ماساه طفل

«أرجوك.. ما تح*رق*نيش تاني» — رجع أحمد قبل ميعاده من سفر الشغل، وسمع همسة استجداء خلت قلبه يقف. اللي شافه فوق قلب حياته كلها.
«أرجوك.. ما تح*رق*نيش تاني، المرة دي هبقى شاطر..»
الهمسة كانت ضعيفة لدرجة إنها تاهت في سكون البيت، بس هو سمعها بوضوح.
وقف متجمد في نص السلم.
من أيام وهو حاسس إن في حاجة غلط؛ إحساس غريب مش عارف يفسره، لا وهو في اجتماعاته في القاهرة ولا حتى في الطيارة وهو راجع. الإحساس ده كان ملاحقه زي ضله، لدرجة إنه قرر يختصر السفرية ويرجع من غير ما يقول لحد.
ودلوقتي فهم.
ما كانش ضغط شغل.. ده كان قلبه اللي بيحذره.
طلع السلم بسرعة لحد ما وصل لأوضة الغسيل، ولما فتح الباب، كل اللي كان فاهمه عن حياته اتهد في لحظة.
ابنه سامي، اللي عنده تمن سنين، واقف ساند ضهره على الحيطة وبيرتعش، قميصه مرفوع لفوق وشكله يقطع القلب.
وواقفة قدامه “منى” — مراته اللي متجوزها من أقل من سنة — وماسكة مكواة سخنة ومقرباها من جسم الولد.
أحمد ما نطقش في الأول.. عينه كانت بتسجل المنظر.
ندبات، حروق جديدة، علامات حمراء فوق علامات قديمة. الموضوع مش صدفة ولا حادثة؛ سطح المكواة كان نضيف تماماً، ما لمسش أي لبس.. لمس الجلد بس.
أخيراً صوته خرج: واطي، وهادي، بس مليان غضب يحرق.
«إنتي بتعملي إيه؟»
منى سابت المكواة من إيدها وقعت على الأرض برزعة عالية.
لثانية واحدة بان عليها الخوف، بس بعدها وشها قلب لهدوء مصطنع ومستفز.
«أحمد! رجعت بدري ليه؟ الموضوع مش زي ما إنت فاهم.. سامي كان بيعمل مشاكل، وإنت عارف إنه بيبالغ شوية من ساعة ما—»
قبل ما تكمل كلامها، سامي جرى على أبوه واترمى في حضنه وهو بيترعش..
واللي حصل بعد كدة خلى دم أحمد يتجمد في عروقه..
اللي حصل بعد كدة خلى دم أحمد يتجمد في عروقه..
سامي ما اكتفاش إنه استخبى في حضن أبوه، ده مسك إيد أبوه وبدأ يبوسها بهيستيريا وهو بيقول بصوت مكتوم: “أنا آسف يا بابا.. أنا اللي حرقت نفسي.. والله أنا اللي كنت بلعب بالمكواة.. متزعقش لطنط منى، هي كانت بتعلمني الصح!”
أحمد بص لمنى لقى نظرة التحدي والانتصار في عينها، وكأنها بتقوله: “شفت؟ أنا كسرته لدرجة إنه بيخاف مني وأنت واقف!”
في اللحظة دي، أحمد ما فقدش أعصابه، بالعكس.. هدوءه كان مرعب. شال سامي في حضنه وخرجه بره الأوضة، قعده في الصالة ووشوشه في ودنه: “سامي.. أنت راجل، والراجل ما بيخافش غير من ربنا. ادخل أوضتك واقفل على نفسك، وحقك هيرجعلك دلوقتي.”
دخل أحمد لمنى الأوضة، كانت لسه واقفة بتعدل شعرها قدام المراية بكل برود.
«أحمد، أنت كبرت الموضوع، الولد شقي ومحتاج شدة عشان—»
قاطعها أحمد بصوت زي الفحيح: «عشان إيه؟ عشان تطلعي عقدك عليه؟ المكواة دي اللي كنتي هتلسعيه بيها.. هي اللي هتنهي قصتك هنا.»
منى ضحكت بسخرية: «هتعمل إيه يعني؟ هتض*ربني؟»
أحمد رد بمنتهى الثبات: «لأ، أنا أرقى من إني ألمس واحدة زيك. بس أنا بلغت البوليس وأنا داخل من باب البيت لما سمعت صوته.. والتسجيل اللي في كاميرا أوضة الغسيل “المستخبية” اللي ركبتها قبل ما أسافر عشان قلبي كان حاسس، هو اللي هيتكلم.»
وش منى اتمسح منه اللون، وبدأت تتلعثم: «كاميرا؟ كاميرا فين؟ أحمد أنا كنت بهزر معاه..»
في اللحظة دي، جرس الباب رن.. كان البوليس.
أحمد ما بصش وراه وهي بتتسحل من البيت، دخل لأوضة سامي، قعد جنبه على الأرض، ورفع القميص براحة وهو بيبكي من قلبه على وجع ابنه. سامي بص لأبوه وقال ببراعة: «هي مشيت يا بابا؟ مش هترجع تاني؟»
أحمد حضنه بقوة وقال: «مشيت يا قلب بابا.. وما فيش مخلوق في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا فيا نفس.»
من يومها، أحمد كرس حياته لسامي، وعرف إن “البيت” مش جدران وستات بتطبخ، البيت هو الأمان.. ومنى خدت جزاءها في السجن، عشان تكون عبرة لكل حد يفكّر يكسر براءة طفل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *