لعـ،ـنه العين السوده لشروق خالد

جلس “آسر” أمام “ليلى” في المطعم، ملامحه هادئة وابتسامته خفيفة، وكأنه واثق من كل شيء حوله. قال وهو ينظر إليها بثبات:
“إحنا كده… على طاولة واحدة أخيرًا.”

ليلى لم ترد. عينيها كانت مثبتة على عنقه. شيء هناك شد انتباهها بقوة، شيء غير طبيعي تمامًا.
علامة سوداء، كأنها وشم… لكنها لم تكن ثابتة، بل تتحرك ببطء غريب، كأنها كائن حي.

بلعت ريقها وقالت بصوت متردد:
“آسر… هو إيه اللي على رقبتك؟”

رفع حاجبه باستغراب بسيط، ولمس عنقه:
“في إيه؟ مفيش حاجة.”

اقتربت أكثر دون وعي، وقلبها بدأ يدق بسرعة مرعبة. العلامة أصبحت أوضح… شكلها كأنها عين، تفتح وتغلق ببطء شديد.

همست:
“أنا شايفة حاجة…”

ابتسم. لكن ابتسامته هذه المرة لم تكن مريحة.
كانت مختلفة… كأنه كان ينتظر هذه اللحظة.

قال بصوت منخفض:
“أخيرًا… حد شافها.”

تراجعت ليلى للخلف بسرعة، وارتسم الخوف على وجهها:
“إنت بتقول إيه؟!”

مال آسر للأمام قليلًا، ونبرته أصبحت أعمق:
“الناس كلها شايفة الأمور طبيعية… إلا اللي يشوف الحقيقة.”

سكت لحظة، ثم أكمل:
“وانتي… شوفتي.”

فجأة، شعرت ليلى أن المكان تغير.
الأصوات اختفت، الناس تتحرك لكن بلا أي صوت… كأن العالم دخل في حالة صمت تام.

قالت وهي ترتجف:
“إيه اللي بيحصل؟!”

رد بهدوء مخيف:
“إنتي دخلتي عالمي.”

حاولت أن تبتعد، لكن عينيها عادت رغماً عنها إلى العلامة.
كانت تتحرك أسرع الآن… وكأنها تشعر بها.

قالت بصعوبة:
“دي إيه؟!”

أجاب:
“دي مش علامة… ده ختم.”

سألته وهي تحاول استيعاب ما تسمعه:
“ختم إيه؟”

نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال:
“ختم بيتحط على ناس معينة… ناس مش بشر بالكامل.”

سكتت، وكأن عقلها يرفض الفكرة، لكنه أكمل:
“طول عمري عايش وسط الناس، محدش بيشوفها… محدش غيرك.”

همست:
“أنا ليه؟”

اقترب أكثر، وصوته أصبح أخفض:
“عشان إنتي مش عادية.”

مرت الأيام، وليلى لم تستطع أن تبعد عنه.
الخوف كان موجود، لكن معه كان هناك فضول وجذب غريب لا تستطيع تفسيره.

وفي كل مرة تراه… العلامة تكبر.

وفي إحدى المرات، بينما كانت تنظر إليه، تجمدت في مكانها.
العلامة لم تعد مجرد شكل…
أصبحت عينًا كاملة.

عين تنظر إليها مباشرة.

صرخت دون وعي، فمد آسر يده وأمسكها بسرعة:
“اهدي… لو فقدتي السيطرة، هم هيلاقوكي.”

نظرت له بذعر:
“هم مين؟!”

قال وهو ينظر حوله بحذر:
“اللي حاطين العلامة.”

بدأت تلاحظ أشياء أخرى.
في الشارع… في المواصلات… في أي مكان.

بعض الناس، عندما تركز في رقابهم… ترى نفس العلامة.

لكنهم يتصرفون بشكل طبيعي تمامًا.

وهنا فهمت الحقيقة المرعبة…
هي لم تعد ترى العالم كما كان.

قالت له بصوت مرتجف:
“أنا مش عايزة أشوف ده…”

نظر لها بهدوء وقال:
“قدامك اختيار.”

سكتت، تنتظر.

“إما تنسي كل حاجة… وترجعي زي الناس.”

ترددت لحظة، ثم سألته:
“والتاني؟”

ابتسم ابتسامة خفيفة:
“تكملي… وتبقي جزء من العالم ده.”

همست:
“يعني إيه؟”

اقترب منها أكثر، وقال:
“يعني تبقي زيي.”

في تلك الليلة، وقفت ليلى أمام المرآة، تنظر لنفسها طويلاً.
قلبها يدق، وأنفاسها غير منتظمة.

رفعت يدها ببطء نحو عنقها…

وتجمدت.

هناك…
ببطء شديد…

بدأت تظهر نفس العلامة.

لكن هذه المرة…
لم تكن مجرد عين.

كانت تبتسم.

شهقت ليلى وتراجعت خطوة للخلف، إيديها بتترعش وهي بتلمس العلامة على رقبتها. كانت دافئة… كأنها نبض حي تحت جلدها.

بصت لنفسها في المراية مرة تانية، والابتسامة اللي في العلامة كبرت شوية… كأنها بتستمتع بخوفها.

همست بصوت مكسور:
“لا… لا… ده مش حقيقي…”

لكن فجأة، صوت آسر جه من وراها بهدوء:
“بدأت.”

لفت بسرعة، قلبها هيقف من الرعب:
“إنت إزاي دخلت هنا؟!”

ابتسم نفس الابتسامة الغامضة:
“أنا مابحتجش باب.”

قرب منها ببطء، وعينه على العلامة:
“دي مش لعنة زي ما فاكرة… دي صحوة.”

صرخت فيه:
“صحوة إيه؟! أنا بموت!”

مد إيده ناحية رقبتها، وقبل ما تقدر تبعد، لمس العلامة.
في اللحظة دي… جسدها كله اتجمد.

الدنيا حواليها اختفت.

وفجأة… بقت واقفة في مكان تاني.

ظلام… واسع… مالوش نهاية.

قالت وهي بتلف حواليها:
“إحنا فين؟!”

صوته جه من كل الاتجاهات:
“ده المكان الحقيقي… اللي ورا العالم اللي إنتي شايفاه.”

ظهرت قدامها ظلال… أشكال بشرية، لكن مش واضحة.
وكل واحد فيهم… عنده نفس العلامة.

لكن مختلفة.

في علامات بتبكي…
علامات بتصرخ…
وعلامات… زي علامتها… بتبتسم.

اتراجعت ليلى بخوف:
“دول إيه؟!”

رد آسر وهو بيظهر قدامها فجأة:
“دول اللي اختاروا يكملوا.”

بصت له بصدمة:
“اختاروا؟! يعني في ناس ماتت؟!”

سكت لحظة، وبعدين قال:
“في ناس ماقدرتش تستحمل.”

قلبها وقع:
“وأنا؟”

قرب منها أكتر، وصوته بقى أهدى:
“إنتي لسه قدامك فرصة.”

الظلال بدأت تقرب… ببطء.

وأصوات همس بدأت تملى المكان:
“شايفانا…”
“هي شايفانا…”
“خليها معانا…”

مسكت ليلى راسها وهي بتصرخ:
“كفاية!!”

وفجأة… كل حاجة سكتت.

رجعت تاني لأوضتها.

وقعت على الأرض وهي بتتنفس بسرعة، ودموعها بتنزل.

بصت لآسر وهو واقف قدامها كأن مفيش حاجة حصلت:
“ده مش طبيعي… أنا مش هقدر أعيش كده!”

قال بهدوء:
“عشان كده لازم تختاري بسرعة.”

سألته وهي بتبص له بتركيز لأول مرة:
“إنت اخترت ليه؟”

سكت… وبعدين قال:
“عشان كنت لوحدي.”

الجملة دي خلتها تسكت.

بصت في عينيه… لأول مرة تشوف حزن حقيقي ورا الغموض.

قال بهدوء:
“ولما شفتك… عرفت إنك زَيّي.”

قلبها دق بسرعة… لكن مش من الخوف المرة دي.

من حاجة تانية… إحساس غريب.

مرت لحظة صمت طويلة.

بعدين همست:
“ولو كملت… مش هبقى لوحدي؟”

ابتسم… ابتسامة صادقة المرة دي:
“لا.”

لكن فجأة…
نور الأوضة قطع.

والجو برد فجأة.

العلامة على رقبتها سخنت… جامد.

صرخت:
“آسر!”

لكن لما بصت…
ماكانش موجود.

بداله…

كان في حد تاني واقف في الضلمة.

شكله إنسان…
بس ملامحه مش واضحة.

وصوته خرج ببطء:
“هو ماينفعش يحميكي طول الوقت…”

اتجمدت مكانها.

الكيان قرب خطوة…
والعلامة على رقبتها بدأت تتحرك بسرعة مرعبة.

قال:
“إحنا اللي بدأنا العلامة… وإحنا اللي هنكملها.”

دموعها نزلت وهي بتقول:
“أنا مش عايزة…”

رد بصوت بارد:
“الاختيار خلص.”

وفجأة…
العلامة فتحت.

عين كاملة… في رقبتها.

لكن المرة دي…
مش بس بتبص…

كانت بتبص من خلالها. 😨

—

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *