أجاب بتأفف: -كنت في الـ,ـشغل.
ألقت نظرة علي ثيابه و مظهره الـ,ـمُزري فسألته مرة أخري: – و أي اللي عمل فيك كده؟
جلس علي أقرب مقعد خشبي بالي و أجاب بسأم: – أتخانقت و سبت الشغل.
غـ,ـرت فاهها بصدمة ثم قالت: – أنت لحقت ده أنت لسه مـ,ـكملتش شهرين!
رمقها من طرف عينيه و عقب علي كلماتها: -نصيبي كده أعمل أي يعني أبوس أيديهم و أتذل عشان أفضل أشتغل مـ,ـعاهم!
أقـ,ـتربت منه و جذبت مقعد شبيه للجالس فوقه و جلست عليه بجواره قائلة: -أنا ماقولتش كده، أنا قصدي يعني أي شغل فيه مشاكل و قرف و أنت مـ,ـحتاج لكل قرش عشان الشبكة و العفش و تشوف أوضة وصالة إيجار جديد .
إبـ,ـتسم بتهكم و قال: – شبكة و عفش و شقة إيجار، عايـ,ـزاني أشتـ,ـغلك حرامي!
ضيقت ما بين حاجـ,ـبيها و تضايقت من حديثه الساخر: – و هو كل اللي بـ,ـيتجوز كده بيشتغل حـ,ـرامي!
– لاء، بس اللي ما بيشوفش من الغربال يبقي أعمي. أمسكت يده و بعينين مليئة بالرجاء و بنبرة توسل أخبرته: – عمار أنا بحبك و مش عايزة حاجة تفرقنا حتي لو كان أخويا، أنا هستناك مهما حصل، بس زي ما هاستحمل و أصبر و أجي علي نفسي لازم أنت كمان تعمل كده، عشان هو ده الحب، الحب تضحية عشان تسعد اللي بتحبه.
ما زالت ضحكة السخرية علي ثغره و قال: – كلام أفلام كانو بـ,ـيضحكو علينا بيه، الواقع بيقول عـ,ـكس كده فيه فلوس يبقي فيه حب، مفيش فلوس، يبقي مفيش حب و لا كلام الأغاني اللي كنا بنصبر بيه نفسنا و نفضل عايشين في وهم.
نـ,ـهض و وقف أمامها و نظر نحوها من موضعه و أردف: -تقدري تقولي لي لو جيت تاني لأخـ,ـوكي و أقول له طالب إيد أختك عشان بحبها و أصبر عليا عـ,ـقبال ما أكون نفسي تفتكري هيرضي!، و لا هايصرف علينا أنا و أنتي!
نهضت لتقف أمامه و بداخلها قد سأمت حالته الإنـ,ـهزامية تلك، فبرغم حبها له لكن تمقت سلبيته المُفرطة و حالة اليأس المسيطرة عليه بالكامل: -طول ما أنت إنسان سلبي و شايف كل حاجة سـ,ـودة قدامك عمرك ما هاتتقدم خطوة واحدة، ماتنساش وعدك ليا و أنت بتعترف لي بحُبك و أنك هاتعمل المستحيل عشان أكون ليك، بس الظاهر كان كله كلام في كلام.
– أعتبريه وعد حين ميسرة. رمقته من أعلي لأسـ,ـفل بإزدراء و تذكرت كل ما تحملته من معاملة شقيقها السوء لها و ها هو الآن الإنسان الذي أحبته يـ,ـتخلي بإستسلام بائس عـ,ـنها،فقالت بغضب: -لاء و أنت الصادق الوعد ده للرجالة بس و اللي شـ,ـايفاه قدامي مش راجل.
تلقت صفعة قوية صاحبها صياحه بغضب: – أنا راجل غصب عنك.
رمقته بصدمة غير مُصدقة ما فعله بها للتو،و كأن بداخلها بركان قد أندلع و أطلق حممه الحارقة: -لاء مش راجل، و لا أخويا راجل عشان مفيش راجل يمد أيده علي واحدة بنت أضعف منه، هقولك علي حاجة أنا بقي اللي مش عايزاك و لو جيت بوست أيدي عشان أسامحك هقولك مليون لاء.
دفعته من أمامها و عادت إلي مـ,ـنزلها باكية ضائـ,ـعة، شريدة القلب.
ــــــــــــــــــــــ تتعالي أصوات التواشيح التي تسبق آذان الفجر و هناك أعين نائمة و أخري يجافيها النوم، و هناك في إنتظار إحدهم علي أحر من الجمر. نهضت بتأفف من جوار زوجها الذي لا يجيد في حياته شيئاً سوي النوم، وقفت أمام المرآة تنظر لصورة إنعاكـ,ـسها، تتأمل قدها الممشوق و المهمل من هذا النائم، و لما لا فقد أخذت علي نفسها عهداً بأنه لم يستسلم هذا الجسد بإرادتها سوي من سلب قلبها منذ سنين، و زواجها من جلال لأنها تريد القرب من حبيب القلب و الذي أختطف لُبها، أفتنها شيطانها الغاوي و سيجعلها تخرج في بئر من الوحل كلما إستسلمت لأهوائها كلما كان طريق التراجع صار درباً من دروب المستحيل.
أنتفضت عندما سمعت صوت باب الـ,ـشقة، قطبت حاجـ,ـبيها و ذهبت لتوقظ زوجـ,ـها: -ألحق يا جلال فيه حد بيفتح باب الـ,ـشقة، قوم شوف لـ,ـيكون حـ,ـرامي.
هز كتفه و يغمض عينيه قائلاً: -هتلاقيها أمي قامت تصلي الفجر و بتقفل باب الشقة، ما أنتي عارفها موسوسه.
أشاحت بيدها له و قالت: -أمك زمانها في سابع نومة، فضلت مستنية أخوك لحد ما نامـ…. صمتت و هي تتذكر أمر ما ذكرته الآن، نهضت و أرتدت مأزرها و ألقت بوشاح فوق رأسها، و بمجرد خروجها أنتفضت عندما رأته يقف في منتصف الردهة، يكشف ذلك الضوء المنبعث من المطبخ نصف وجهه، تفوهت باللهفة و إشتياق: -معتصم!
– أزيك يا مرات أخويا عاملة أي؟ و ها هو يذكرها بأكثر شئ تمقته و تريد نسيانه، أقتربت منه و بإبتسامة تشق ثغرها من الأذن للأذن الأخري: – بخير، حمدالله علي السلامة.
جلس علي أقرب كـ,ـرسي له و أجاب: -الله يسلمك، معلش بقي المفروض كنت جيت من ساعات بس حصل شوية حاجات كدة هي اللي أخرتني و عديت علي مطعم في طريقي أتسحرت فيه، كل سنة و أنتم طيبين.
نظر من حوله ثم سألها: -هو جلال لـ,ـسه نايم؟
هزت رأسها بالإيجاب: -اه، ما أنت عارف أخوك قدامه للضهر عقبال ما يصحي، شكلك طبعاً عايز تنام، أنا مجهزه لك أوضتك و مروقها لك بنفسي و مخليها لك بتلمع.
– تسلم إيدك، أنا فعلاً كل اللي محتاجه دلوقت أريح و أنام. نهض و كاد يتحرك نحو غرفته أمـ,ـسكت يده و سألته: -رايح فين؟
رمقها بتعجب من سؤالها و من ما فعلته، نظر نحو يدها الـ,ـتي تمسك بيده، و حـ,ـين أدركـ,ـت خـ,ـطأ ما فعلته و قرأت ذلك في عينيه أبعدت يدها و أبتلعت ريقها: -قصدي يعني مش هتصلي الفجر؟
– داخـ,ـل أتوضأ و بعد ما هـ,ـيأذن هصلي، أدخلي صلي أنتِ كمان خلي ربنا يهديكِ.
تركها و ولج إلي غرفته و وصد الباب عمداً كرسالة إليها لـ,ـعلها تدركها!
الصفحة السابقة انت في الصفحة 3 من 6 صفحات الصفحة التالية
ضحكت الأخري علي أسلوب ليلة الساخر و تقليدها لزوجة خالها: -يخرب فقرك ، هي فعلاً بتعمل كده، دي وليه حيزبون ربنا يهدها البعيدة.
– أنا ماشي و ماتنسيش اللي قولتلك عليه. صاح بها حبشي بصوته الغليظ و الجهوري، فصرخت الاخري: – ما قولنا الأنبوبة شطبت عمال أهز فيها زي إزازة الحاجة الساقعة و يا دوب شعلتها سهراية.
أشاحت ليلة بيدها و قالت: – ياختي بلا هم، أمـ,ـوت و اعرف أنتي أتجوزتيه ليه، مش هو أخويا بس و ربنا لو جالي واحد زيه عندي أقطع شراييني و لا أتجوزو.
أخبرتها هدي: – النصيب يا ليلة، النصيب و القلب اللي بيدق من غير ما ياخد رأيك.
كادت الأخري تعقب علي كلماتها لكن صوت رنين هاتفها صـ,ـدح من الغرفة، جففت يديها بمنشفة المطبخ و قالت: – شكلها البت سلمي صاحبتي عايزة تتطمن عملت أي، منك لله يا حبشي يا لي موقفي لي حالي.
ذهبت و أمسكت بهاتفها، أنتفض قلبها عندما رأت إسم المتصل (سلمي عمار)، تسحبت علي قدميها لتتأكد من عدم سماع زوجة شقيقها لها ثم أوصدت باب الغرفة، قامت بإجراء الإتصال: – ألو، ليك عين بتتصل بيا بعد اللي عملته معايا أخر مرة!
اتاها صوته و يبدو عليه الإعياء و التعب: -أنا بكلمك عشان أقولك أنا بحبك أوي و ما تزعليش ربنا أنتقم لك مني و أديني راقد في سريري مش قادر أعمل لنفسي الفطار بقالي يومين عايش علي سندوتشات بيجيبها لي واحد صاحبي.
خفق قلبها بقلق و خوف فقالت: -مالك يا حبيبي بعد الشر عليك.
أخذ يسعل ثم أجاب: -عندي سخونية و زوري واجعني و جسمي كله همدان مش قادر أحرك دراعي، حتي بكلمك من التليفون بالعافية.
أخبرته بحزن و قلق: -خليك مكانك و أنا جاي لك ما تقلقش عشر دقايق و هاكون عندك، سلام دلوقتي.
أنهت المكالمة بينما هو رفع زواية فمه كإبتسامة ذئب ينتظر فريسته الشهية ليفترسها بضراوة.
ــــــــــــــــــــ
و فوق سطح المنزل تمسك عايدة بقطعة ثياب مبتلة و ألقتها أعلي الحبل ثم قامت بتثبيتها بالمشبك الخشبي، و بمجرد سماعها صوت هذا القادم و الذي يصعد الدرج تركت ما بيدها و اختبأت في زواية لا يمكن من رؤيتها منها.
كان يطلق صفيراً و ذهب ليقف بالقرب من سور السطح ، و ما أن تأكدت من خلو السطح إلا من وجودها و وجوده أطلقت ساقيها بخطي لم يشعر بها الأخر، و في لحظة أجفلته بجذبه من يده و سألته و الغضب ينضح من سؤالها: – أنت صحيح هاتتجوز البت اللي إسمها ليلة يا معتصم !
لم يكن مذعوراً، هذا حدث كثيراً من قبل، رمقها من أعلي لأسفل و قال: – عايزة أي؟
أخبرته بنظرة ولع و عشق مدفون بقلب ملتاع: – عايزاك أنت و لا نسيت اللي ما بينا!
