خطوه خطوه لشروق خالد
“العصير يا فندم…”
صوته كان عادي، بسيط… لكن إيديه كانت بتترعش وهو بيحط الكوب قدامها.
رفعت عينيها ببطء… أول ما شافته، النفس اتخنق في صدرها.
“إنت؟…”
ابتسم ابتسامة مكسورة وقال بهدوء:
“أيوه… أنا.”
العريس بصّ بينهم باستغراب:
“في إيه؟ تعرفوا بعض؟”
سكتت… حاولت تلم نفسها، تمسك دموعها اللي خانتها:
“لا… مجرد… حد شبهه بس.”
الشاب ضحك ضحكة خفيفة كلها وجع:
“أنا مش شبه حد… أنا هو.”
العريس عقد حواجبه:
“ممكن حد يفهمني؟”
بصّت الأرض وقالت بصوت واطي:
“ده… كان زمان.”
رد بسرعة وكأنه مستني اللحظة دي من سنين:
“كان زمان؟ بس؟ ده أنا كنت عمري كله.”
العريس بدأ يتضايق:
“لو في كلام واضح قولوه.”
قرب الشاب خطوة، صوته بقى أهدى بس أخطر:
“أنا كنت بحبها… وهي كانت كل حياتي.”
اتوترت وقالت بسرعة:
“وخلص… كل حاجة خلصت.”
بص في عينيها مباشرة:
“خلصت؟ ولا إنتي اللي هربتي؟”
اتكسرت نبرتها:
“مكنش ينفع… أنت عارف.”
“عارف؟ أنا معرفش غير إنك سيبتيني من غير حتى ما تقولي ليه!”
العريس قام وقف:
“أنا مش فاهم حاجة! إنتي مخبية إيه؟”
صرخت وهي مش قادرة تستحمل:
“كنت بحبه!”
سكت المكان لحظة…
كملت وهي بتبص للعريس:
“بس أهلي رفضوه… وقالوا مستحيل أتجوزه… وأنا ضعفت.”
الشاب ضحك بمرارة:
“ضعفتي؟ ولا اخترتي الأمان؟”
دموعها نزلت:
“كنت خايفة… من كل حاجة.”
“وأنا؟ مكنتيش خايفة عليا؟!”
العريس بص للشاب بغضب:
“وأنت بقى؟ جاي تبوظ الفرح؟”
رد بهدوء غريب:
“أنا جاي أشتغل… بس القدر هو اللي جابني قدامها.”
وبص لها تاني:
“آخر مرة هسألك… ندمانة؟”
سكتت… قلبها بيخبط بعنف… عنيها بتترعش بين الاتنين.
العريس قال بحدة:
“جاوبي!”
بصت للشاب… وقالت بصوت مخنوق:
“أيوه… ندمانة.”
الشاب غمض عينيه لحظة، وكأن الكلمة دي كسرت آخر حاجة جواه.
فتح عينيه وقال بهدوء قاتل:
“بس أنا لأ.”
اتصدمت:
“إزاي؟”
“لأني اتعلمت… إن اللي يسيب بسهولة… يتنسي بسهولة.”
الكلمة نزلت عليها زي السكين.
العريس قال بحدة:
“خلاص كفاية! إنت تمشي من هنا حالاً.”
الشاب هز راسه:
“حاضر… أنا كده كده ماشي.”
وقبل ما يتحرك، بص لها آخر نظرة:
“متخافيش… مش هاجي في حياتك تاني.”
صوته كان هادي… بس مليان نهاية.
مشي… وهي فضلت مكانها، حاسة إن روحها هي اللي خرجت مش هو.
العريس قعد جنبها وقال ببرود:
“واضح إنك لسه هناك… مش معايا.”
مقدرتش ترد.
كل اللي قدرت تعمله… إنها تعيط في صمت، وهي بتدرك متأخر… إن بعض الاختيارات مبتتصلحش، حتى لو ندمنا عليها العمر كله.
—
“إنتي ليه ساكتة كده؟” سألها وهو شايل دموعها بعينه.
“مش قادرة… الكلام بيعجزني.” ردّت بخفوت، وهي تحاول تمسح أثر دموعها.
“إيه اللي حصل بجد؟ قوليلي، مهما كان.” هو قرب منها وحط إيده على كتفها.
“هو… هو خد مني كل حاجة… كل ثقتي، كل أماني.” صوتها كان بيتهدج، لكنها حاولت تبقى قوية.
“وبعدين؟ حصل أي حاجة… أي خطوة من عندكِ؟”
“حاولت… حاولت أكمل… لكن قلبي مش قادر ينسى.” قالت وهي تدفن وجهها في إيده.
“يعني لسه بتحبيه؟” سألها بصراحة، كأنها مش محتاجة تجيب على السؤال، بس محتاجة يسمعه.
“أيوه… لسه… وأكتر من قبل… بس مش عارفة أعمل إيه.”
هو تنهد بعمق، ووقف للحظة كأنه بيقيس الكلمات قبل ما يقولها: “تعالي ننسى… مش هو اللي هينسينا… إحنا اللي لازم نختار نكون أقوى.”
“إزاي؟ إزاي أقدر أنسى حد خد كل حاجة مني؟” صرخت، والدموع غزيرة.
“بلاش ننسيه… إحنا مش هننسى… بس هنتعلم نعيش بدون وجعه.”
سكتوا شوية… وكان الصمت أعمق من أي كلمة.
“وأنت… هتقدر؟” سألت بصوت مرتجف، عينيها مليانة خوف.
“أنا؟ هاجرب… كل يوم… خطوة خطوة… زي ما أنتِ هتعملي.”
“وإيه لو قلبي مش عايز ينسى؟”
هو ابتسم بحزن، وقال: “يبقى هنتعلم نحب نفسنا أكتر… ونخلي الجرح درس مش سجن.”
—
—
“حاسس إني خلاص قدرت أتنفس من غيره.” قالت وهي تبص له بعينين صافية، فيها قوة وسكينة.
“وأنا كمان… الألم اتحول لدروس… والجرح دلوقتي مجرد أثر.” قال وهو يمسك يدها بثبات.
“يعني… نقدر نكمل حياتنا من غيره؟” سألت بخفوت، لكن صوتها مليان أمل.
“أيوه… نقدر… ونبني حياتنا على اللي إحنا عايزينه مش على اللي خدوه منا.”
“حتى لو قلبي لسه بيرن باسمُه؟”
هو ابتسم وقال: “حتى لو… بس هنخليه مجرد صدى بعيد… مش هيقدر يسيطر علينا تاني.”
سكتوا لحظة… كانوا شايفين بعض… وفهموا إن الألم انتهى… والحياة بدأت تفتح لهم صفحة جديدة.
“تعالي نعديها سوا… خطوة خطوة.” قالت وهي تبتسم لأول مرة من غير دموع.
“خطوة خطوة… وكل يوم هنتعلم نكون أقوى.”
وابتسموا لبعض… وخرجوا من الماضي، ماسكين أيديهم… والمستقبل قدامهم مفتوح… مليان أمل، حب، وحرية.
–
