طفله صغيره

الجزء الثاني:
ساد الصمت في القصر للحظات طويلة بعد أن عانق آدم الطفلة.
لكن عقل «الذئب» لم يكن ساكنًا. كان يعمل بسرعة قاتلة.
لو كانت ليلى قد أرسلت ابنتها إليه… فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط:
كانت تعلم أن خطرًا كبيرًا يقترب منها.
ابتعد آدم قليلًا ونظر إلى نور بجدية.
— آخر مرة شفتي فيها ماما كانت إمتى؟
فكرت الطفلة قليلًا وهي تعبث بحزام حقيبتها.
— من أسبوعين… خرجت من البيت وقالت لي إن عندها موضوع مهم لازم تخلصه. كانت خايفة… بس حاولت تبتسم.
اشتدت ملامح آدم.
— قالت رايحة فين؟
هزّت نور رأسها.
— لا… بس ادّتني الورقة وقالت أحافظ عليها كويس.
رفع آدم رأسه ببطء نحو رجاله.
— اقفلوا البوابات… دلوقتي.
تحرك الحراس فورًا. لم يكن هذا مجرد أمر… بل إعلان حرب.
عاد آدم ينظر إلى الصورة المعلقة على الجدار. كانت ليلى تبتسم في اللوحة وكأنها تعرف كل ما سيحدث.
تمتم بصوت منخفض:
— ليه ما قولتيليش إنك حامل…
اقترب أحد رجاله الموثوقين، حسام، وقال بهدوء:
— يا باشا… تفتكر اختفائها له علاقة بأعدائنا؟
أجاب آدم دون أن يحرك عينيه عن الصورة:
— ليلى ما تختفيش كده… حد أخدها.
ثم نظر إلى نور مرة أخرى.
— حد مشي وراكي وإنتي جاية هنا؟
— لا… أنا مشيت بس.
تبادل الرجال النظرات. طفلة صغيرة قطعت شوارع القاهرة وحدها حتى وصلت إلى أخطر رجل فيها.
انحنى آدم أمامها مرة أخرى.
— من النهارده… مش هتكوني لوحدك أبدًا.
ثم حملها بين ذراعيه.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات يرى رجاله زعيمهم يحمل أحدًا بهذه الطريقة.
في تلك اللحظة دخل حارس مسرعًا إلى الصالة.
— يا باشا… لازم تشوف ده.
أعطاه جهازًا لوحيًا. ظهرت عليه صورة التقطتها كاميرات المراقبة قبل دقائق عند البوابة الخلفية للفيلا.
رجلان كانا يراقبان المكان من بعيد.
ضغط آدم على الشاشة، فتجمّدت الصورة على أحد الوجوه.
تغيرت ملامحه فورًا.
— مستحيل…
اقترب حسام ونظر إلى الصورة.
— تعرفه؟
أجاب آدم بصوت بارد:
— أيوه.
ثم أضاف ببطء:
— الراجل ده كان آخر واحد اتشاف مع ليلى قبل ما تختفي.
اشتدت قبضته حول الجهاز.
— جهّزوا العربية.
سأل حسام بدهشة:
— دلوقتي؟
رد آدم بلهجة لا تقبل النقاش:
— أيوه… لأن اللي أخدها مش عارف حاجة واحدة.
توقف لحظة ثم نظر إلى نور.
— إنه أخد الست الوحيدة اللي حبيتها… وأم بنتي.
ثم رفع عينيه نحو رجاله وقال:
— ودلوقتي… الكل هيعرف ليه بيسموني الذئب.
وبينما كانت سيارات الفيلا تنطلق في الليل، كانت نور تمسك بقميصه بيديها الصغيرتين.
ولأول مرة منذ اختفاء ليلى…
كان لدى آدم شيء يقاتل من أجله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *