ابويا وامي
أبويا وأمي سلموا مفاتيح البيت النحاس لأختي في نص عزومة يوم الأحد، وكأنها “هدية السما”.. قالوا بكل بساطة إنها “محتاجة البيت أكتر مني”، وبصوا لي بنظرة فخر إني ساكنة في “شقتي الصغيرة” اللي على قدي، في حين إن البيت اللي بيوزعوه ده أنا اللي كنت شايلة حمله وسانده حيطانه بقالي عشر سنين من سكات. وقبل ما أوصل بيتي، لقيت رسالة من أمي بتأمرني فيها أدفع قسط التمويل العقاري -الـ 30 ألف جنيه- “زي ما أنا متعودة”، عشان “داليا” أختي تعرف تستقر وتفرش براحتها.
بقلم منــي الـسـيد رديت عليها بأربع كلمات بس: “اطلبي من صاحب البيت”. تاني يوم العصر، تليفوناتهم مابطلتش رن بصريخ وهستيريا.. ولما لقيت الأربعة واقفين قدام باب شقتي بيتحايلوا عليا أحل المصيبة اللي البنك كشفها فجأة، مديت إيدي من ورا “سلسلة الباب” بملف واحد وقلت لهم: “اقروا أول صفحة..” أنا “سارة”، عندي 32 سنة.. البنت “العاقلة”، اللي بتشيل الشيلة وبتدفع الفواتير. متوفرة على روايات و اقتباسات أما أختي “داليا”، فهي البنت اللي بتتدلع وبتاخد الهدايا. يوم الأحد اللي فات، أهلي أعلنوا إن البيت بقى ملك داليا. أمي “نازلي” قالت وهي مبتسمة: “أختك تستاهل”، وأبويا “منصور” اكتفى بهزة راس. بالليل، أمي بعتت لي: “ميعاد القسط جه، ابعتي الـ 30 ألف.” رديت ببساطة: “اسألي المالك الجديد.” يومين والبيت اتقلب، وأبويا بيكلمني وصوته بيترعش من الرعب.. سبت التليفون
يرن. التوتر بدأ من لحظة ما دخلت بيت أهلي في التجمع.. كنت جاية من شغل “المؤسسة التنموية” اللي بديرها، بلفحة وتعب اليوم على وشي. أبويا منصور كان عينه في ماتش الكورة قدام الشاشة الـ 65 بوصة اللي مالية الصالة. “أهلاً يا بابا،” قلتها بهدوء. رد بـ “همهمة” من غير ما يبص لي. “وصلتي يا سارة؟” أمي نازلي حتى مارفعتش عينها من الموبايل وهي بتسيف صور طقم الشاي الجديد. “اقعدي، بس بلاش تقفي قدام التلفزيون عشان أبوكي بيتفرج.” وقفت مكاني، حاسة إني خيال مآتة في بيت طفولتي. ريحة الفراخ المحمرة اللي كنت بحبها قلبت لي بطني. في اللحظة دي سمعت ضحكة “داليا” وهي قاعدة جنب جوزها “شريف”. متوفرة على روايات و اقتباسات …عندها 29 سنة بس لسه بتتصرف كأنها مراهقة مدلعة. رفعت شنطة ماركة براند غالية وقالت بتناكة: “بصي يا سوسو.. شريف جابها لي مفاجأة عشان بس يفرحني.” شريف -اللي شايف نفسه عشان من عيلة تقيلة- بص لي بصه استحقار وقال: “داليا هانم لازم تتدلع، دي ست الستات.” داليا كملت وهي بتهز الشنطة قدام عيني: “أكيد دي أغلى من مرتبك بتاع شهرين يا سارة.. قوليلي، لسه بتنقذي العالم بملاليم في الجمعية بتاعتك؟” ابتسمت بمرارة: “دي مؤسسة تنموية يا داليا، والمرتب مش هو الأساس.. إحنا لسه مخلصين إجراءات حماية بيوت ناس غلابة من الحجز.” ضحكت داليا ببرود: “حجز وبيوت؟ يا ساتر.. كآبة.” “بس بقى رغي،” صرخة أبويا وقفت كل حاجة وهو بيقفل التلفزيون. وقف وبص لنا بجدية خلت قلبي يقع في رجلي. “أنا وأمكم أخدنا قرار.. أنا بقالي 40 سنة شقيان، وبنينا البيت ده بعرقنا، وآن الأوان نرتاح ونأمن مستقبل عيالنا.” بص لداليا بحنية، وعينه عدت من فوقي وكأني هوا. “قررنا ننقل ملكية البيت ده لـ داليا وشريف، من أول السنة الجديدة.” الدنيا دارت بيا. “نعم؟” سألت بصوت مخنوق. نازلي هانم دخلت في الكلام بنبرة ناعمة: “يا حبيبتي ده الصح.. داليا محتاجة استقرار عشان تفتح بيت وتجيب لنا الأحفاد اللي مستنيينهم. وأنتي يا سارة ما شاء الله عليكي، مستقلة في شقتك الإيجار في وسط البلد.. هتعملي إيه ببيت 4 أدوار في التجمع؟” أبويا ختمها بكلمة زي الرصاص: “داليا محتاجة.. أنتي مش محتاجة.” قلت بذهول: “بس أنا بنتكم برضه! أنا اللي ساعدت.. أنا اللي شايلة..” نازلي قطعت كلامي بحدة: “ماتبقيش أنانية يا سارة! أنتي الكبيرة، وده واجبك تجاه أختك.. افرحي لها بدل ما أنتي باصة لها في اللي هيجيلها.” داليا وشريف كانوا بيحتفلوا، وأنا كنت بختنق بريحة الأكل والظلم. “أنا لازم أمشي،” قلتها وسحبت شنطتي وجريت. ركبت عربيتي الـ “لانسر” القديمة وفضلت أعيط..متوفرة على روايات و اقتباسات… هدموا كل حاجة في لحظة. مسحت دموعي وبدأت اتحرك، وفجأة الموبايل نور برسالة من نازلي. قلت يمكن بتعتذر؟ فتحتها لقيت المكتوب: “يا سارة، أبوكي نسي يقولك.. قسط البيت بكرة، ابعتي الـ 30 ألف جنيه زي كل شهر. البيت بقى ملك أختك وهي محتاجة مساندتك أكتر من الأول.. بلاش تتأخري عشان البنك ما يوجعش دماغ أبوكي.” قعدت في شقتي الضلمة، والرسالة قدام عيني. “زي كل شهر”.. “زي ما أنتي متعودة”. الجبروت وصل بيهم إنهم يطلبوا مني أدفع تمن البيت اللي طردوني منه عشان يهدوه لأختي اللي مابتعرفش تمسك مقشة. الحقيقة اللي هما مايعرفوهاش.. هي الحكاية اللي بدأت من 10 سنين. سنة 2015، لما أبويا خسر شغله في البنك بسبب قراراته الغلط، والبيت كان هيتحجز عليه فعلياً. يومها قعدوا يترجوني: “أنتي أملنا يا سارة.. مرتبك ثابت والبنك هيوافق بيكي.” خلوني أمضي على أوراق التمويل العقاري بصفتي “ضامن”.. بس الحقيقة إني كنت “المدين الأصلي”. لكن السر الأكبر.. إن مرتب الجمعية ده كان الستار بس. بقلم منــي الـسـيد أنا من أيام الجامعة كنت ببرمج “خوارزميات” لتحليل مخاطر البورصة، وبعت النسخة الأولى لشركة سويسرية بمبلغ ضخم. خبيت الفلوس، وعملت شركة عقارات وهمية اسمها “كاسكيد” مسجلة بره.. وخليت الشركة دي تشتري “مديونية” بيت أهلي من البنك. يعني بقالي 10 سنين، أنا “البنك” اللي أبويا بيخاف منه.. وأنا اللي بدفع الفلوس لنفسي عشان أحميهم من نفسهم. والنهاردة.. بكل بساطة، “وهبوا” ملكي لأختي. فتحت اللاب توب، وكلمت “المحامي مراد”، الوحيد اللي عارف السر. “أستاذ مراد.. الوقت جه. أهلي نقلوا الملكية لاسم أختي وجوزها من غير إخطار جهة التمويل.” مراد ضحك: “ده خرق صريح للعقد يا
فندم. من حقنا دلوقتي نطالب بكامل قيمة القرض فوراً،
نكـران الجميـل كـاملة بقلـم منـي السـيد
وإلا الحجز.” “القيمة كام؟” “بالفوايد المتأخرة.. حوالي 4 مليون جنيه.” قلت ببرود: “ابعت الإنذار فوراً.. ليهم، وللمالك الجديد داليا وزوجها شريف. عرفهم إن البنك قرر يسحب التسهيلات ويحجز على البيت خلال 30 يوم.” بعت لـ نازلي الرد الأخير: “اطلبي من المالك الجديد.. أنا مابقتش أدفع خلاص.” وقبل ما العاصفة تبدأ، قفلت تليفوني، وصبيت لنفسي كوباية شاي، وقعدت استمتع بالهدوء اللي بيسبق الانفجار.
بقلم منــي الـسـيد مراد المحامي سكت لحظة، وبعدين قال بصوته الهادي: “دي حركة يائسة يا بشمهندسة سارة.. هما مالهمش حق قانوني، فقرروا يغتالوا شخصيتك قدام الناس.” قلت له بتعب: “والخطة ماشية يا مراد.. هما بيحاولوا يكسروني بالفضيحة، وعاوزين يخلوا الموضوع عام وشخصي ومؤلم لأقصى درجة عشان أتراجع.” مراد سألني: “تحبي نعمل إيه؟ ممكن نبعت إنذارات قضائية بالتشهير..” قطعت كلامه وقلت بحسم: “لا.. الإنذارات مش هتنفع مع ناس بتلعب على المشاعر. اللي يواجه “نازلي هانم” لازم يواجهها بنفس سلاحها.. بس بالحقيقة.” قفلت السكة مع مراد، متوفرة على روايات و اقتباسات وقعدت أبص للموبايل وهو مش بيبطل رن. عمتي، خالي، حتى جيراننا القدام.. الكل بقى بيعاملني كأني “رَيّا وسكينة” العصر الحديث. أمي نازلي كانت شغالة “داية” في نشر الفتنة.. كانت بتكلم كل واحد وتعطّف قلبه بدموع تماسيح: “سارة اللي كبرناها وعلمناها، طلعت حية.. عاوزة ترمينا في الشارع وتستولي على البيت اللي شقينا فيه، بس عشان بقى معاها قرشين ومنصب في الجمعية.
” والناس طبعاً بتصدق الظاهر.. ومحدش سأل نفسه: “هي سارة جابت البيت ده منين؟ ولا هي كانت بتدفع القسط ده بصفتها إيه؟” يوم الجمعة الصبح، لقيت رسالة من “الشيخ عبد الرحمن”، إمام الجامع اللي في منطقتنا القديمة.. راجل وقور والكل بيحترمه. بعت لي يقول إنه زعلان من اللي سمعه، وإن “الجنة تحت أقدام الأمهات”، وعاوزني أروح أقعد معاهم في “جلسة صلح” عشان نلم الشمل. عرفت إن دي كانت “الضربة القاضية” من أمي.. جابت لي الكبير بتاعنا عشان تزنقني في خانة “العاقة”. رحت بيت أهلي في المعاد.. بس ما رحتش لوحدي. رحت ومعايا شنطة سودا فيها “تاريخ العيلة” اللي هما عاوزين يمسحوه. بقلم منــي الـسـيد دخلت الصالة، لقيت “نازلي” قاعدة وحاطة منديل على عينها، وأبويا “منصور” قاعد مكسور وراسم دور الضحية، وداليا وشريف قاعدين في ركن كأنهم غلاية بتغلي. والشيخ عبد الرحمن قاعد في النص بوشه البشوش. أول ما دخلت، أمي بدأت في المناحة: “أهي يا فضيلة الشيخ.. البنت اللي عاوزة ترمي أبوها وأمها في الشارع عشان تشبع غرورها.” الشيخ بص لي بهدوء: “يا سارة يا بنتي.. الدنيا فانية، والوالدين باب من أبواب الجنة.. ليه تعملي فيهم كده؟” أخدت نفس طويل، وقعدت بكل ثبات. فتحت الشنطة وطلعت أول ورقة.. كانت “إخطار الطرد” اللي جه لأبويا سنة 2015 قبل ما أنا أتدخل. قلت بصوت واضح: “يا فضيلة الشيخ.. أنا مش جاية أتخانق. أنا جاية أصحح تاريخ مزيف. البيت ده، كان هيضيع من 10 سنين بسبب قرارات بابا الغلط. البنك كان هيحجز عليه ويخرجهم في ملاءات السرير.” بصيت لأبويا اللي وشه بدأ يلون: “يومها، أنا البنت اللي بيقولوا عليها عاقة، هي اللي شالت الشيلة. أنا اللي رحت البنك، وأنا اللي سددت متوفرة على روايات و اقتباسات ، وأنا اللي عملت شركة “كاسكيد” عشان أشتري مديونية البيت من سكات عشان ما أجرحش كبرياء أبويا قدام الناس.” طلعت كشف حساب بالـ 30 ألف جنيه اللي كنت بدفعهم كل شهر من 120 شهر فاتوا.. “دي المبالغ اللي أنا دفعتها من شقايا وتصنيع برمجيات بعتها لبره، في حين إن الهانم والباشا كانوا بيصرفوا اللي وراهم واللي قدامهم على المظاهر الكدابة ولبس داليا.” الصمت نزل على الصالة كأنه جبل. الشيخ عبد الرحمن بدأ يلبس نظارته ويقرأ الورق بذهول. كملت وكلامي زي السكين: “ويوم الأحد اللي فات، بكل بساطة، قرروا يهدوا “تعبي” وشقا عمري لـ داليا وجوزها النصاب.. وكمان بعتوا يطلبوا مني أستمر في الدفع!” بصيت لـ شريف: “والأستاذ “خبير المال”، بدل ما يشكرني، كان بيعايرني بمرتبي الصغير وهو سارق فلوس عملاء شركته ومضيعها في “العملات الرقمية” وهيتسجن الصبح.” الشيخ عبد الرحمن ساب الورق من إيده وبص لأبويا وأمي بنظرة عتاب تقطم الرقبة: “يا أستاذ منصور.. الكلام ده صحيح؟ سارة هي اللي كانت شايلة البيت طول السنين دي؟” أبويا نكس راسه في الأرض ومطقش بكلمة. أمي حاولت تلم الموضوع: “يا فضيلة الشيخ، دي بنتنا برضه، والمفروض..” الشيخ قطع كلامها بحزم: “المفروض إنكم تتقوا الله في البنت اللي صانتكم وسترتكم! أنتم جيتوا تشتكوا لي من “عقوقها” وأنتم اللي أكلتم حقها بالباطل! ده مش بيتكم عشان توهبوه لـ داليا.. ده بيت “كاسكيد”، يعني بيت سارة بالقانون وبالدين وبالعرق.” قمت وقفت، وبصيت ليهم كلهم: “أنا مش عاوزة اعتذار.. ولا عاوزة أسجن شريف.. أنا بس جيت أقولكم إن “البنك” مابيهزرش. قدامكم 30 يوم.. يا تدفعوا الـ 4 مليون جنيه قيمة القرض اللي حلّ بسبب “البيع الباطل”، يا البيت هيرجع لصاحبه الأصلي.” نازلي صرخت: “إنتي بتطردينا يا سارة؟” رديت وأنا عند الباب: “أنا مابطردش حد.. أنا بس بطلت أكون “الوتد” اللي شايل ناس مابتحسش. البيت ده أمانة، وأنتم خنتم الأمانة.” خرجت من البيت وأنا حاسة بوزن جبل انزاح من على كتافي. الشيخ عبد الرحمن خرج ورايا وقال لي كلمتين مش هساهم: “يا بنتي، الحق أحق أن يُتبع.. وربنا هينصرك لأنك كنتِ “بارّة” وهما اللي بغوا عليكي.” بعد أسبوعين.. متوفرة على روايات و اقتباسات شريف اتقبض عليه فعلاً في قضية توظيف أموال، وداليا رجعت بيت أهلي تجر أذيال الخيبة. أما “نازلي هانم” و”منصور بيه”، فباعوا الأرض اللي كانوا مخبينها في البلد عشان يسددوا جزء من المديونية ويترجوني أوافق على “جدولة” للباقي. وافقت.. بس بشرط واحد: البيت يفضل باسمي، وهما يقعدوا فيه بـ “حق انتفاع” لغاية وفاتهم بس، وماحدش فيهم له حق يبيع ولا يرهن ولا حتى يغير كالون باب. دلوقتي، أنا بقعد في شقتي الصغيرة في وسط البلد، وببص لعربيتي الـ “لانسر” اللي لسه محتفظة بيها، وببتسم.. لأني عرفت إن القوة مش في كتر الفلوس، القوة في إنك تكون “صاحب الحق” اللي محدش يقدر يكسر عينه. تمت… بقلم
منــي الـسـيد