لما الوجع هيجي من الضنا
دفعت تمن الفرحة.. وانطردت من على باب الشقة”
بتقول صاحبة القصة (مريم عادل): “أنا دفعت دم قلبي وتمن رحلة العمر عشان نسافر أنا وابني ومراته نتفسح في أوروبا 15 يوم، مكنش ترفيه وخلاص، ده كان حلم عمري اللي قعدت أحوش له مليم فوق مليم في صمت، كنت عايزة أحس بس إني لسه في قلب العيلة مش مجرد ست كبرت وبقت على الهامش.
أنا اسمي مريم، عديت الخمسين بشوية، وربيت ابني كريم لوحدي بعد ما أبوه مات، ربيته إن الاحترام ده فعل مش مجرد كلام. لما اتجوز سارة، قلت لنفسي هبقى “حماة طيبة” ومش هتدخل في حياتهم، وسارة في الأول كانت بتبان لبقة ومؤدبة وبتقول لي ‘يا طنط’ و’حضرتك’ ودايماً بتشكرني، لدرجة إني صدقت إني أحسنت الاختيار لابني.
في يوم كنا قاعدين بنتفرج على التلفزيون، وجابوا تقرير عن شوارع روما وباريس وسويسرا، كريم قال ‘نفسي أزور الأماكن دي’، وسارة ردت ‘بس دي غالية أوي’. الكلمة رنت في ودني، وقررت أسعدهم. قعدت سنتين بقرص على نفسي وبقتطع من معاشي ومرتبي، لحد ما جمعت مبلغ محترم لرحلة فاخرة، وحجزت كل حاجة بنفسي؛ الفنادق والقطارات وحتى التأمين الطبي، والحجوزات كلها كانت بأسامينا احنا التلاتة.
يوم ما قدمت لهم الهدية، عملت عشاء في بيتي واديتهم ظرف فيه التذاكر والحجوزات. سارة عينيها برقت من الفرحة وحضنتني، وكريم باس راسي وقال لي ‘أنتي أحسن أم في الدنيا’.
مرت الأسابيع واحنا بنجهز، وعملنا ‘جروب’ على الواتساب سميناه ‘رحلتنا’. سارة كانت بترد بكلمات قصيرة وكريم بيبعت إيموجيز بتضحك، مكنتش أعرف إنهم بيخططوا يبعدوني.
يوم السفر، صحيت بدري، لبست أشيك حاجة عندي، وأخدت الملف الأزرق اللي فيه كل الورق، وعملت قهوة وكرواسون وكأني بدأت الرحلة خلاص. ركبت عربيتي ورحت لبيتهم عشان نطلع على المطار سوا.
م
خبطت على الباب، فتحت لي سارة وهي متأنقة لآخر آخره، بس ضحكتها كانت غريبة وباردة، وكريم وراها بيشد الشنط. قلت لهم ‘أنا جاهزة من بدري’، كنت لسه هسألهم لو محتاجين حاجة من الصيدلية قبل المطار، لقيت سارة بتقول لي ببرود يجمّد الدم: ‘يا طنط.. في الآخر مامت هدى (مامتها هي) اللي طالعة معانا.. حضرتك لأ!’
أنا اتسمرت في مكاني، عقلي مكنش قادر يستوعب الكلمة. قلت لها ‘بتقولي إيه؟ أنا لأ يعني إيه؟’. ردت بكل بياضة وش وقالت: ‘أصل ماما محتاجة تغير جو، وبما إنك بتسافري كتير فده الأعدل’.
بصيت لكريم، كنت مستنياه يقول إنها بتهزر، أو يزعق لها، لكنه وطي راسه وقال بنبرة واطية: ‘يا ماما ده مش موضوع شخصي، بس حماتي بتمر بظروف صعبة’.
رجعت خطوة لورا وكأن حد ضربني في صدري، بصيت لمفاتيح عربيتي في إيدي، وحسيت بكسرة نفس وعار ميتوصفش، خصوصاً قدام الجيران اللي ممكن يفتحوا شبابيكهم ويشوفوا الست اللي جاية تسافر، فانطردت من الرحلة وهي على باب الشقة.”
: “رد الاعتبار”
وقفت مريم للحظة، الدموع كانت محبوسة في عينيها، بس فجأة حست بقوة غريبة. بصت لكريم ابنها اللي كان واطي راسه في الأرض، وبصت لسارة اللي كانت واقفة بكل برود مستنية مريم تمشي عشان تلحق طيارتها.
مريم سكتت خالص، ومسحت دموعها بسرعة، وطلعت الملف الأزرق من شنطتها بكل هدوء. سارة مدت إيديها تفتكر إن مريم هتديهم الورق، لكن مريم سحبت الملف لورا وقالت بصوت قوي وواضح: بقلم. مشيره محمد
“عندك حق يا سارة، فعلاً الرحلة دي محتاجة ناس بتقدر قيمة اللي بيتقدم لها، ومامتك أكيد محتاجة تغير جو.. بس الحجوزات دي كلها باسمي أنا، وبفلوسي أنا.”
كريم رفع راسه بصدمة: “يعني إيه يا ماما؟”
ردت مريم وهي بتبتسم بوجع: “يعني أنا مش هسمح لحد يسرق حلمي ويطرني منه. الحجز اللي باسمي أنا هلغيه، والحجز اللي باسمك وباسم مراتك أنا دافعة تمنه بالكامل.. وعشان أنا اللي حاجزة، فمن حقي أكنسل (ألغي) كل حاجة في لحظة.”
مشيره محمد
وبالفعل، مريم طلعت تليفونها، وكلمت الشركة اللي حجزت منها وهي واقفة قدامهم، وطلبت إلغاء الرحلة بالكامل واسترداد المبلغ (حتى لو هتخسر جزء منه). سارة بدأت تصرخ: “إنتي بتعملي إيه؟ دي رحلتنا!”
مريم ردت عليها بكل شموخ: “دي رحلتي أنا يا شاطرة، والبيت اللي أنتوا قاعدين فيه ده أنا اللي مساعداكم في تمنه، بس من النهاردة كل واحد يشيل شيلته. اللي يبعني على باب شقته، ملوش مكان في حياتي.”
مريم نزلت السلم وهي حاسة إن حمل تقيل انزاح من على قلبها. ركبت عربيتها، وبدل ما تروح المطار، طلعت على الساحل الشمالي، قعدت قدام البحر، وطلبت لنفسها أحلى فطار. وقررت إنها من اليوم ده، مش هتصرف مليم واحد على حد مبيصونش الجميل، وإن “رحلة العمر” الحقيقية هي إنها تعيش لنفسها وبس.
أما كريم وسارة، ففضلوا واقفين قدام الشنط في نص الشقة، لا طايلين سفر ولا طايلين رضا الأم، وعرفوا إن اللي يبيع أمه عشان “، بيخسر كل حاجة في لحظة.
تمت بقلم مشيره محمد
جروب ليالى وشوشه للروايا