رعب الساعة 3 الفجر حكايات شروق خالد
كل ليلة الساعة 3 الفجر، كان دش الحمام يشتغل لوحده، وكنت أقول لنفسي ده أكيد من ضغط الشغل والتوتر. لحد ما في ليلة بصيت من ورا باب الحمام، وشوفت مراته واقفة بهدومها كاملة تحت المية وهي بترتعش، وابني كان بيهمس بحاجة في ودنها خلت الدم يتجمد في عروقي! أول ما الشمس طلعت كنت لميت حاجتي وعزلت… بس بعد أسبوع، كلارا كلمتني وهي بتعيط بحرقة وفجأة الخط قطع، ورسالتها الأخيرة خلتني أشد مفاتيح عربيتي وأطير!
أنا اسمي روت، وكان عندي 65 سنة لما ابني جوليان طلب مني أنقل وأعيش معاه في شقته اللي في برج سكني عالي.
قال لي إنه عايزني قريبة منه.
“يا أمي، هعرف أركز في شغلي وأنا مطمن إنك جنبي وفي أمان،” ده اللي قاله لي.
وفي الأول، أنا صدقته.
جوليان كان باين عليه ناجح جداً. بدل متفصلة على المقاس، عربية غالية، وصوت هادي.. من نوعية الرجالة اللي الناس بتثق فيهم لإن عمر شكله ما يتبهدل قدام حد.
أما مراته، كلارا، فكانت نسمة ومنتهى الرقة من أول يوم جيت فيه. كانت تعمل الشوربة، وتتبسم بسرعة زيادة عن اللزوم، وكان دايماً عندها رادار ومصحصح مكان جوليان فين في الأوضة، حتى وهي مش باصة ناحيته.
ودي كانت أول حاجة لفتت انتباهي.
على سفرة العشا، جوليان عمره ما زعق.
مبكنش محتاج يزعق أصلاً.
“كلارا، هاتي شوربة كمان لأمي.”
“كلارا، إنتي واقفة مكانك كده ليه؟”
“كلارا، متقعديش تاكلي إلا لما الكل يخلص.”
صوته دايماً هادي وناعم.
بس إيد كلارا كانت بتتحرك بسرعة وخوف.
بعد كده، موضوع الدش ده بدأ.
كل ليلة، تقريباً الساعة 3 الفجر بالدقيقة، كنت أسمع صوت المية وهي نازلة تسبح في الحيطة اللي جنب أوضتي. أول مرة سألته، جوليان قال لي إنه مش عارف ينام من ضغط الشغل والتوتر.
كلارا كانت واقفة جنبه وفي إيدها طبق الشوفان وهزت راسها بسرعة أوي وهي بتأيد كلامه.
“المية بتساعده يسترخي،” قالتها.
بس عينيها مكنتش بتقول نفس الكلام خالص.
من بعد الليلة دي، بدأت أراقب وأركز في كل تفصيلة.
علامة زرقا جنب معصم إيدها لما كم فستانها اترفع بالصدفة.
عينيها اللي دايماً حمرا ومدمعة وهي بتقول إنها حساسية.
الطريقة اللي بتبص بيها لجوليان قبل ما تجاوب على أي سؤال، حتى لو سؤال تافه.
في يوم العصر، وهي كانت بتقطع خضار، سألتها بالراحة: “كلارا، هو جوليان بيإذيكي؟”
الست اتسمرت مكانها لدرجة إن الس*كينة وقفت في نص الجزرة.
“لا يا ماما،” همست وهي بتبلع ريقها. “أنا بس اتخبطت في المكتب.”
كانت من نوعية الكدبات اللي بتقولها ست مرعوبة، لما تحس إن قول الحقيقة أخطر بمليون مرة من الوجع والعلّامة اللي في جسمها.
لحد ما جت الليلة اللي سمعت فيها الدش تاني.
الساعة 3 الفجر.
خرجت للطرقة وأنا ماشية بشرابات عشان محدش يحس بيا. باب الحمام مكانش مقفول للآخر.. كان في خيط نور رفيع ضارب على الأرض.
بصيت من فتحة الباب.
وقلبي اتنفض من الرعب.
كلارا كانت واقفة تحت الدش بهدومها كاملة، وبترتعش من المية الساقعة. وجوليان كان واقف قريب منها أوي، وبيتكلم بصوت واطي ومكتوم.. صوت أنا سمعته قبل كده من راجل تاني، من سنين طويلة فاتت.
جوزي الله يرحمه كان بيستخدم نفس الصوت ده.
الصوت الهادي البارد.
الصوت اللي بيطلع في الأوض المقفولة.
الصوت اللي الرجالة بتستعمله لما يضمنوا إن الباب مقفول ومحدش سامعهم.
وبعدها سمعت صوت عمري ما هنساه.
كلارا اتنفضت من الخوف.
رجعت لورا بضهري قبل ما عقلي يستوعب جسمي بيعمل إيه.
أتمنى أقول إني هديت الباب ودخلت أنقذتها في وقتها.
بس لِلأسف مأدرتش.
الخوف ليه ذاكرة.
وجسمي افتكر كل اللي عشته في جوازي القديم قبل ما شجاعتي تقدر تقف على رجليها.
على الصبح، قولت لجوليان إني هعزل.
هو قعد يجادل ويقاوم لأن شكلي ومنظري قدام الناس هيبوظ.
وكلارا قعدت تعيط لأنها حست إني بسبها لوحدها وبأتخلى عنها.
بس أنا لميت شنطي برضه، ونقلت لدار رعاية للمسنين في الناحية التانية من البلد.
لكن راحتي مجتش.
كل ليلة، كنت بـأسمع صوت الدش ده في دماغي.
كل ليلة، كنت بشوف كمام كلارا المبلولة، وإيديها اللي بترتعش، والطريقة اللي اتعلمت بيها تبتلع وجعها في سكات ومن غير ما تطلع صوت.
لحد ما واحدة صاحبتي قديمة من أيام الشغل قالت لي كلمة كانت فوقاني.
“يا روت، لو إنتي عارفة اللي بيحصل وساكتة، يبقى إنتي بتسيبيها في نفس المكان اللي إنتي هربتي منه زمان.”
بعدها بأسبوع، كلارا جت زارتني وكان معاها سبت فاكهة، وكان في علامة باينة جنب منبت شعرها.
أخدتها وخرجنا برة على دكة في الجنينة وقولتلها بصوت حنين بس حازم: “ماتكدبيش عليا تاني.. أنا شوفت الحمام.. شوفت كل حاجة.”
وشها جاب ألوان واختفى منه الدم.
وبعدها بدأت تدافع عنه:
“هو بس مضغوط.”
“بيفقد أعصابه ساعات.”
“هو بيحبني.”
سبتها تقول كل اللي عندها ومقاطعتهاش.
وبعدين مسكت إيديها الاتنين وقولتلها: “بصي في عيني.. كفاية تحمي الراجل اللي بيإذيكي ويموتك بالبطيء.”
الكلمة دي كسرتها تماماً.
ارتمت في حضني وقعدت تعيط وتصرخ زي حد كان كاتم نفسه بقاله سنين.
من بعد اليوم ده، حطينا خطة.
مش خطة بوشوشة وصوت عالي.. خطة بالراحة وبالمسطرة.
صور.. تواريخ.. كشوفات حساب البنك.. رسائل صوتية.. نوت مكتوبة.. أي حاجة وكل حاجة تقدر تثبت الحقيقة برة حيطان الشقة دي.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، رسايل كلارا اللي كانت بتبعتها لي بدأ يبقى فيها قوة.
مختصرة.
واضحة.
خوفها بدأ يقل.
لحد ما في يوم الصبح، جت لي منها رسالة مكتوب فيها:
“أنا هعرفه كل حاجة وهواجهه الليلة.”
فضلت طول اليوم ماسكة الموبايل في إيدي كأنه قنبلة هتفرقع في أي لحظة.
الساعة 10:07 بالليل، كلارا اتصلت.
رديت من أول رنة.
في أول ثانية، مكنتش سامعة غير نفس طالع ونازل.
سريع.
ومرعوب.
“كلارا؟”
صوتها جه ضعيف ومكسور أوي:
“أنا قولتله.”
وفجأة سمعت صوت جوليان في الخلفية.
بارد.
مليان غل.
وقريب منها أوي.
“إنتي بتكلمي مين؟”
وسمعت صوت حاجة بتترزع في الحيطة بقوة.
كلارا صرخت وشهقت.
قولتلها: “كلارا، اخرجي برة الشقة فوراً.. اجري حالا!”
وفجأة.. الخط قطع.
وفي وسط السكون والسكوت ده، عرفت إن الليلة دي مبقتش ليلة خوف.. دي بقت مسألة وقت.. يا ترى هلحق أوصل لها قبل ما فوات الأوان؟
حكايات شروق خالد
مفاتيح العربية كانت في إيدي قبل ما التليفون يقفل خالص. نزلت على السلم جري، مكنتش قادرة أستنى الأسانسير. ركبت عربيتي ودُست بنزين لآخر سرعة، وطول الطريق كنت بدعي ربنا “يا رب الحقها.. يا رب متخليهوش يعمل فيها زي ما أبوها عمل فيا زمان”.
المسافة بين دار الرعاية وشقة جوليان كانت بتاخد نص ساعة، أنا قطعتها في ربع ساعة بس. كنت بسوق وأنا برتعش، دموعي مغطية عيني، وصوت صرخة كلارا الأخيرة بيرن في ودني زي الجرس.
وصلت البرج السكني، نزلت من العربية وسبت الباب مفتوح، ودخلت جري على موظف الأمن اللي في المدخل: “اطلب البوليس حالاً على شقة جوليان.. في مصيبة فوق!”
ركبت الأسانسير وأنا بفرك في إيدي، الثواني كانت بتعدي كأنها سنين. أول ما الأسانسير فتح في الدور الـ 22، جريت على باب الشقة.. الباب كان مقفول.
حطيت ودني على الباب، مكنش فيه أي صوت.. سكون مرعب.. سكون مفيش وراه خير. قعدت أخبط بكل قوتي وبإيديا الاتنين وأصرخ: “جوليان! افتح الباب! كلارا! إنتي سامعاني؟”
وفجأة، الباب اتفتح بالراحة.
كان جوليان اللي واقف. قميصه مكرمش، وشعره منكوش، وعلى وشه نفس الهدوء البارد المرعب اللي كان بيميز أبوه.. وبصلي بكل برود وقال: “أهلاً يا أمي.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟”
زقيته بكل قوتي ودخلت الشقة وأنا بصرخ: “كلارا! إنتي فين؟”
الشقة كانت مقلوبة.. أباجورة مكسورة على الأرض، والورق اللي كنا بنجمعه عشان الق*ضية متطور في كل حته. جريت ناحية الممر، ولقيت باب الحمام مفتوح.. والنور شغال.
وقفت مكان مسمّرة.. وقلبي سقط في رجلي.
كلارا كانت قاعدة في أرضية الحمام، ضامة ركبها لصدرها، وهدومها مبلولة مية بالكامل.. الدش كان شغال فوقيها وبيرش مية ساقعة تلج، وميكب عينها كان سايح على وشها مع الدموع، وكان فيه جرح بينزف دم من جنب حاجبها.
أول ما شافتني، عينيها لمعت برعب وصرخت بصوت مبحوح: “ماما روت! اطلعي برة! هيأذيكي!”
في اللحظة دي، جوليان جه وقف ورايا، وحط إيده على كتفي برفق مرعب وقال بصوت ناعم: “متدخليش يا أمي.. كلارا تعبانة شوية، وأنا بس بساعدها تهدى وتسترخي.. مش إنتي اللي قولتيلها زمان إن المية بتهديني؟ أنا بعمل معاها نفس الشيء.”
النبرة دي.. البرود ده.. كان هو القشة اللي قطمت ضهر خوفي. كل سنين الرعب اللي عشتها مع أبوه اتبخرت في ثانية، واتحولت لغل وطاقة غضب عمري ما حسيت بيها في حياتي.
لفيت له، وضربته بالقلم بكل ما أوتيت من قوة في نص وشه.. قلم خلاه يرجع خطوتين لورا وهو مش مصدق.
“إنت مش ابني.. إنت نسخة مشوهة من أبوك القاسي!” صرخت في وشه وأنا بشاور بصباعي.. “والزمن ده مش زمن أبوك.. إنت هتدخل السجن يا جوليان.. السجن اللي أبوك هرب منه بالموت!”
في نفس اللحظة، سمعنا صوت سرينات بوليس النجدة وهي بتسمّع في الشارع تحت البرج، وصوت خطوات جري سريعة في الطرقة برة الشقة. موظف الأمن كان عمل اللي قولتله عليه وجاب البوليس فوراً.
العساكر والظباط دخلوا الشقة ومعاهم الإسعاف.. جوليان حاول يتكلم بثباته المزيف ويقول: “يا فندم دي خلافات عائلية ومراتي وقعت في الحمام”، بس أنا مديتلوش فرصة.. وريت الظابط الموبايل بتاعي، والرسايل، والتسجيل الصوتي اللي كلارا لحقت توثقه، وعلامات الضرب اللي في وشها وجسمها المبلول كانت أكبر دليل ميتكذبش.
الكلبشات اتقفلت في إيد جوليان وهو باصص للأرض بإنكسار، والظباط سحبوه برة الشقة وسط نظرات الاحتقار من الجيران اللي خرجوا على الصوت.
جريت على الحمام، قفلت الدش، وأخدت كلارا في حضني.. لفيتها بفوطة ناشفة الكسرة والخوف اللي في عينيها بدأوا يتحولوا لأمان لأول مرة.. قعدت تعيط على كتفي وهي بتقول: “لحقتيني يا ماما.. لحقتيني”.
بعد ليلتها، كلارا رفعت قض*ية طلاق واخدت كل حقوقها، والمحكمة حكمت على جوليان بالسجن المشدد بتهمة الاعتداء والتعذيب والاحتجاز الفعلي.
كلارا دلوقتي عايشة معايا في بيت صغير قريّب من النيل.. بدأت تتعافى وترجع تضحك من قلبها من تاني.. وأنا روت، أخيـراً قدرت أنام بالليل من غير ما أسمع صوت الدش بيشتغل في دماغي.. لأننا مأهربناش المرة دي.. إحنا واجهنا، وكسبنا.
رعب الساعة 3 الفجر
حكايات شروق خالد