نفض يدها عن يده و قال: – للأسف ما نستش، ما نستش كذبك و خداعك لما كنتي بتوهميني بحبك و في نفس الوقت ماشية مع صاحبي، و جيت واجهتك بتسجيلات مكالمتكم قعدتي تحلفي كدب و تألفي لي قصص من خيالك و فاكراني أهبل، و كله كوم و إن تستغلي رفض ليكي و خلتيني أسيب لك البلد و أطفش من وشك و عمايلك و قعدت في الغربة تلات سنين ما نزلش أشوف أهلي، في الأخر أتصدم يوم ما رجعت ألاقيكي متجوزة أخويا، لولا نظرة حبه ليكي اللي شايفها في عينيه كنت حكيت له عن حقيقتك القـ,,ــذرة.
اقتربت منه و قالت: – أنت لسه برضو مش مصدقني، و الله كل ده كذب و تلفيق، انا بحبك أنت و الواد سعد هو اللي عمل كل ده عشان ياما رفضت إن أرتبطت بيه و لما عرف إني بحبك أنت قرر ينتقم مني و منك، عايز تصدق براحتك مش عايز أنت حر.
إبتسامة هاكمة ظهرت علي محياه قائلاً: -علي أساس الوفاء و الإخلاص مقطع بعضه عندك!، كفاية عمايلك السودة و اللي كل مرة بتعدي بستر ربنا بدل ما تتفضحي و أنا أخسر أخويا.
أقتربت أكثر و كادت تلتصق به: -ما تبطل بقي دور المحترم و الأخ الوفي اللي عايش فيه ده، فاكر لما قـ,ـولت لي أنا ماحـ,ـبتش و لا هاحب زيك!
صاح بها و يرمقها بإزدراء: – كان كله وهم و كدب، دلوقتي مش شـ,ـايف غير واحدة لولا إننا في نهار رمضان و أنتي للأسف واحدة ست كنت قولت لك لفظ يليق عليكي.
اقتربت منه بشدة و كادت تلتصق به: – لو ده هايرضيك و يشفي غليلك مني أنا موافقة، بس تسامحني و ترجع لي.
يا للوقاحة إلي هذه الدرجة تجرأت في الحديث معه دون رادع أو خجل!
قبض علي عضدها و هدر من بين أسنانه: -أسمعي يا عايدة أقسم بالله أنا ماسك نفسي عنك بالعافية و عامل حساب لأخويا الكبير لكن لو لاقيتك ما بطلتيش عمايلك الوسخة دي لهاعملـ..
– عايدة، بت يا عايدة. كان صوت والدته تنادي من الشرفة، نفض ذراعها من يده قائلاً من بين أسنانه: – أبقي كرري حركاتك و كلامك ده تاني و أنا هخليكي تندمي علي اليوم اللي دخلتي فيه البيت ده.
ـــــــــــــــــــــ
و في الليل وصلت إلي نهاية الدرج حيث يقطن عمار فوق السطح بداخل غرفة يتكون سقفها من الصفيح و الخشب القديم. و بخطي وئيدة تتقدم نحو الغرفة و قلبها يدق بشدة مثل جرس إنذار و الأحري ناقوس خطر لكن هنا العاطفة كان لها الكلمة الأخيرة، أختصرت خطواتها الأخيرة و دلفت و هذا بعدما وجدت باب الغرفة مفتوحاً، فـ نادت: – عمار ، عمار؟
كررت النداء و لم تجد تلبية و كادت تلتفت خلفها حتي أجفلها كجدار صلب يقف أمامها، أنـ,ـتفضت بفزع و تراجعت، ترمقه بتوجس: -أنت بخير؟
لوي شفتيه جانباً بإبتسامة ماكرة كـ,ـذئب أضحت فريسته أمامه و لم تجد مفر للهرب أو ربما هكذا ظن: – أنتي شايفة أي يا لولو ؟
رددت بتعجب و دهشة لاسيما عندما لاحظت تعابير وجهه التي تخبرها إنه ليس في حالته الطبيعية و عليها الحذر: – عمار أنت شارب حاجة؟
أغلق الباب خلفه و تقدم نحوها قائلاً: -لسه هاشرب، تعالي أوريكي أشرب أي.
و سرعان فاجئها بجذبها من خصرها و حملها إلي فراشه المُهترئ، أخذت تقاومه و تضـ,ـربه بقوة محاولة أن تفلت من بين يديه: -سيبني يا حيوان، أبعد عني، أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط من الأول بس لما عرفت إنك تعبان مهونتش عليا و جيت لك جري.
ألقاها علي الفراش و أرتمي عليها بثقله حتي لا يمكنها الهرب، قام بتقبيلها بوحشية و يقول لها بثمالة : -طاوعيني مفيش غير الحل ده عشان نتجوز، لازم نحط أخوكي قدام الأمر الواقع و يخليني أتجوزك غصب عشان الفضيحة.
أستطاعت فلت يدها و صفعته بقوة: – ده بعينك يا واطي يا قذر، عايزني أفرط في شرفي عشان أخسر نفسي و أخويا و تبقي فضحتي علي كل لسان.
نهض عنها و لم يصدق نفسه و ينظر لها بغضب عارم: – أنا بقي هادفعك حق القلم ده غالي و هخلي فضيحتك علي كل لسان يا زبالة.
و جذبها من تلابيب ثوبها و يدفعها نحو الحائط، أخذت تصرخ و لكن لم تستطع الإستغاثة فهي الآن المُدانة أمام الجميع، هي من ذهبت إليه بإرادتها و دون علم شقيقها، عليها أن تتحمل ذلك و يا ويلها إذا نال منها هذا الثائر بجنون و عزم علي أخذها بالقوة و لم يتركها سوي أن تراق الدماء علي جوانب شرفها!
– شكلك محرمتش من المرة اللي فاتت، يبقي أستحمل. صرخت بتلك الكلمات و ما أن قالتها ركلته بقوة بين ساقيه و لم تمهله أن يستوعب ما فعلته أمسكت بعصا خشبية و نزلت بها فوق رأسه مما سببت في فتح جرح أعلي جبهته، صرخت و ركضت إلي الخارج قاصدة الهرب و ربما إذا حدث له مكروه فلا تكون المتهمة و يفتضح أمر علاقتها الخفية به.
ــــــــــــــــ خرجت من البناء تتلفت يميناً و يساراً بخوف تخشي أن يراها أحد، كانت تضبط من هندام حجابها و إدخال خصلاتها التي تشعثت من الأمام، خبئتها أسفل الحجاب، ألقت نظرة أخيرة و لم تنتبه فأرتطمت بهذا الشاب الفارع الذي لم يهتز إنشاً واحداً و هي قد وقعت علي الأرض، رفعت عينيها و رأت كف غليظ ممدود إليها: -قومي.
رفعت وجهها و نظرت إليه أجفلتها نظرته الثاقبة و كأنه يعرفها بينما هي تجهل هويته، لم تذعن لأمره و أستندت علي الأرض و لم تكترث للغبار الذي أنغمرت به يديها، أسرعت من خطاها للعودة إلي المنزل و إكتشاف إحداً بعدم وجودها.
بينما معتصم مضي في طريقه إلي ورشة حبشي الذي رآه قام بالترحيب به رافعاً يده: -يادي النور، يادي النور، معتصم منورنا في الورشة، أجري ياض يا بلية هات حاجة ساقعة لعمك معتصم.
خرج الأخر من أسفل السيارة قائلاً: – أمرك يا سطي حبشي، فوريرة و جاي بسرعة.
أخبره معتصم بتهكم مازحاً : -أي يا عم جو الضيافة و الكرم ده، أنت عيان و لا أي!
أستشف الأخر تهكمه و إتهامه بصفة الشح و هو كذلك بالفعل: – ماشي يا عم الله يسامحك.
جلس كليهما علي الكراسي فقال معتصم: – يارب يسامحنا كلنا، علي العموم أنا جاي لك في موضوع كده بس اسمعني للنهاية قبل ما ترد.
رمقه بإهتمام مبالغ و عقد حاجبيه و كأنه يخشي أن يطلب منه أموالاً سلفاً: – خير يا صاحبي.
ضحك الأخر عندما لاحظ علامات توجس صديقه: – ما تخافش مش هطلب مـ,ـنك فلوس، بس طالب حاجة تانية، مـ,ـبدأياً كدة بالصلاة علي النبي أنت عارف بقالي أكتر من أربع سنين شغال بره و الحمدلله أنا راجل كسيب و بنيت البيت اللي أمي و أخويا و مراته اللي عايشين فيه، و بنيت التالت عشان أتـ,ـجوز فيه.
أدخل الأخر طرف خنصره في أذنه و يهزه ليزيل شئ عالق يضايقه بداخلها و قال مُتظاهراً بالحماقة: – ربنا يزيدك يا معتصم يا أخويا، بس أنا مافهمتش برضو أنا داخلي أي بالكلام ده؟
أبتسم الأخر و تجلي الفرح علي ملامحه: – أنا طالب أيد أختك ليلة .
غر فاهه و كاد يتدلي فكه إلي صـ,ـدره عندما أخبره صديقه: – بس أنا عايز خطوبة و كتب كتاب و فرح كل ده في خلال أسبوع و أنا متكفل بكل حاجة حتي شنطة هـ,ـدومها أنا هجيبها لها، يعني عايز كل اللي عايزه العروسة بس.
حك ذقنه و يفكر في الأمر: – و الله يا صاحبي ده شرف ليا تتجوز أختي و كل اللي قولته كلام موزون و جميل، بس أستني أسألها الأول و أشوفها هتوافق و لا أي؟
– أنت هاتستعبط عليا يا حبشي!، ده أنت اللي مربيها و كلمتك مسموعة يعني لو أنت موافق هي هتوافق و تقولك آمين.
أتسع فمه بإبتسامة ظهرت فيها كل أسنانه: – برضو يا عصوم لازم أفاتـ,ـحها خصوصاً لسه مخلصة ثانوية عامة و قال أي عايزة تدخل الجامعة و بيني و بينك أنا مش راضي علي موضوع الجامعة ده، هناك الشباب مع البنات و الدنيا مليطة مولد و صاحبه غايب، و أنا راجل دمي حامي ما اسـ,ـتحملش علي أختي الهوا.
أشاح الأخر له بيده بسخرية: – ياعم أجري أنت هاتعملهم عليا، أنت بس خايف من مصاريف الجامعة و اللبس، خلاص أنا موافق أنها تكمل و تدخل الكلية اللي تشاور عليها، كدة كدة هقعد معاها أجازة الصيف و هسافر تكون هي بدأت الدراسة.
– يبقي كدة إحنا متفقين. قالها بسعادة واهية علي غرار حال شقيقته عندما تعلم بالأمر و يا ويلها إذا علمت بقراره الحاسم و الذي لا رجعة فيه.
#الفصل_الخامس #ما_بين_الحب_والحرمان #بقلم_ولاء_رفعت_علي
– بت يا ليلة، أنتِ يا بت. كان صوت حبشي الجهوري و الذي ينبأ عن أخبار سارة، يحمل في يديه أكياساً تفوح منها رائحة الطعام الجاهز. كانت ليلة تمكث بداخل غرفتها و تبكي و عندما سمعت صوت أخيها بدأت تجفف دموعها التي تنهمر بسبب قلبها الحزين و إكتشاف حقيقة من أحبته المخادع الوغد.
ولج إلي المطبخ و رأي زوجته: – بتعملي أي يا وليه؟
أجابت عليه بإمتعاض: – هاكون بعمل أي يعني، بحضر لكم السحور. أشار إليها قائلاً: – سيبي اللي في أيدك ده و تعالي جيب لكم كفتة و طرب من عند الحاتي اللي نفسك تاكلي عنده.
أتسعت عينيها غير مصدقة، و لما لا فطالما كان شحه يغلب عليه كلما طلبت منه أي شئ: – سلامتك يا سي حبشي أنت عيان و لا حاجة!
صاح بسخط: – جري أي يا وليه محسساني إن بخيل و لا أي.
لوت شفتيها بتهكم قائلة: – كفي الله الشر يا أخويا هو أنا قولت حاجة!
– طيب ياختي، هاتي الصينية و أطباق فاضية و معالق و تعالي علي أوضة البت ليلة .
طرق الباب: – أفتحي يا بت يا ليلة.
هذا أخر ما ينقصها في هذا اليوم العصيب، ذهبت و فتحت الباب: – أتفضل.
أشارت إليه بالدخول، ذهب خلفها و سألها: – مالك بتعيطي و لا أي؟
توترت ملامحها و أبتلعت غصتها قائلة: – أبداً أنا أنـ..
قاطعها و ربت عليها: – أنا عارف أنك لسه زعلانة مني عشان موضوع الجامعة، و أنا جاي أصالحك بالأكلة اللي بتحبيها و ليكي عندي خبر لوز اللوز.
رمقته بعدم إستفهام، دخلت هدي باللهفة، تناولت منه الأكياس و بدأت تخرج محتوياتها و ترص الأطباق: – خير يا سي حبشي، أي الخبر ده.
– تعالي أقعدي بس كولي و أكلي ليلة ، أومال فين الولاد؟
أجابت زوجته: – كنت شيعت لأمي عشان تبعتهم مع الولاه أخويا قالتلي العيال فضلو يعيطو مش عايزين يمشو.
رمقها بسعادة: – أحسن برضو عشان نحتفل أنا و أنتي بعد السحور الجامد ده . و غمز بعينه لها، لكزته في صـ,ـدره و قالت له بـ,ـصوت خافت : – عـ,ـيب إخـ,ـتشي يا راجل أخـ,ـتك قاعدة.
حك ذقنه بحرج قائلاً: – عندك حق يا أم محمد، المهم بصو بقي، البت ليلة جالها عـ,ـريس.
نهضت فزعاً و صاحت بإعتراض: – و أنا مش موافقة.
رمقها محذراً إياها: -ما تتهدي يابت مش تسمعي الأول هو مين و هايعملك اي.
صاحت مرة أخري برفض تام: – و انا مش عايزة أعرف، بالتأكيد واحد من المقاطيع أصحابك و لا من أهل الـ,ـحارة اللي أكتر واحد فيهم محترم بيشرب حشيش.
– ما تقعدي يا بت و أسمعيني بدل ما أسفخك كف علي صرصور ودنك أخليكي طرشة.
رمقتها زوجة أخيها بغمزة قائلة: – أقعدي يا ليلة أسمعي كلام أخوكي، حـ,ـبشي بيحبك و عمره ما هيريد لك الأذي.
رمقتها الأخري بدهشة جلية رافعه حاجبيها لأعلي حتي قال شقيقها: – الواد معتصم صاحبي جه و طالب إيدك مني.
صاحت بغضب: – نعم!، معتصم إبن نفيسة اللي أكبر مني ب ١٢ سنة!
تصنع الحنان الذي يفتقده في خصاله الخبيثة قائلاً: – ده راجل كسيب مش هيخليكي تشتري حتي هدمتك، هيجيب لك كل حاجة من الإبرة للصاروخ، و فوق ده كله موافق تكملي تعليمك في الجامعة، مش كان نفسك تكملي علامك، يالا أهي جت لك الفرصة علي طبق من دهب.
عقدت سـ,ـاعديها أمـ,ـام صـ,ـدرها و رفعت إحدى حـ,ـاجبيها برفض: – و أنا مش موافقة يا حـ,ـبشي. ـــــــــــــــــ
– يا بت ربنا يهديكي أخرجي الناس بقالهم داخلين علي النص ساعة قاعدين مستنينك برة.
أومأت لها ليلة بالرفض و قالت: – أخرج لهم أنتي لأن أنا مش خارجة و مش موافقة، جـ,ـواز أي اللي في اسبوع واحد ده أنا لو جوزك لاقيني علي باب جامع مش هايعمل فيا كده.
لطمت هدي علي خدها: – يخربيت مخك الحجر، أخوكي حالف بإيمانات ربنا كلها لو رفضتي مش هاتشوفي الشارع تاني.
صاحت بإعتراض: – ده عند أمه الله يرحمها.
تدخل صوته كما تدخلت يده و قبضت علي عـ,ـضدها بعنف قائلاً بتهديد: – ما هو هيبقي عند أمك فعلاً، لما اقتـ,ـلك و اشرب من دمك و أخلص من قرفك.
جزت علي أسنانها بألم و غضب: – أوعي سيب دراعي، قولت لك مش هاتـ,ـجوز و لا أتنيل، أنت أي ما بتفهمش، و لا ما بطلتش تهديدك و لا أسلوبك ده معايا هارقع بالصوت و ألم عليك الحارة و هخلي اللي ما يشتري يتفرج.
كانت كلا من نفيسة و عايدة تجلسان علي الأريكة ذات الفراش البالي و المهترئ، و قد وصل إلي مسمعهما صوت جدال حـ,ـبشي و شقيقته ، و هذا أسعد قلب عايدة بعدما أستنتجت رفض ليلة من الزواج بمعتصم : – ألحقي يا خالتي شكل البت رافضة تطلع تقعد معانا، شكلها رافضة معتصم.
– يا بنت الرفدي، ليه هو أنا ابني عيبه اي، ده ضفره برقبتها.
لوت الأخري شفتيها بتهكم و قالت: – شكلها مش عاجبها و لا نكون مش قد المستوي، ما أنتِ ما تعرفيش الأشكال دي واخده مقلب في نفسها و لا كأنها برنسيسة.
ردت الأخري بحنق و ضيق: – ليه إن شاء الله فاكـ,ـرة نفسها أي، ده أبوها الله يرحمه كان حتة بياع علي عربية فول و أمها كانت خياطة و أخوها حتة مـ,ـيكانيـ,ـكي و لا راح و لا جه.
لكزتها عايدة و قالت بصوت خافت: – وطي صوتك ليسمعونا، أنا من رأيي تعالي ناخد بعضنا و نمشي بكرامتنا أحـ,ـسن.
أقتنعت الأخري بحديث زوجة إبـ,ـنها فقالت: – يلا يا بت بلا هم البنات علي قفا من يشيل.
و غادرت كلتيهما دون أن يشعروا من بالداخل، و عندما أنتهي حبشي من حديثه مع شقيقته صعبة المراس، صاح بصوت مجلجل: – طب عليا الطلاق بالتلاتة ما هاتشوفي الشارع تاني و يوم ما رجلك تخطي باب الشقة لأكون ك.سرها و أخليكي عجزة طول عمرك.
ـــــــــــــــــ
طرق متواصل علي باب المنزل يتبعه رنين الجرس فصاحت هدي : – حاضر يالي بتخبط أنا جاية أهو.
فتحت الباب فظهرت لها فتاة في مثل عمر ليلة: – صباح الخير يا طنط هدي.
رمقتها الأخري بإمتعاض: – طنط أي يابت ده كل اللي بيني و بينك خمس سنين قولي هدي و خلاص.
تصنعت الفتاة الإبتسامة و قالت: – حاضر يا دودا ، أومال فين البت ليلة؟
أشارت لها نحو الداخل: – جوة في أوضتها صحيها عقبال ما أجهز الفطار كلها نص ساعة و المدفع يضـ,ـرب، أقعدي افطري معانا.
– مـ,ـعلش خليها يوم تاني عشان يا دوب جايه اقولها كلمتين عشان بس سايبة المحل و راجعة و امي لو عرفت هاتنفخني.
ردت الأخري بمزاح: – هاتنفخك أي أكتر من كده، ده أنتي قربتي تفرقعي.
طرقت الفتاة باب الغرفة: – قمر أنا مي ممكن أدخل؟
أتاها صوتها الحزين من الداخل: – أدخلي يا مي أنا صاحية.
دلفت و رأتها تجلس علي الأريكة و الحزن يكسو ملامحها شهقت من مظهرها المزري: – ليه يا بنتي عامله في نفسك كده، شايله طاجن ستك ليه فوق دماغك كفي الله الشر.
أشارت لها ليلة بأن تجلس جـ,ـوارها و قالت: – تعالي يا مي أقعدي.
سألتها الأخري بإستفهام: – مالك يا بنتي في أي؟
ظلت صامته و لم ترغب في الحديث، فكما تعلم أن مي لم يدوم لديها سراً، أصـ,ـرت الأخري بإلحاح: – هو أنا هاقعد أتحايل عليكي كل مرة عشان تحكي لي و لا أنتي مش مأمناني، حرام عليكي ده أنتي عارفاني بحفظ السر و كأني ما سمعتوش.
رمقتها ليلة و زمـ,ـتت شفتيها جانباً بتهكم و أخيراً لم تجد مفر من تلك الفتاة ذات الفضول و لديها إسـ,ـتعداد أن تتفنن في الإسئلة و أن تلقي بكلمات تميل قلبك و تـ,ـجعلك تشفق علي حالها حتي تتمكن من إيقاعك و العلم بكل شئ. – أخويا بيساومني يا أتـ,ـجوز معتصم إبن نفيسة و أكمل تعليمي، يا إما أتحبس في البيت و مفيش كلية.
غرت فاهها بصدمة و رددت: – معتصم أخو جلال الحلاق !
أومأت لها ليلة و قالت: – أيوه هو بعينه.
ضحكت الأخري و قالت: – بغض النظر إن ما بطقش الوليه أمه و لا مرات أخوه اللي شايفة نفسها علينا و هي ماتسواش في سوق الحريم ربع جنيه، بس بصراحة لسه شايفاه إمبارح معدي من قدام بيتنا، بصراحة الواد قمر طول بعرض و عيون عسلي و أسمراني اللون يا لالالي.
زجرتها ليلة قائلة: – ما تتجوزيه أنتي و ريحيني.
ضحكت الأخري و قالت: – ياختي مش لما أمي تجوز أخواتي الكبار الأول دي أمنية أختي خللت بس تستاهل هي اللي اتبطرت علي الولاه خطيبها الأولاني عشان ظروفه كانت وحشة و أهو ربنا فتحها عليه من وسع و بقي عـ,ـنده مطعم كبير و بيفتح الـ,ـفرع التاني في وسط البلد، أهي بتندم و بتدعي علي نفسها و مخها الغبي.
ضحكت ليلة رغماً عنها من حديث صديقتها و نبرتها الفكاهية كلما تحكي لها عن شقيقتها، فقامت بـ,ـسرد لها كل ما ألقاه عليه شقيقها من أمر و وعيد و في نهاية الحديث أخبرتها: – هي مشكلة فعلا، و بعدين جواز أي أن جوزك بعيد عنك طول السنة و يجي لك شهرين بس، طيب ما تسافري معاه.
أنتفخت أوداجها من تلك الحمقاء: – بقولك مش عايزة أتزفت أتجوز، أنا عايزة أخد شهادتي الأول و يبقي ليا كيان و أبقي حرة نفسي ما طلعش من بيت أخويا أروح لبيت تاني و هاعيش مع ناس عمري ما أرتاحت لهم و الست نفيسة أمه دي تقول للشر قوم و أنا أقعد مكانك.
رددت الأخري بعد تفكير عميق: – خلاص أنا جاتلي فكرة.
– قولي.
تحمحمت و أخبرتها بكل ثقة: – أهربي!
الصفحة السابقة انت في الصفحة 5 من 6 صفحات الصفحة التالية
مرت الأيام و ها قد جاء اليوم السابق ليوم الزفاف و الذي يسمي بيوم الحناء، تتجمع به الفتيات و النساء، يهللن و يصفقن و يتراقصن علي الأغاني المأخوذة من الفلكلور المصري.
و في زواية تجلس ليلة شاردة فيما يحدث معها، القلق و الخوف ينهشان قلبها، تمنت أن يكون زفافها غداً علي عمار الذي أحبته بصدق بينما هو لم يحب سوي نفسه فقط و الذي فعله قبيل أيام قضي علي ما تبقي في قلبها نحوه. أنتبهت إلي إبنة شقيقها الصغيرة تجذبها من طرف ثوبها: – عمتو، عمتو.
أنحنت نحوها و أبتسمت و هي تربت عليها بحنان: – قلب عمتو من جوة، عايزة أي يا روحي؟
رفعت يدها لها ممسكة بهاتفها: – خدي الموبايل بتاعك كل شوية يرن كتير.
و في تلك اللحظة لاحظت من النافذة المفتوحه علي مصراعيها و المطلة علي الشارع حيث تري كل المارة و هم يرونك، تفاجئت بهذا الذي يرمقها بتهديد و وعيد. صدح رنين هاتفها، فأشار لها من بعيد أن ترد علي إتصاله، أستغلت إنشغال الجميع في الرقص و الغناء، نهضت و أسرعت إلي داخل غرفتها و أوصدت الباب من الداخل حتي تتمكن من التحدث إليه دون أن يسترق أحدهم الإستماع إليها.
أجابت علي الإتصال بصوت خافت: – يا بجاحتك يا أخي، جاي بعد اللي عملته بتتصل بيا و كمان جاي لحد البيت.
أتاها صوته الثائر من الغضب الذي يضرم به كالنيران : – وقفي كل اللي بتعمليه ده إلا و الله العظيم لأطربق الدنيا علي دماغك.
شعرت بالخوف من تهديده الذي يبدو إنه لا يمزح بتاً، فقالت له: – عمار أرجوك كفاية بقي و أنساني، كل اللي ما بينا أنتهي.
– ده أي اللي أنتهي! ، اللي ما بينا عمره ما بينتهي و لا هينتهي خالص و لازم توقفي كل المهزلة اللي بتحصل دلوقت.
أخبرته من بين أسنانها بتحذير: -المهزلة الحقيقية هو أنا رضيت أرد علي تليفونك أصلاً و لو ما بعدتش عني أنا هخليك تبعد غصب عنك.
– طب وريني هاتعملي أي. تعجبت لصدي صوته المتردد، ألتفتت خلفها و كانت الصاعقة! – أنت! ، إزاي دخلت هنا؟
رمقها بإبتسامة و سخرية و أشار لها نحو النافذة الذي دلف منها و قال: – دخلت زي ما كنتي بتخرجي كل يوم منها و بتجي لي فوق السطوح.
و أخذ يقهقه علي ملامح وجهها الغاضبة، فأجابت: – كنت مغفله و غبية و الحمدلله ربنا كشفك ليا قبل ما كنت اتدبست فيك و ابقي شربت مقلب العمر كله.
– تقومي سايباني و تروحي تتجوزي صاحب أخوكي اللي أكبر منك بـ 13 سنة! قالها بتهكم ساخر، فأرادت رد الصفعه إليه: – بس علي الأقل راجل و قد كلامه مش حتة عيل ما يعرفش عن الرجولة حاجة.
تلك الكلمات كافية بسبر أغواره، فقال من بين أسنانه و حقد دفين: – أنا بقي هوريكي مين فينا الراجل و القوي كمان.
و ما أن أنتهي أنقض عليها و أخذ يُقبلها غصباً و إقتداراً قائلاً: – أبقي صرخي عشان تفضحي نفسك و يقولو العروسه بتخون العريس من يوم الحنة.
و أنقض عليها مرة أخري بينما هي أخذت تقاومه دون إصـ,ـدار صوت حتي جاء صوت أخر أفزعها مع طرق الباب: – أفتحي يا ليلة، أنا حبشي و معايا معتصم خطيبك.
يا للكارثة ، إذا دلف شقيقها و خطيبها الآن ستصبح فضيحة علي مرئي و مسمع أهل الحارة ، أخبرت عمار بهمس: – أستخبي بسرعة في الدولاب.
و فتحت الخزانة و جعلته يختبئ بداخلها و سرعان ما جعلته يدخل و أوصـ,ـدت عليه بابيها. – حاضر يا أبيه ثواني.
و ذهبت لفتح الباب دلف شقيقها أولاً: – قافله علي نفسك ليه و سايبة الهيصة بره؟
أجابت بتصنع التعب: – حسيت بشوية صداع فدخلت أريح لي حبه، فيه حاجة؟
أشار إلي هذا الواقف في الإنتظار أمام الباب: – تعالي يا عريس. ثم قال لها: – عريسك جاي يقعد معاكي شوية، افردي وشك و أتكلمي معاه عدل و بلاش الغشومية بتاعت أول إمبارح بدل ما أنتي فاهمة.
دلف الأخر و جلس بالقرب منها: – ألف مبروك يا ليلة، قصدي مبروك لينا أنا و أنتي.
رمقته بإبتسامة زائفة و قالت : – الله يبارك فيك.
نهض حبشي و قال: – لما أقوم أجيب لك حاجة تشربها يا عريس.
غادر و تركهما بمفردهما، تحمحم معتصم و بدأ يتحدث: – أنا بصراحة سيبت الحنة اللي عاملها قصاد بيتنا و قولت اجي اطمن عليكي لتكوني محتاجة حاجة أنا تحت أمرك.
– لاء، شكراً مش محتاجة حاجة. تزحزح قليلاً حتي ألتصق بجوارها و قال: – بصراحة أنا جيت عشان أقولك وحشاني.
و قام بتقبيل خدها، أتسعت عينيها و نهضت و وقفت بغضب: – أي اللي هببته ده!
أشار إليها لتكف عن صوتها المرتفع و أجاب: – أهدي كده ما حصلش حاجه للنرفزة اللي أنتي فيها دي غير أن كلها بكرة و هاتبقي مراتي يعني أظن ما ينفعش تقولي لي وقتها ايه اللي هببته ده!
تذكرت تلك المأساة فقالت: – لما يجي وقتها و بعدين أنا يا دوب لسه عرفاك بقالي أسبوع لازم ناخد علي بعض الأول.
زفر بضيق و قال بنفاذ صبر : – حاضر يا ليلة اللي أنتي شيفاه براحتك ، عموماً أنا راجع لأصحابي.
كاد يتركها و يغادر عاد من جديد و أخرج من جيب بنطاله كيس من المخمل أخرج منه سلسلة ذهبية يتوسطها إسمها بالعربي: – أتفضلي.
رمقته بتعجب ثم أخبرها: – كنت معدي إمبارح من قدام محل الدهب اللي اشترينا منه الشبكة لاقيت عنده السلسلة دي فدخلت و اشتريتها لك.
طيف إبتسامة أرتسم علي ثغرها فقالت: – شكراً.
أشار لها نحو جيدها و سألها: – ممكن ألبسهالك؟
لاحظت فتح الخزانه قليلاً و ينظر عمار لها يحذرها لتبتعد عنه، خشيت أن يراه معتصم فقامت بدفعه نحو الحائط و رفعت وشاحها عن عنقها ثم ولت ظهرها إليه: – أتفضل لبسهالي بسرعة.
تعجب من ما فعلته للتو فقام بفتح قفل السلسلة و وضعها حول عنقها، خرج عمار من الخزانة و ود أن يذهب و يقوم بخنق غريمه لكن سرعان ما لحقت ليلة الموقف و ألتفتت إلي معتصم و إشغاله بأمر يسلب تركيزه فقامت بتقبيل وجنته: – تسلم إيدك.
تراجع عمار عند سماع خطوات قادمة نحو الغرفة ، بينما معتصم أستغل ذلك الموقف و أقترب منها لتقبيلها من شفتيها، أوقفته شهقة زوجة شقيقها التي دخلت و تمسك بصينية يعلوها كأسين من المياه الغازية، أبتعد الأخر عن ليلة بحرج و قال: – طيب أستأذن أنا بقي عشان أصحابي و جماعة قرايبي مستنيني قدام البيت هناك، سلام عليكم.
و بعدما ذهبت ضحكت هدي و لكزتها في كتفها: – يخرب عقلك يا ليلة أي يا بت مستعجلين أوي كده، ده خلاص الفرح كلها بكرة.
– هو اللي مش محترم أعمله أي يعني، و جوزك عمال يقولي بطلي تكشري و أضحكي .
ضحكت مرة أخري و أخبرتها: – طيب ياختي خدي أشربي الحاجة الساقعة لما أروح أدور أعمل الشاي لأخوكي و أصحابه و أنتي أبقي اخرجي و أقعدي مع البنات و الستات بره.
وافقت ليلة و قالت لها: – ماشي، روحي أنتي عقبال ما أصلح مكياچي و خارجة.
ضحكت الأخري و غادرت، فأسرعت خلفها و أوصدت الباب من الداخل، و ذهبت لفتح الخزانة و قالت له: – ياريت تطلع و ما شوفش وشك هنا تاني، أديك شوفت خطيبي عامل إزاي ده لو نفخ فيك هايطيرك.
صاح بها: – و لا يقدر هو و لا عشرة زيه يعملي حاجة.
دفعته نحو النافذة و قالت له: – طب يلا أمشي بسرعة قبل ما حد يشوفك.
أومأ لها و بغضب أخبرها: – أنا هامشي بس خدي بالك مش هاسيبك تتجوزي و تتهني علي حساب قلبي سلام يا عروسة.
و قفز من النافذة بعدما ألتفت يميناً و يساراً، لم ينتبه إلي تلك الواقفة علي بعد مسافة و حين تأكدت من المنزل، أبتسمت بإنتصار و قالت: – الله، هي الحكاية كده! ، حلو اوي اوي !
ــــ ـــــــــــــــــــــ
و في صباح اليوم التالي، تخرج عايدة الثياب من المغسلة و تضعها في إناء بلاستيكي ، سألها زوجها: – طالعه فوق و لا أي؟
أجابت دون النظر إليه: – اه عندي حبة هدوم لسه غسلاهم، هاطلع انشرهم فوق السطح ينشفو بسرعة و عشان فيهم حاجات هنلبسها بالليل في الفرح.
– خلصي و أنزلي علي طول، أيوه يا جدعان و الله و كبرت يا واد يا معتصم و هاتتجوز ربنا يتمم له علي خير.
تركته دون إهتمام و صعدت إلي السطح بعدما علمت بوجوده في الأعلي، بينما هو يقف أمام حوض مياه قديم تعلوه قطعة مرآه، كان جذعه عارياً و يرتدي بنطال فقط، يقوم بحلق ذقنه فأنتبه إلي التي تخبره: – بتحلق دقنك ليه ما أنت رايح للحلاق.
رمقها عبر المرآة بإزدراء و قال لها: – لاء ما أنا اللي هحلق و اظبط لنفسي، أنا أدري بالحاجة الكويسة و الأنضف ليا، لكن الحاجة الوسخة برميها في الزبالة.
أختطفت من يده شفرة الحلاقة و رمقته بتحدي و جنون : – بطل الوهم اللي معيش نفسك فيه و فوق بقي.
زجرها و هسهس من بين أسنانه بغضب: – بطلي أنتي بقي و أبعدي عني، عايزاني أخسر أخويا و أمي و خطيبتي اللي هاتبقي الليلة دي مراتي و كل الناس اللي بحبهم عشانك أنتِ!
أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تلقي عليه قنبلتها الموقوته: – طيب ياريت تخلي بالك من اللي هاتبقي مراتك لأنها ضاحكة عليكم كلكم و علي علاقة بواحد غيرك .
أمسك بيدها بقوة و هدر من بين أسنانه: – هي وصلت بيكي وساختك تسوقي سمعة مراتي!، أقسم بالله يا عايدة لو أتكلمتِ عليها بحرف و لو ضايقتها لأخلي عيشتك جحيم و هخلي اخويا يعيشك زي الخدامه تحت رجله.
جذبت يدها و صاحت به: – فوق أنت و أعرف بنفسك، أنا مش بتهمها و لا برمي بلايا علي حد، أبقي اسألها لما تشوفها و قولها مين اللي كان خارج من شباك أوضتك إمبارح زي الحرامية و كان بيعمل ايه جوه!
ــــــــــــــــــــــ
حل المساء و بدأت مراسم الزفاف وسط أهل الحارة و أهل العروسين… كانت ليلة تجلس شبه مبتسمة بجوار معتصم الذي كان متجهم الوجه فكلمات تلك الأفعي عايدة تجول برأسه و يخشي أن الشك يخترق قلبه و يقلب حياته جحيماً.
أنتبه إلي حبشي الذي يصافحه و يدس في يده حبة مغلفة قائلاً: – ألف مبروك يا صاحبي. و أقترب نحو أذنه ليخبره بصوت لا يصل إلي شقيقته: – بقولك أي البت ليلة أختي دماغها صرمه قديمة لو طلبت منها حاجة و ما سمعتش كلامك أديها بالجذمة، و لو زودتها قولي و أنا هك.سر لك دماغها و هخليها من قبل ما تأمرها تقولك سمعاً و طاعة.
رمقه معتصم بإمتعاض و قال له: – ليلة مراتي أنا يا حبشي و عارف هاتعامل معاها إزاي يعني أنسي ولايتك و سلطتك عليها لأنها خلاص بقت علي ذمتي و مني و اللي يمسها يمسني.
غر فاهه ثم ضحك و حك ذقنه قائلاً: – ده أنت الهوا رماك و قلبك طب يا صاحبي، خد بالك بقي ياما رجالة بشنبات الحب ضيعهم و ضيع هبيتهم و خلي النسوان لامؤاخذة تسوقهم زي الحمير.
– دي عقلية أشباه الرجال يا صاحبي، الراجل الصح اللي يحط مراته و أخته و أمه و بنته فوق راسه لأن رسولنا عليه افضل الصلاة والسلام وصانا عليهم و قالنا رفقاً بالقوارير.
شبه ضحكة أطلقها حبشي من فاهه و قال بتهكم : – ماشي يا أخويا أبقي خلي بالك من قارورتك و خد بالك لتتك.سر و تعورك.
و في منزل نفيسة لم يوجد أحد سوي عايدة حيث أستغلت وجود الجميع في الفرح و صعدت إلي شقة العروسين و تتذكر كلمات الشيخ الدجال و هو يخبرها: ( الحجاب ده تدسيه في مكان ما هينام و الميه دي ترشيها علي عتبة الباب اللي هيخطي عليها)
ذهبت إلي غرفة النوم و قامت برفع الفراش و دس هذا الشئ أسفله ثم أعادت ترتيب الفراش مرة أخري كما كان و قبل أن تغادر رأت ثياب العروسين مطوية، أمسكت بثياب ليلة و تأملتها بحقد و ضغينة قائلة بنبرة مليئة بالكره و الغل: – إلهي ما تلحقي تلبسيه و تقلعي فستان فرحك علي كفنك علي طول.
أنتهت مراسم الزفاف و بعد مباركات و توصيات من هدي زوجة أخيها إلي معتصم علي أن يراعي ليلة و هذا علي غرار زوجها الذي لا يكترث أن يفعل هذا بل كان يوصيه علي تعنيف شقيقته كما يفعل معها هو، و يا له من أخ حنون!
و لدي وصول العروسان إلي المنزل و قبل أن يصعدا أمسكت نفيسة إبنها من ذراعه و همست له: – بقولك أي يا معتصم خليك جد و ناشف معاها و إياك تبقي نحنوح لتركب فوق كتافك و تدلدل رجليها، حكم أنا اللي عرفاك ابو قلب حنين.
أطلق زفرة كتعبير عن ضيقه و نفاذ صبره و قال: – أمي أنا مش عيل صغير و حياتي أنا و مراتي خاصة بيا و بيها عارف اللي ليا و اللي عليا.
ثم ألتفت إلي ليلة التي يبدو عليها التوتر و الخوف كلما أقتربت خطاها إلي عش الزوجية.
– يلا يا حبيبتي أطلعي. و أمسك بيدها ليساعدها علي صعود الدرج حتي لا تتعثر في طرف ثوبها الواسع… كانت عايدة تقف علي الدرج بالقرب من شقة معتصم و قالت له: – أطلع أنت يا عريس الأول و أفتح الباب و أنا هساعدها.
نظر إلي ليلة فقالت له: – أطلع أنا عارفه أتحرك ما تقلقش.
و عندما فتح الباب و خطي فوق المياه المنسكبة فوق قطعة البُساط قاتمة اللون أتسع فم عايدة بإبتسامة إنتصار و قالت بداخل عقلها: – ليلة سعيدة يا عريس الهنا.
#الفصل_الثامن #ما_بين_الحب_والحرمان #بقلم_ولاء_رفعت_علي
تجلس عايدة في غرفتها و نيران الغيرة و الحقد تنهش قلبها بضراوة ودت أن تصعد و تفسد عليهم تلك الليلة بشتي الطرق لكن ما يطمئن قلبها ما قامت بدسه في الفراش و ما سار عليه معتصم، لم تنتبه إلي زوجها الذي دلف للتو و يردد كلمات الأغاني التي سمعها في الحفل وجدها جالسة في حالة سكون تضع ساق فوق الأخري فقال: – ربنا يستر، يا تري قاعدة كده و بتفكري في مصيبة لمين؟
رفعت إحدي حاجبيها إليه و قالت: – ليه شايفني أي بالظبط عشان أفكر في مصايب لحد، ليه ما تقولش المصايب بتتحدف علينا لحد عندنا و أنتم نايمين في العسل.
ضيق عينيه و عقد حاجبيه فسألها: – قصدك علي مين؟
نهضت من فوق المقعد و وقفت عاقدة ساعديها أمام صدرها و أجابت: – هي فيه غيرها ست الحسن و الجمال اللي أخوك بإذن الله هياخد فيها أكبر خازوق.
أنتبه لكلماتها جيداً فسألها مرة أخري: – قصدك أي بالكلام ده.
أقترب منها و أردف: – أنتي تعرفي حاجة و مخبيها و لا أي، أنطقي.
جلست علي حافة الفراش و تصنعت وجه الحمل الوديع قائلة بتمثيل إحترافي: – لاء يا سيدي ما بحبش أتكلم علي حد دي أعراض، ربنا يستر علي ولايانا، و بعدين أخاف أمك و أخوك يقلبو عليا و لا يقولو غيرانه و بتلفق لسلفتها مصايب عشان تتخلص منها .
أمسكها من يدها و صاح بها بحنق: – ما تتنطقي يا بت أحسن ما أخليكي تنطقي بالعافية.
تصنعت ملامح الحزن و قالت: – أخص عليك يا سي جلال، ماشي هقولك بس ياريت ما تجبش سيرتي، أول إمبارح و انا رايحة الحنة لسه كنت واقفة قبلهم بتلات بيوت لاقيت الولاه اللي اسمه عمار اللي ساكن فوق بيت شوقي بينط من شباك أوضتها اللي بيطل علي الحارة و عمال يتلفت من حوليه زي الحرامية، تفتكر ده كان بيعمل أي جوه عندهم و لا علاقته أي بالبت ليلة!
عقب زوجها علي كلماتها: – ما هو ممكن يكون كان بيسرق من بيتهم حاجة، إن بعد الظن إسم، بقولك أي أوعي تقولي كلمة هنا و لا هنا، أخويا ممكن يقلب الدنيا فوق دماغنا غير أخوها حبشي ده مجنون و ممكن الموضوع يوصل للدم.
أشارت إلي فمها ببراءة قائلة: – و أنا مالي يا أخويا مليش دعوة هكتم بوقي أهو.
و وضعت كفها علي فمها كدلالة علي عدم البوح.
ــــــــــــــــــــــ و بالأعلي كانت تجلس في الغرفة تحاول خلع الوشاح الأبيض، تلتقط الدبابيس منه و توخزها بداخل قطعة من الأسفنج الملون، بينما هو يجلس بالخارج في الردهة، أزرار قميصه مفتوحة و ينفث دخان سيجارته بشراهة حيث ما ألقته عليه تلك الأفعي عايدة من كلمات مسمومة علي زوجته ليس بالشئ الهين، هل بالفعل زوجته علي علاقة برجل آخر!
نهض و ذهب ليتأكد من هذا، فتح الباب فوجدها تحاول خلع الثوب لكنه علق بجسدها، و هناك من خطف أنفاسه سلاسل خصلاتها المنسدلة علي ظهرها كشلالات من الحرير و ملامحها المختلفة عن الحجاب، فهي أجمل بكثير عن ما رآها من قبل، وجد نفسه يقترب منها دون إرادة و وقف خلفها وضع يده علي بداية السحاب و قال لها: – ممكن أساعدك؟
أومأت له عبر المرآه بالموافقة دون أن تتحدث، أخذ يفتح سحاب ثوبها ببطئ و عينيه تتأمل ملامحها في صورتها المنعكسة، و عندما أنتهي من فتح السحاب كاملاً أزاح خصلاتها علي إحدي كتفيها و أخذ يُقبل كتفها، تحركت بين يديه لتبتعد فوجدته يشد من قبضتيه : – معتصم لو سمحت، معتصم.
ظلت تكرارها ليبتعد عنها و هو كان كالوحش الجائع الذي وقعت تحت يديه فريسة و عليه أن يلتهمها، كانت قبلاته علي جيدها تتميز بالعنف فصرخت ليبتعد عنها: – أوعي، أبعد عني.
ابتعد و رمقها بغضب و عندما نظر إليها وجدها تبكي و تمسك موضع قبلاته التي تركت علامات وردية داكنة، عاد إلي رشده بعد أن كان علي وشك أن يستسلم لوساوس شيطانه و يتعامل معها بهذا الأسلوب العنيف.
أقترب منها بحذر حتي لا يزيد خوفها منه و قال لها: – حقك عليا مكنتش أقصد اللي عملته.
رمقته بغضب و الدموع حبيسة داخل عيناها: -أطلع برة.
أشار لها بأن تتمهل قائلاً: – إسمعيني بس هقولك.
أخذت تدفعه في صدره نحو الباب بقوة لا يستهان بها من يديها الضعيفتين أو هكذا تبدو علي غرار قوتها: – مش عايزة أسمع، أطلع برة.
و صفقت الباب في وجهه تحت نظراته المتعجبة و عيناه المتسعة من الصدمة.
ـــــــــــــــــ ــــ
في صباح اليوم التالي… – قوم يا حبشي خلينا نروح نصبح علي أختك و نشتري لها شوية حاجات خلينا نرفع راسها قدام نسايبها بدل ما أنت ما صدقت جوزتها و ماجبتلهاش خيط في إبره حتي.
أستيقظ بغضب و بصوت أجش: – يا فتاح يا عليم علي الصبح، مش شيفاني نايم يا وليه بتصحيني ليه، و بعدين فيه حد يروح لعرسان علي الصبح خلاص مفيش إحساس و لا دم!
رمقته بإمتعاض و قالت: – يا راجل بطل تهرب بقي من أي مشوار يبقي فيه فلوس و هايكلفك فاكرني هبلة و مش هافهم!
صاح بها بتهديد: – طب غوري من وشي علي الصبح بدل و ربنا و ما أعبد لأقوم أديكي علقة هخليها هي اللي تيجي تزورك و أطفي النور بدل ما أخليكي عايشة في الضلمة طول عمرك لما أديلك كشاف علي عينيكي يعميكي و أرتاح.
تأففت بضيق و غضب منه و ذهبت تتمتم بصوت خافت: – عادتك و لا تشتريها روح يا شيخ اللهي اللي بتحوشه من ورايا و حايشه عني أنا و اختك و عيالك يجي لك حرامي يقشهم كلهم و يحسرك عليهم. ــــــــــــــــــ كان يتمدد علي الأريكة و مازال بثيابه منذ الأمس و لم يبدلها بعد ، أستيقظ علي صوت الجرس حينما فتح عينيه و تذكر خلافهما البسيط في البارحة، نهض مُسرعاً و طرق الباب عليها: – أفتحي يا ليلة جرس الباب بيرن شكلها أمي و لا يكون أخوكي و مراته، أفتحي ما ينفعش يدخلو يلاقوني لسه ببدلة الفرح!
فتحت الباب و أتسعت عيناه عندما رآها ترتدي منامة حريرية باللون النبيذ و مشطت خصلاتها بعناية و شكل فني جذاب، فقالت له و كأنه لم يحدث شئ ليلة أمس: – هتلاقيهم أخويا و مراته.
أمسكها من يدها و سألها بحدة: – هو أنتي ناوية تطلعي لهم بالمنظر ده؟
ألقت نظرة علي هيئتها فقالت: – ماله منظري، دي بچامة ستان بكوم و بنطلون طويل، و بعدين بقولك أخويا و مراته يعني محدش غريب.
دفعها إلي داخل الغرفة و أخبرها بأمر: – روحي ألبسي عباية أو الإسدال و لو أتكررت الحركة دي تاني هتلاقي كل اللي في الدولاب ده مرمي في الشارع.
رمقته بسخط و قالت بتذمر: – هو يعني عشان شاريهم لي بفلوسك هتذلني مش عايزة منك حاجة، انا هاكلم مرات أخويا تجيب لي هدومي القديمة.
رمقها بنظرة نارية قاتلة : – ليلة، أحذري غضبي و أتقي شري و خشي أسمعي الكلام بسرعة.
أرتدت في النهاية كما أمرها علي مضض و ذهبت هي و قامت بفتح الباب ريثما يبدل ثيابه.
– السلام عليكم ، ازيكم يا عرايس. صاحت بها هدي بسعادة و تحمل علبة من الحلوي، عانقتها الأخري: – أهلاً بحبايبي وحشتوني.
ثم أنحنت إلي أولاد شقيقها و عانقتهما و ربتت عليهما بحنان، نظرت خلف هدي و سألتها: – أومال فين حبشي مجاش معاكم ليه؟
أجابت الأخري بإبتسامة تخفي توترها و الحرج الذي تشعر به: – أخوكي معلش مش هايقدر يجي لك النهارده أصله يا عيني من ساعة الفرح إمبارح و هو مصدع و تعبان ماقامش من النوم من وقت ما روحنا، شوفتي نسيت خدي شيلي الحلويات دي في التلاجة أبقو كلوها بعد الفطار.
أدركت ليلة كيف تقوم بتشتيتها عن الإجابة لتداري عن زوجها البخيل الذي يخشي أن يأتي إلي شقيقته و يبارك لها و يهنئها و يجب أن يعطي إليها مبلغاً من المال كنوعاً من أنواع المباركة. – ربنا يشفيه، أدخلو أقعدو عقبال ما أجيب حاجة للعيال .
ذهبت لتحضر كؤوس من العصير و قطع حلوي وضعتها أمام الصغيرين، أقتربت هدي منها و سألتها بصوت خافت: – ها طمنيني عملتي أي؟
رمقتها الأخري بعدم إستفهام : – في أي؟
لكزتها بمزاح و خفة: – ما أنتي عارفة يا بت قصدي أي.
أدركت ما تقصده فقالت بتردد و ترجع خصلاتها خلف أذنها: – ماحصلش حاجة.
غرت الأخري فاهها و شهقت: – أنتي هبلة يا ليلة، ده أنا فاكرة أول ما دخلنا أنا و أخوكي من باب الشقة يا دوب عقبال ما وصلنا لأوضة النوم كان حصل اللي حصل و أنتي تقولي لي ما حصلش حاجة!
نهضت ليلة لتتهرب من نظرات الأخري قائلة: – هدي لو سمحت دي حاجة خاصة بيا أنا، أنتي و أخويا كنتم عارفين بعض و بتحبو بعض قبل ما تتجوزو بخمس سنين، أنا يا دوب لسه عارفه جوزي من أسبوع، لازم أتعود عليه الأول.
خرج معتصم من الغرفة يرتدي قميص و بنطال من القطن فأصبح شديد الوسامة، لأول مرة ليلة تحدق به هكذا لم تصدق هذا الذي كان معها منذ أسبوع. – يا أهلاً و سهلاً البيت نور.
ردت هدي: – ده نوركم يا أستاذ معتصم، و ألف مبروك عليك أنت و ليلة و ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة.
رد بإبتسامة متكلفة: – تسلمي ربنا يحفظك، أومال فين حـ,ـبشي؟
أجابت بتوتر يشوبه طيف إبتسامة: – تعبان من إمبارح و ماقدرش يقوم من النوم بعد الفطار هتلاقيه جاي لكم إن شاء الله .
نهضت و أمسكت بطفليها و أردفت: – فوتكم بعافيه بقي.
الصفحة السابقة انت في الصفحة 5 من 6 صفحات الصفحة التالية
مرت الأيام و ها قد جاء اليوم السابق ليوم الزفاف و الذي يسمي بيوم الحناء، تتجمع به الفتيات و النساء، يهللن و يصفقن و يتراقصن علي الأغاني المأخوذة من الفلكلور المصري.
و في زواية تجلس ليلة شاردة فيما يحدث معها، القلق و الخوف ينهشان قلبها، تمنت أن يكون زفافها غداً علي عمار الذي أحبته بصدق بينما هو لم يحب سوي نفسه فقط و الذي فعله قبيل أيام قضي علي ما تبقي في قلبها نحوه. أنتبهت إلي إبنة شقيقها الصغيرة تجذبها من طرف ثوبها: – عمتو، عمتو.
أنحنت نحوها و أبتسمت و هي تربت عليها بحنان: – قلب عمتو من جوة، عايزة أي يا روحي؟
رفعت يدها لها ممسكة بهاتفها: – خدي الموبايل بتاعك كل شوية يرن كتير.
و في تلك اللحظة لاحظت من النافذة المفتوحه علي مصراعيها و المطلة علي الشارع حيث تري كل المارة و هم يرونك، تفاجئت بهذا الذي يرمقها بتهديد و وعيد. صدح رنين هاتفها، فأشار لها من بعيد أن ترد علي إتصاله، أستغلت إنشغال الجميع في الرقص و الغناء، نهضت و أسرعت إلي داخل غرفتها و أوصدت الباب من الداخل حتي تتمكن من التحدث إليه دون أن يسترق أحدهم الإستماع إليها.
أجابت علي الإتصال بصوت خافت: – يا بجاحتك يا أخي، جاي بعد اللي عملته بتتصل بيا و كمان جاي لحد البيت.
أتاها صوته الثائر من الغضب الذي يضرم به كالنيران : – وقفي كل اللي بتعمليه ده إلا و الله العظيم لأطربق الدنيا علي دماغك.
شعرت بالخوف من تهديده الذي يبدو إنه لا يمزح بتاً، فقالت له: – عمار أرجوك كفاية بقي و أنساني، كل اللي ما بينا أنتهي.
– ده أي اللي أنتهي! ، اللي ما بينا عمره ما بينتهي و لا هينتهي خالص و لازم توقفي كل المهزلة اللي بتحصل دلوقت.
أخبرته من بين أسنانها بتحذير: -المهزلة الحقيقية هو أنا رضيت أرد علي تليفونك أصلاً و لو ما بعدتش عني أنا هخليك تبعد غصب عنك.
– طب وريني هاتعملي أي. تعجبت لصدي صوته المتردد، ألتفتت خلفها و كانت الصاعقة! – أنت! ، إزاي دخلت هنا؟
رمقها بإبتسامة و سخرية و أشار لها نحو النافذة الذي دلف منها و قال: – دخلت زي ما كنتي بتخرجي كل يوم منها و بتجي لي فوق السطوح.
و أخذ يقهقه علي ملامح وجهها الغاضبة، فأجابت: – كنت مغفله و غبية و الحمدلله ربنا كشفك ليا قبل ما كنت اتدبست فيك و ابقي شربت مقلب العمر كله.
– تقومي سايباني و تروحي تتجوزي صاحب أخوكي اللي أكبر منك بـ 13 سنة! قالها بتهكم ساخر، فأرادت رد الصفعه إليه: – بس علي الأقل راجل و قد كلامه مش حتة عيل ما يعرفش عن الرجولة حاجة.
تلك الكلمات كافية بسبر أغواره، فقال من بين أسنانه و حقد دفين: – أنا بقي هوريكي مين فينا الراجل و القوي كمان.
و ما أن أنتهي أنقض عليها و أخذ يُقبلها غصباً و إقتداراً قائلاً: – أبقي صرخي عشان تفضحي نفسك و يقولو العروسه بتخون العريس من يوم الحنة.
و أنقض عليها مرة أخري بينما هي أخذت تقاومه دون إصـ,ـدار صوت حتي جاء صوت أخر أفزعها مع طرق الباب: – أفتحي يا ليلة، أنا حبشي و معايا معتصم خطيبك.
يا للكارثة ، إذا دلف شقيقها و خطيبها الآن ستصبح فضيحة علي مرئي و مسمع أهل الحارة ، أخبرت عمار بهمس: – أستخبي بسرعة في الدولاب.
و فتحت الخزانة و جعلته يختبئ بداخلها و سرعان ما جعلته يدخل و أوصـ,ـدت عليه بابيها. – حاضر يا أبيه ثواني.
و ذهبت لفتح الباب دلف شقيقها أولاً: – قافله علي نفسك ليه و سايبة الهيصة بره؟
أجابت بتصنع التعب: – حسيت بشوية صداع فدخلت أريح لي حبه، فيه حاجة؟
أشار إلي هذا الواقف في الإنتظار أمام الباب: – تعالي يا عريس. ثم قال لها: – عريسك جاي يقعد معاكي شوية، افردي وشك و أتكلمي معاه عدل و بلاش الغشومية بتاعت أول إمبارح بدل ما أنتي فاهمة.
دلف الأخر و جلس بالقرب منها: – ألف مبروك يا ليلة، قصدي مبروك لينا أنا و أنتي.
رمقته بإبتسامة زائفة و قالت : – الله يبارك فيك.
نهض حبشي و قال: – لما أقوم أجيب لك حاجة تشربها يا عريس.
غادر و تركهما بمفردهما، تحمحم معتصم و بدأ يتحدث: – أنا بصراحة سيبت الحنة اللي عاملها قصاد بيتنا و قولت اجي اطمن عليكي لتكوني محتاجة حاجة أنا تحت أمرك.
– لاء، شكراً مش محتاجة حاجة. تزحزح قليلاً حتي ألتصق بجوارها و قال: – بصراحة أنا جيت عشان أقولك وحشاني.
و قام بتقبيل خدها، أتسعت عينيها و نهضت و وقفت بغضب: – أي اللي هببته ده!
أشار إليها لتكف عن صوتها المرتفع و أجاب: – أهدي كده ما حصلش حاجه للنرفزة اللي أنتي فيها دي غير أن كلها بكرة و هاتبقي مراتي يعني أظن ما ينفعش تقولي لي وقتها ايه اللي هببته ده!
تذكرت تلك المأساة فقالت: – لما يجي وقتها و بعدين أنا يا دوب لسه عرفاك بقالي أسبوع لازم ناخد علي بعض الأول.
زفر بضيق و قال بنفاذ صبر : – حاضر يا ليلة اللي أنتي شيفاه براحتك ، عموماً أنا راجع لأصحابي.
كاد يتركها و يغادر عاد من جديد و أخرج من جيب بنطاله كيس من المخمل أخرج منه سلسلة ذهبية يتوسطها إسمها بالعربي: – أتفضلي.
رمقته بتعجب ثم أخبرها: – كنت معدي إمبارح من قدام محل الدهب اللي اشترينا منه الشبكة لاقيت عنده السلسلة دي فدخلت و اشتريتها لك.
طيف إبتسامة أرتسم علي ثغرها فقالت: – شكراً.
أشار لها نحو جيدها و سألها: – ممكن ألبسهالك؟
لاحظت فتح الخزانه قليلاً و ينظر عمار لها يحذرها لتبتعد عنه، خشيت أن يراه معتصم فقامت بدفعه نحو الحائط و رفعت وشاحها عن عنقها ثم ولت ظهرها إليه: – أتفضل لبسهالي بسرعة.
تعجب من ما فعلته للتو فقام بفتح قفل السلسلة و وضعها حول عنقها، خرج عمار من الخزانة و ود أن يذهب و يقوم بخنق غريمه لكن سرعان ما لحقت ليلة الموقف و ألتفتت إلي معتصم و إشغاله بأمر يسلب تركيزه فقامت بتقبيل وجنته: – تسلم إيدك.
تراجع عمار عند سماع خطوات قادمة نحو الغرفة ، بينما معتصم أستغل ذلك الموقف و أقترب منها لتقبيلها من شفتيها، أوقفته شهقة زوجة شقيقها التي دخلت و تمسك بصينية يعلوها كأسين من المياه الغازية، أبتعد الأخر عن ليلة بحرج و قال: – طيب أستأذن أنا بقي عشان أصحابي و جماعة قرايبي مستنيني قدام البيت هناك، سلام عليكم.
و بعدما ذهبت ضحكت هدي و لكزتها في كتفها: – يخرب عقلك يا ليلة أي يا بت مستعجلين أوي كده، ده خلاص الفرح كلها بكرة.
– هو اللي مش محترم أعمله أي يعني، و جوزك عمال يقولي بطلي تكشري و أضحكي .
ضحكت مرة أخري و أخبرتها: – طيب ياختي خدي أشربي الحاجة الساقعة لما أروح أدور أعمل الشاي لأخوكي و أصحابه و أنتي أبقي اخرجي و أقعدي مع البنات و الستات بره.
وافقت ليلة و قالت لها: – ماشي، روحي أنتي عقبال ما أصلح مكياچي و خارجة.
ضحكت الأخري و غادرت، فأسرعت خلفها و أوصدت الباب من الداخل، و ذهبت لفتح الخزانة و قالت له: – ياريت تطلع و ما شوفش وشك هنا تاني، أديك شوفت خطيبي عامل إزاي ده لو نفخ فيك هايطيرك.
صاح بها: – و لا يقدر هو و لا عشرة زيه يعملي حاجة.
دفعته نحو النافذة و قالت له: – طب يلا أمشي بسرعة قبل ما حد يشوفك.
أومأ لها و بغضب أخبرها: – أنا هامشي بس خدي بالك مش هاسيبك تتجوزي و تتهني علي حساب قلبي سلام يا عروسة.
و قفز من النافذة بعدما ألتفت يميناً و يساراً، لم ينتبه إلي تلك الواقفة علي بعد مسافة و حين تأكدت من المنزل، أبتسمت بإنتصار و قالت: – الله، هي الحكاية كده! ، حلو اوي اوي !
ــــ ـــــــــــــــــــــ
و في صباح اليوم التالي، تخرج عايدة الثياب من المغسلة و تضعها في إناء بلاستيكي ، سألها زوجها: – طالعه فوق و لا أي؟
أجابت دون النظر إليه: – اه عندي حبة هدوم لسه غسلاهم، هاطلع انشرهم فوق السطح ينشفو بسرعة و عشان فيهم حاجات هنلبسها بالليل في الفرح.
– خلصي و أنزلي علي طول، أيوه يا جدعان و الله و كبرت يا واد يا معتصم و هاتتجوز ربنا يتمم له علي خير.
تركته دون إهتمام و صعدت إلي السطح بعدما علمت بوجوده في الأعلي، بينما هو يقف أمام حوض مياه قديم تعلوه قطعة مرآه، كان جذعه عارياً و يرتدي بنطال فقط، يقوم بحلق ذقنه فأنتبه إلي التي تخبره: – بتحلق دقنك ليه ما أنت رايح للحلاق.
رمقها عبر المرآة بإزدراء و قال لها: – لاء ما أنا اللي هحلق و اظبط لنفسي، أنا أدري بالحاجة الكويسة و الأنضف ليا، لكن الحاجة الوسخة برميها في الزبالة.
أختطفت من يده شفرة الحلاقة و رمقته بتحدي و جنون : – بطل الوهم اللي معيش نفسك فيه و فوق بقي.
زجرها و هسهس من بين أسنانه بغضب: – بطلي أنتي بقي و أبعدي عني، عايزاني أخسر أخويا و أمي و خطيبتي اللي هاتبقي الليلة دي مراتي و كل الناس اللي بحبهم عشانك أنتِ!
أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تلقي عليه قنبلتها الموقوته: – طيب ياريت تخلي بالك من اللي هاتبقي مراتك لأنها ضاحكة عليكم كلكم و علي علاقة بواحد غيرك .
أمسك بيدها بقوة و هدر من بين أسنانه: – هي وصلت بيكي وساختك تسوقي سمعة مراتي!، أقسم بالله يا عايدة لو أتكلمتِ عليها بحرف و لو ضايقتها لأخلي عيشتك جحيم و هخلي اخويا يعيشك زي الخدامه تحت رجله.
جذبت يدها و صاحت به: – فوق أنت و أعرف بنفسك، أنا مش بتهمها و لا برمي بلايا علي حد، أبقي اسألها لما تشوفها و قولها مين اللي كان خارج من شباك أوضتك إمبارح زي الحرامية و كان بيعمل ايه جوه!
ــــــــــــــــــــــ
حل المساء و بدأت مراسم الزفاف وسط أهل الحارة و أهل العروسين… كانت ليلة تجلس شبه مبتسمة بجوار معتصم الذي كان متجهم الوجه فكلمات تلك الأفعي عايدة تجول برأسه و يخشي أن الشك يخترق قلبه و يقلب حياته جحيماً.
أنتبه إلي حبشي الذي يصافحه و يدس في يده حبة مغلفة قائلاً: – ألف مبروك يا صاحبي. و أقترب نحو أذنه ليخبره بصوت لا يصل إلي شقيقته: – بقولك أي البت ليلة أختي دماغها صرمه قديمة لو طلبت منها حاجة و ما سمعتش كلامك أديها بالجذمة، و لو زودتها قولي و أنا هك.سر لك دماغها و هخليها من قبل ما تأمرها تقولك سمعاً و طاعة.
رمقه معتصم بإمتعاض و قال له: – ليلة مراتي أنا يا حبشي و عارف هاتعامل معاها إزاي يعني أنسي ولايتك و سلطتك عليها لأنها خلاص بقت علي ذمتي و مني و اللي يمسها يمسني.
غر فاهه ثم ضحك و حك ذقنه قائلاً: – ده أنت الهوا رماك و قلبك طب يا صاحبي، خد بالك بقي ياما رجالة بشنبات الحب ضيعهم و ضيع هبيتهم و خلي النسوان لامؤاخذة تسوقهم زي الحمير.
– دي عقلية أشباه الرجال يا صاحبي، الراجل الصح اللي يحط مراته و أخته و أمه و بنته فوق راسه لأن رسولنا عليه افضل الصلاة والسلام وصانا عليهم و قالنا رفقاً بالقوارير.
شبه ضحكة أطلقها حبشي من فاهه و قال بتهكم : – ماشي يا أخويا أبقي خلي بالك من قارورتك و خد بالك لتتك.سر و تعورك.
و في منزل نفيسة لم يوجد أحد سوي عايدة حيث أستغلت وجود الجميع في الفرح و صعدت إلي شقة العروسين و تتذكر كلمات الشيخ الدجال و هو يخبرها: ( الحجاب ده تدسيه في مكان ما هينام و الميه دي ترشيها علي عتبة الباب اللي هيخطي عليها)
ذهبت إلي غرفة النوم و قامت برفع الفراش و دس هذا الشئ أسفله ثم أعادت ترتيب الفراش مرة أخري كما كان و قبل أن تغادر رأت ثياب العروسين مطوية، أمسكت بثياب ليلة و تأملتها بحقد و ضغينة قائلة بنبرة مليئة بالكره و الغل: – إلهي ما تلحقي تلبسيه و تقلعي فستان فرحك علي كفنك علي طول.
أنتهت مراسم الزفاف و بعد مباركات و توصيات من هدي زوجة أخيها إلي معتصم علي أن يراعي ليلة و هذا علي غرار زوجها الذي لا يكترث أن يفعل هذا بل كان يوصيه علي تعنيف شقيقته كما يفعل معها هو، و يا له من أخ حنون!
و لدي وصول العروسان إلي المنزل و قبل أن يصعدا أمسكت نفيسة إبنها من ذراعه و همست له: – بقولك أي يا معتصم خليك جد و ناشف معاها و إياك تبقي نحنوح لتركب فوق كتافك و تدلدل رجليها، حكم أنا اللي عرفاك ابو قلب حنين.
أطلق زفرة كتعبير عن ضيقه و نفاذ صبره و قال: – أمي أنا مش عيل صغير و حياتي أنا و مراتي خاصة بيا و بيها عارف اللي ليا و اللي عليا.
ثم ألتفت إلي ليلة التي يبدو عليها التوتر و الخوف كلما أقتربت خطاها إلي عش الزوجية.
– يلا يا حبيبتي أطلعي. و أمسك بيدها ليساعدها علي صعود الدرج حتي لا تتعثر في طرف ثوبها الواسع… كانت عايدة تقف علي الدرج بالقرب من شقة معتصم و قالت له: – أطلع أنت يا عريس الأول و أفتح الباب و أنا هساعدها.
نظر إلي ليلة فقالت له: – أطلع أنا عارفه أتحرك ما تقلقش.
و عندما فتح الباب و خطي فوق المياه المنسكبة فوق قطعة البُساط قاتمة اللون أتسع فم عايدة بإبتسامة إنتصار و قالت بداخل عقلها: – ليلة سعيدة يا عريس الهنا.
#الفصل_الثامن #ما_بين_الحب_والحرمان #بقلم_ولاء_رفعت_علي
تجلس عايدة في غرفتها و نيران الغيرة و الحقد تنهش قلبها بضراوة ودت أن تصعد و تفسد عليهم تلك الليلة بشتي الطرق لكن ما يطمئن قلبها ما قامت بدسه في الفراش و ما سار عليه معتصم، لم تنتبه إلي زوجها الذي دلف للتو و يردد كلمات الأغاني التي سمعها في الحفل وجدها جالسة في حالة سكون تضع ساق فوق الأخري فقال: – ربنا يستر، يا تري قاعدة كده و بتفكري في مصيبة لمين؟
رفعت إحدي حاجبيها إليه و قالت: – ليه شايفني أي بالظبط عشان أفكر في مصايب لحد، ليه ما تقولش المصايب بتتحدف علينا لحد عندنا و أنتم نايمين في العسل.
ضيق عينيه و عقد حاجبيه فسألها: – قصدك علي مين؟
نهضت من فوق المقعد و وقفت عاقدة ساعديها أمام صدرها و أجابت: – هي فيه غيرها ست الحسن و الجمال اللي أخوك بإذن الله هياخد فيها أكبر خازوق.
أنتبه لكلماتها جيداً فسألها مرة أخري: – قصدك أي بالكلام ده.
أقترب منها و أردف: – أنتي تعرفي حاجة و مخبيها و لا أي، أنطقي.
جلست علي حافة الفراش و تصنعت وجه الحمل الوديع قائلة بتمثيل إحترافي: – لاء يا سيدي ما بحبش أتكلم علي حد دي أعراض، ربنا يستر علي ولايانا، و بعدين أخاف أمك و أخوك يقلبو عليا و لا يقولو غيرانه و بتلفق لسلفتها مصايب عشان تتخلص منها .
أمسكها من يدها و صاح بها بحنق: – ما تتنطقي يا بت أحسن ما أخليكي تنطقي بالعافية.
تصنعت ملامح الحزن و قالت: – أخص عليك يا سي جلال، ماشي هقولك بس ياريت ما تجبش سيرتي، أول إمبارح و انا رايحة الحنة لسه كنت واقفة قبلهم بتلات بيوت لاقيت الولاه اللي اسمه عمار اللي ساكن فوق بيت شوقي بينط من شباك أوضتها اللي بيطل علي الحارة و عمال يتلفت من حوليه زي الحرامية، تفتكر ده كان بيعمل أي جوه عندهم و لا علاقته أي بالبت ليلة!
عقب زوجها علي كلماتها: – ما هو ممكن يكون كان بيسرق من بيتهم حاجة، إن بعد الظن إسم، بقولك أي أوعي تقولي كلمة هنا و لا هنا، أخويا ممكن يقلب الدنيا فوق دماغنا غير أخوها حبشي ده مجنون و ممكن الموضوع يوصل للدم.
أشارت إلي فمها ببراءة قائلة: – و أنا مالي يا أخويا مليش دعوة هكتم بوقي أهو.
و وضعت كفها علي فمها كدلالة علي عدم البوح.
ــــــــــــــــــــــ و بالأعلي كانت تجلس في الغرفة تحاول خلع الوشاح الأبيض، تلتقط الدبابيس منه و توخزها بداخل قطعة من الأسفنج الملون، بينما هو يجلس بالخارج في الردهة، أزرار قميصه مفتوحة و ينفث دخان سيجارته بشراهة حيث ما ألقته عليه تلك الأفعي عايدة من كلمات مسمومة علي زوجته ليس بالشئ الهين، هل بالفعل زوجته علي علاقة برجل آخر!
نهض و ذهب ليتأكد من هذا، فتح الباب فوجدها تحاول خلع الثوب لكنه علق بجسدها، و هناك من خطف أنفاسه سلاسل خصلاتها المنسدلة علي ظهرها كشلالات من الحرير و ملامحها المختلفة عن الحجاب، فهي أجمل بكثير عن ما رآها من قبل، وجد نفسه يقترب منها دون إرادة و وقف خلفها وضع يده علي بداية السحاب و قال لها: – ممكن أساعدك؟
أومأت له عبر المرآه بالموافقة دون أن تتحدث، أخذ يفتح سحاب ثوبها ببطئ و عينيه تتأمل ملامحها في صورتها المنعكسة، و عندما أنتهي من فتح السحاب كاملاً أزاح خصلاتها علي إحدي كتفيها و أخذ يُقبل كتفها، تحركت بين يديه لتبتعد فوجدته يشد من قبضتيه : – معتصم لو سمحت، معتصم.
ظلت تكرارها ليبتعد عنها و هو كان كالوحش الجائع الذي وقعت تحت يديه فريسة و عليه أن يلتهمها، كانت قبلاته علي جيدها تتميز بالعنف فصرخت ليبتعد عنها: – أوعي، أبعد عني.
ابتعد و رمقها بغضب و عندما نظر إليها وجدها تبكي و تمسك موضع قبلاته التي تركت علامات وردية داكنة، عاد إلي رشده بعد أن كان علي وشك أن يستسلم لوساوس شيطانه و يتعامل معها بهذا الأسلوب العنيف.
أقترب منها بحذر حتي لا يزيد خوفها منه و قال لها: – حقك عليا مكنتش أقصد اللي عملته.
رمقته بغضب و الدموع حبيسة داخل عيناها: -أطلع برة.
أشار لها بأن تتمهل قائلاً: – إسمعيني بس هقولك.
أخذت تدفعه في صدره نحو الباب بقوة لا يستهان بها من يديها الضعيفتين أو هكذا تبدو علي غرار قوتها: – مش عايزة أسمع، أطلع برة.
و صفقت الباب في وجهه تحت نظراته المتعجبة و عيناه المتسعة من الصدمة.
ـــــــــــــــــ ــــ
في صباح اليوم التالي… – قوم يا حبشي خلينا نروح نصبح علي أختك و نشتري لها شوية حاجات خلينا نرفع راسها قدام نسايبها بدل ما أنت ما صدقت جوزتها و ماجبتلهاش خيط في إبره حتي.
أستيقظ بغضب و بصوت أجش: – يا فتاح يا عليم علي الصبح، مش شيفاني نايم يا وليه بتصحيني ليه، و بعدين فيه حد يروح لعرسان علي الصبح خلاص مفيش إحساس و لا دم!
رمقته بإمتعاض و قالت: – يا راجل بطل تهرب بقي من أي مشوار يبقي فيه فلوس و هايكلفك فاكرني هبلة و مش هافهم!
صاح بها بتهديد: – طب غوري من وشي علي الصبح بدل و ربنا و ما أعبد لأقوم أديكي علقة هخليها هي اللي تيجي تزورك و أطفي النور بدل ما أخليكي عايشة في الضلمة طول عمرك لما أديلك كشاف علي عينيكي يعميكي و أرتاح.
تأففت بضيق و غضب منه و ذهبت تتمتم بصوت خافت: – عادتك و لا تشتريها روح يا شيخ اللهي اللي بتحوشه من ورايا و حايشه عني أنا و اختك و عيالك يجي لك حرامي يقشهم كلهم و يحسرك عليهم. ــــــــــــــــــ كان يتمدد علي الأريكة و مازال بثيابه منذ الأمس و لم يبدلها بعد ، أستيقظ علي صوت الجرس حينما فتح عينيه و تذكر خلافهما البسيط في البارحة، نهض مُسرعاً و طرق الباب عليها: – أفتحي يا ليلة جرس الباب بيرن شكلها أمي و لا يكون أخوكي و مراته، أفتحي ما ينفعش يدخلو يلاقوني لسه ببدلة الفرح!
فتحت الباب و أتسعت عيناه عندما رآها ترتدي منامة حريرية باللون النبيذ و مشطت خصلاتها بعناية و شكل فني جذاب، فقالت له و كأنه لم يحدث شئ ليلة أمس: – هتلاقيهم أخويا و مراته.
أمسكها من يدها و سألها بحدة: – هو أنتي ناوية تطلعي لهم بالمنظر ده؟
ألقت نظرة علي هيئتها فقالت: – ماله منظري، دي بچامة ستان بكوم و بنطلون طويل، و بعدين بقولك أخويا و مراته يعني محدش غريب.
دفعها إلي داخل الغرفة و أخبرها بأمر: – روحي ألبسي عباية أو الإسدال و لو أتكررت الحركة دي تاني هتلاقي كل اللي في الدولاب ده مرمي في الشارع.
رمقته بسخط و قالت بتذمر: – هو يعني عشان شاريهم لي بفلوسك هتذلني مش عايزة منك حاجة، انا هاكلم مرات أخويا تجيب لي هدومي القديمة.
رمقها بنظرة نارية قاتلة : – ليلة، أحذري غضبي و أتقي شري و خشي أسمعي الكلام بسرعة.
أرتدت في النهاية كما أمرها علي مضض و ذهبت هي و قامت بفتح الباب ريثما يبدل ثيابه.
– السلام عليكم ، ازيكم يا عرايس. صاحت بها هدي بسعادة و تحمل علبة من الحلوي، عانقتها الأخري: – أهلاً بحبايبي وحشتوني.
ثم أنحنت إلي أولاد شقيقها و عانقتهما و ربتت عليهما بحنان، نظرت خلف هدي و سألتها: – أومال فين حبشي مجاش معاكم ليه؟
أجابت الأخري بإبتسامة تخفي توترها و الحرج الذي تشعر به: – أخوكي معلش مش هايقدر يجي لك النهارده أصله يا عيني من ساعة الفرح إمبارح و هو مصدع و تعبان ماقامش من النوم من وقت ما روحنا، شوفتي نسيت خدي شيلي الحلويات دي في التلاجة أبقو كلوها بعد الفطار.
أدركت ليلة كيف تقوم بتشتيتها عن الإجابة لتداري عن زوجها البخيل الذي يخشي أن يأتي إلي شقيقته و يبارك لها و يهنئها و يجب أن يعطي إليها مبلغاً من المال كنوعاً من أنواع المباركة. – ربنا يشفيه، أدخلو أقعدو عقبال ما أجيب حاجة للعيال .
ذهبت لتحضر كؤوس من العصير و قطع حلوي وضعتها أمام الصغيرين، أقتربت هدي منها و سألتها بصوت خافت: – ها طمنيني عملتي أي؟
رمقتها الأخري بعدم إستفهام : – في أي؟
لكزتها بمزاح و خفة: – ما أنتي عارفة يا بت قصدي أي.
أدركت ما تقصده فقالت بتردد و ترجع خصلاتها خلف أذنها: – ماحصلش حاجة.
غرت الأخري فاهها و شهقت: – أنتي هبلة يا ليلة، ده أنا فاكرة أول ما دخلنا أنا و أخوكي من باب الشقة يا دوب عقبال ما وصلنا لأوضة النوم كان حصل اللي حصل و أنتي تقولي لي ما حصلش حاجة!
نهضت ليلة لتتهرب من نظرات الأخري قائلة: – هدي لو سمحت دي حاجة خاصة بيا أنا، أنتي و أخويا كنتم عارفين بعض و بتحبو بعض قبل ما تتجوزو بخمس سنين، أنا يا دوب لسه عارفه جوزي من أسبوع، لازم أتعود عليه الأول.
خرج معتصم من الغرفة يرتدي قميص و بنطال من القطن فأصبح شديد الوسامة، لأول مرة ليلة تحدق به هكذا لم تصدق هذا الذي كان معها منذ أسبوع. – يا أهلاً و سهلاً البيت نور.
ردت هدي: – ده نوركم يا أستاذ معتصم، و ألف مبروك عليك أنت و ليلة و ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة.
رد بإبتسامة متكلفة: – تسلمي ربنا يحفظك، أومال فين حـ,ـبشي؟
أجابت بتوتر يشوبه طيف إبتسامة: – تعبان من إمبارح و ماقدرش يقوم من النوم بعد الفطار هتلاقيه جاي لكم إن شاء الله .
نهضت و أمسكت بطفليها و أردفت: – فوتكم بعافيه بقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *