الأوضة الحمرا** حكايات شروق خالد
الساعة كانت ستة الصبح لما قفل الزنزانة ١٤ اترزع وهو بيفتح. أرجون كان صاحي ومنتبه.
هو في راجل بيجيله نوم لما الحكومة تحدد له الساعة واليوم اللي هيموت فيهم؟
بقالها خمس سنين الكلمة دي مابتفارقش لسانه لدرجة إنها بقت حتة منه:
“أنا مقتلتش مراتي.”
بس محدش كان بيسمع.
لا المباحث.
لا المحكمة.
ولا حتى قرايبه اللي كانوا بيتفوا لما سيرته تيجي.
الصبح ده، ماصرخش.
ماترجاش حد يرحمه.
كل اللي عمله إنه بص للعساكر وقالهم: “خلوني أشوف بنتي بس مرة واحدة.”
العسكري الصغير بص الناحية التانية.
أما الظابط القديم فضحك ضحكة باردة وقال: “المحكوم عليهم بالإعدام ملهمش طلبات.”
شفايف أرجون اتهزت وهو بيقول: “عندها تسع سنين.. أنا ماحضنتهاش من تلات سنين.”
الطلب فضل يلف بين مكاتب وإمضاءات وأوراق باردة لحد ما وصل لمكتب مأمور السجن، اللواء دويدار.
راجل عنده اتنين وستين سنة.
قضى منهم أربعة وتلاتين سنة في مصلحة السجون.
شاف قتلة بيبكوا، وشاف مجرمين بيعملوا شرفاء، وشاف مظلومين بيموتوا بوشوش أهدى بكتير من وشوش المذنبين.
فتح ملف أرجون تاني.
البصمات على السكينة.
الدم على الجلابية.
والجار اللي حلف إنه شافه بيجري من البيت.
كل حاجة كانت راكبة على بعضها.
راكبة بالمسطرة.
وده بالظبط اللي كان مقلق دويدار.
المذنبين بيبان عليهم شكل تاني في آخر صباح ليهم.
فيهم اللي بينهار.
وفيهم اللي بيمثل.
وفيهم اللي بيلعن الدنيا.
لكن أرجون كان فيه في عينيه نظرة راجل اتدفن صاحي.
دويدار أمر وقال: “هاتوا البنت.”
على الساعة عشرة، عربية بوكس بيضا وقفت قدام باب السجن العمومي.
نزلت منها الأول أخصائية اجتماعية شكلها تعبان وشايلة ملفات في حضنها.
وبعدها نزلت بنت صغيورة ورفيعة، لcurrent_dateبسة فستان أصفر دبلان، وضفايرها متبهدلة، وحاضنة في إيدها عروسة قماش قريبة من قلبها.
آية.
عندها تسع سنين.
جسمها كان أصغر من مشيتها.
لأنها مكنتش بتمشي مشية عيال صغيرة.
كانت بتمشي زي حد عارف من بدري إن الدنيا ممكن تتهد فوق دماغه في ثانية.
المساجين اللي شافوها وهي معدية سكتوا.
العساكر بطلوا هزار.
حتي الأخصائية الاجتماعية كانت بتبص للبنت بقلق.. البنت اللي مدمعتش، ومسألتش ولا سؤال، ولا حتى اترعشت.
كانت بتمشي وبس.
أوضة الزيارة كانت ريحتها كلور وحديد وخوف قديم.
أرجون كان قاعد على التربيزة، الكلبشات في إيده، وبدلة السجن مبهدلة عليه وجسمه خسس فيها.
دقنه كانت طولت وبقت منكوشة.
ووشه كش.
بس أول ما آية دخلت، الراجل المحكوم عليه بالإعدام انهار.
مش بصوت عالي.
لأ، بشكل يوجع أكتر.
زي أب كان شايل آخر نفس في عمره بس عشان اللحظة دي.
“آية…”
صوته شرخ.
“يا قلب بابا.”
الأخصائية سابت إيدها.
آية مشيت ناحيته بالراحة.
مَجريتش.
مَبتسمتش.
مصرختش وتقول “بابا” زي الأفلام.
وصلت لحد عنده.
وبعدين حضنته.
أرجون غمض عينيه بوجع يخلي أعتى عسكري يبص في الأرض.
دفن وشه في شعرها كأنه كان عايز يموت جوه ريحتها ومش على حبل المشنقة.
قعدوا يجي دقيقة كاملة محدش نطق كلمة.
لا العساكر.
لا الأخصائية.
ولا حتى اللواء دويدار اللي كان واقف بيراقبهم من ورا الإزاز اللي بيشوف من ناحية واحدة.
بعدها آية بعدت شوية.
وقفت على طراطيف صوابعها.
ووشوشت أبوها في ودنه.
محدش سمع هي قالت إيه.
بس الكل شاف مفعول الكلمة عليه.
الدم هرب من وش أرجون.
عينيه برقت.
وجسمه كله بدأ يتنفض.
“لأ…” همس وهو مش مصدق “لأ.. مش ممكن يكون ده اللي حصل…”
آية هزت راسها.
بملامح جادة.
وثابتة.
ملامح أكبر بكتير من سنها.
أرجون قام وقف بسرعة لدرجة إن الكرسي اتقلب وراه.
اتنين عساكر جريوا عليه افتكروه هيعمل حاجة مجنونة.
بس هو مبصش للباب.
بص علطول على اللواء دويدار اللي ورا الإزاز.
وصرخ بصوت زلزل السجن كله:
“أنا مظلوم! هثبتلكم حالا! هاتوا القاضي! هاتوا وكيل النيابة! متموتنيش قبل ما تفتشوا الأوضة الحمرا!”
العساكر مسكوه من كتافه.
آية تبتت في دراعه زي قطة صغيرة بتدافع عن نفسها.
وصرخت: “متلمسوش بابا!”
دويدار دخل الأوضة.
وشه كان مقلوب.
“أوضة حمرا إيه؟”
أرجون كان بينهج كأنه كان بيجري في ماراثون.
“البيت القديم.. بيت حماتي.. ورا أوضة الصلاة.. مكنتش أعرف.. مكنتش أعرف إنها لسه موجودة.”
دويدار التفت للبنت.
“أنتي قولتي لأبوكي إيه؟”
آية رفعت راسها لفوق.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت، ظهرت على حقيقتها.
طفلة شايلة سر أتقل من جسمها الصغير.
“قولتله ماما شالت المفتاح فين.”
السكوت بقى يقطع الأنفاس في الأوضة.
“أمك؟” دويدار سألها.
آية هزت راسها.
“قبل ما تموت، قالتلي إياكي تدي المفتاح ده للراجل اللي لابس خاتم أسود. قالتلي مورهوش لبابا إلا لو في يوم حاولوا يموتوه من غير ما يسمعوه.”
أرجون طلع منه صوت كأن قلبه اتكسر نصين.
دويدار حس بقشعريرة باردة نازلة على ضهره.
لأن في ورق القضية، مراته “كريمة” مكنتش ست بتخطط لحاجة.
كانت مجرد ضحية.
ست اتقتلت في نوبة شك وغيرة من جوزها.
ميتة استخدموها عشان يقفلوا بيها القبر على جوزها.
بس الطفلة دي كانت بتتكلم كأن أمها كانت عارفة إن الموت جاي لها.
كأن كريمة سابت فخ للشخص اللي قتلها فعلاً.
“مفتاح إيه؟” دويدار سأل.
آية فتحت خياطة مقطوعة في العروسة القماش بتاعتها.
العساكر قربوا خطوة.
الأخصائية حطت إيدها على بقها من الصدمة.
من قلب العروسة، البنت الصغيرة طلعت مفتاح دهبي صغير.
قديم.
ورفيع.
ومربوط بخيط أحمر.
رفعته لفوق.
“ده.”
دويدار مد إيده بالراحة عشان ياخده.
آية سحبت إيدها لورا.
“مش ليك.”
الأوضة اتجمدت.
دويدار بحلق فيها: “ليه لأ؟”
عينيها كانت ناشفة.
باردة.
وتخوف.
“الأول عايزة أعرف لو أنت كمان معاهم.”
الكلمة نزلت زي القلم على الوش.
“مع مين؟” دويدار سأل وهو مستغرب.
آية لفت راسها وبصت للإزاز اللي بيشوف من ناحية واحدة.
مبصتش لأبوها.
ولا للعساكر.
بصت للناس اللي واقفة بتتفرج من الناحية التانية.
وبعدين شاورت بصباعها الصغير.
“الراجل ده جه بيتنا الليلة اللي ماما ماتت فيها.”
محدش بقى قادر يتنفس.
آية كملت كلامها: “وجه امبارح كمان.. وقالهم ملوش لزمة تراجعوا أي حاجة دلوقتي.”
كل الروس لفت تبص للإزاز.
ورا الإزاز، كان في خيال واقف مبيتحركش.
راجل محترم وله هيبة.
صاحب نفوذ وسلطة.
هو حلقة الوصل بين السجن والنيابة.
الراجل اللي إمضته كانت بتزق أرجون للمشنقة قبل ما الشمس تغيب.
في اللحظة دي، الخيال ده رفع إيده وحطها على الإزاز.
وتحت نور السجن الأبيض الواضح، فلاش الخاتم الأسود ضرب في عيون الكل.
حكايات شروق خالد
الراجل اللي واقف ورا الإزاز اتسمر في مكانه، وفي ثانية واحدة الأوضة كلها اتقلبت.
اللواء دويدار مبقاش شايف قدامه. ٣٤ سنة في الخدمة خلوه يشم ريحة المؤامرة من على بعد ميل، والمرة دي الريحة كانت جاية من جوه بيته.. من قلب النظام اللي بيحميه.
بص للعساكر وبصوت جهوري يرعب قال: “حفظ على المتهم والبنت هنا! محدش يتحرك من مكانه!”
خرج دويدار من أوضة الزيارة وراح لورا الإزاز. الراجل صاحب الخاتم الأسود — اللي هو “المستشار رفعت”، المحامي العام اللي كان بيشرف على القضية — كان بيحاول يلم حاجته بسرعة ووشه جايب ألوان، عرقان ويدوب هيتحرك ناحية الباب.
دويدار وقف قفل الباب بجسمه: “على فين يا سيادة المستشار؟ الزيارة لسه مخلصتش.”
رفعت حاول يجمع ثباته الانفعالي وقال بصوت لProperty هزت بس حاول يبان قوي: “أنت هتصدق كلام عيلة صغيرة يا سيادة اللواء؟ البنت دي أكيد حد محفظها الكلام ده عشان يعطلوا الحكم. الإعدام لازم يتنفذ في ميعاده، دي أوامر.”
دويدار بابتسامة باردة تخوف: “الأوامر دي تتأجل لما نرجع من مشوار صغير.. إحنا رايحين الأوضة الحمرا.”
في نفس الساعة، طلع بوكس حراسة مشددة فيه اللواء دويدار، والمستشار رفعت (اللي كان تحت التحفظ الفعلي بس من غير كلبشات تقديراً لمنصبه لحد ما يبان له أصل)، وأرجون اللي كان لابس بدلة الإعدام الحمرا وبيترعش من الأمل والخوف، وآية اللي كانت متبتة في عرستها القماش ورافضة تسيب دراع أبوها.
وصلوا البيت القديم.. بيت حماته. مكان مهجور بقاله سنين، التراب مغطي كل حتة، وريحة الموت والرطوبة مالية المكان.
آية مشيت بثبات، ودخلت لحد أوضة الصلاة اللي في آخر الممر. شاورت على دولاب خشب قديم ومكسور ورا سجاد الصلاة: “ورا ده.”
العساكر زقوا الدولاب بقوة، ورا الدولاب ظهر باب خشب صغير ومدهون باللون الأحمر الداكن.. “الأوضة الحمرا”. الباب كان مقفول بقفل حديد قديم ومصدي.
دويدار بص لآية، البنت طلعت المفتاح الدهبي الصغير من عرستها ومدت إيدها لدويدار: “أنت مش معاهم.. افتحه أنت.”
دويدار أخد المفتاح، حطه في القفل، ولفه.. القفل اتفتح بصوت تزييق عالي. زق الباب، ودخلوا ومعاهم كشافات.
الأوضة كانت عبارة عن مكتب صغير سري لكريمة (مراته الميتة). وعلى المكتب كان فيه جهاز تسجيل قديم وشرايط كاسيت، وجنبهم ملف ورق كبير.
دويدار فتح الملف.. كانت صدمة.
كريمة مكنتش ست عادية، كانت شغالة سكرتيرة في مكتب المستشار رفعت قبل ما تتجوز، وكانت كاشفة شبكة فساد ورشاوي وتهريب آثار هو راسها الكبيرة. ولما عرفت إنه ناوي يخلص منها، سجلت له كل حاجة بالصوت والصورة، وشالت المستندات هنا. ولما رفعت قتلها وبترتيب معقد لبس القضية لجوزها أرجون عشان يخلص من الاتنين بضربة واحدة، مكنش يعرف إن كريمة حكت السر لبنتها الصغيره وسابت لها المفتاح.
دويدار شغل شريط الكاسيت.. صوت رفعت وهو بيهدد كريمة بالقتل وصوت ضرب النار كان واضح زي الشمس.
دويدار لف وبص لرفعت اللي ركبه سابت ووقع في الأرض من الصدمة: “بقيت أنت المتهم يا سيادة المستشار.. وأرجون ياخد براءة.”
أرجون وقع على ركبه وهو بيبكي بحرقة، وصوته بيعلو بالحمد والشكر لله بعد خمس سنين قهر وظلم. آية قربت منه، وحضنته تاني، ولأول مرة من ساعة ما دخلت السجن، نزلت من عينيها دمعة واحدة.. دمعة فرحة وهي بتقول له: “ماما ارتاحت دلوقتي يا بابا.. وأنت هترجع معايا البيت.”
حكايات شروق خالد
على صوت عياط أرجون اللي كان بيهز حيطان الأوضة الضلمة، اللواء دويدار مشي ناحية رفعت، وبكل حسم قلع من إيده الخاتم الأسود ورماه في الأرض، وبص للعساكر وقالهم: “كلبشوا المتهم.. وخدوه على البوكس.”
رفعت وهو بيتسحل على الأرض والكلبشات في إيده كان بيصرخ: “مش هتلحقوا! الحكم مضا عليه وزير العدل! التنفيذ ميعاده كمان ساعتين! لو مات أرجون الورق ده ملوش قيمة!”
الكلمات دي نزلت زي المية الساقعة على قلب دويدار. رفعت كان بيتكلم صح؛ البيروقراطية والوقت كانوا هما العدو الحقيقي دلوقتي. الساعة كانت داخلة على واحدة الظهر، والتنفيذ ميعاده تلاتة العصر بالدقيقة.
دويدار مبقاش قدامه ثانية يضيعها. أخد الملف والشرايط، وبص لأرجون اللي كان لسه في الأرض وحاضن بنته: “أرجون.. اسمعني كويس. أنا هاخد البنت والورق ده وهطير على مكتب النائب العام في القاهرة. أنت هترجع السجن دلوقتي، بس مش عشان تتعدم.. عشان تستنى رجوعي.”
أرجون بص لدويدار بعيون مليانة رعب: “يا سيادة اللواء.. أرجوك متسبنيش ليهم، دول رجالة رفعت في كل حتة!”
دويدار حط إيده على كتف أرجون: “أنا هسيب معاك حراسة من رجالتي الخصوصيين اللي ببرقبتي.. مش هيلمسوك. آية هتيجي معايا عشان هي الشاهد الوحيد. ثق في الله.”
آية بصت لأبوها وهزت راسها كأنها بتطمنه، وقالتله: “أنا هروح مع عمو يا بابا.. خليك شجاع زي ما ماما قالت.”
المسافة من البيت القديم لحد مكتب النائب العام كانت محتاجة ساعتين على الأقل في الزحمة، ودويدار مبقاش معاه غير ساعة ونص. ساق عربية البوكس بنفسه، وفتح السارينة، وبقى بيشق شوارع المحروسة كأنه في سباق مع الموت. آية كانت قاعدة جنبه في الكرسي القدامي، حاطة العروسة القماش في حضنها ومبتتكلمش، عينيها على الطريق وكأنها بتزق العربية بعينيها.
في السجن.. الوقت كان بيمر زي السكينة.
الساعة بقت اتنين ونص.
المأمور البديل — اللي كان متواطئ مع رفعت ومن رجالته — دخل الزنزانة ١٤ ومعاه اتنين عساكر غُرب: “يلا يا أرجون.. ميعادك جه.”
أرجون وقف ورجع لورا: “اللواء دويدار قال محدش يلمسني! القضية اتفتحت تاني!”
المأمور البديل ضحك بـ خباثة: “دويدار مش هنا.. ومفيش ورق رسمي وصل بوقف التنفيذ. يلا يا روح أمك.. الحبل مستنيك.”
العساكر هجموا على أرجون وكتفوه، وبدأوا يسحبوه في الممر الطويل الضلمة ناحية غرفة الإعدام.. أوضة عشماوي. أرجون كان بيصرخ بكل ما فيه: “يا رب! يا رب المظلموم ملوش غيرك!”
الساعة بقت تلاتة إلا خمس دقائق.
أرجون واقف على طبلية الإعدام. الكيس الأسود اتحط على راسه، وعشماوي بدأ يلف الحبل حوالين رقبته. المأمور البديل كان واقف عينه على الساعة، مستني الدقيقة تيجى تلاتة بالظبط عشان يدي الإشارة وعشماوي يشد الدراع.
تلاتة إلا دقيقة..
وفجأة.. صوت فرامل عربية رزع بره الأوضة. الباب اتفتح بـ خبطة رجعت الصدى في المكان كله.
دخل اللواء دويدار وهو بينهج، وفي إيده ورقة رسمية ومكتوب عليها بالخط العريض والأحمر: **”أمر فوري بوقف تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضد المتهم أرجون Thakur وإعادة المحاكمة بناءً على ظهور أدلة جديدة.”**
المأمور البديل وشه اتقلب وبص لدويدار بغل: “أنت متأخر ثانية واحدة يا سيادة اللواء.. الإشارة طلعت خلاص.”
عشماوي كان لسه هيشد الدراع، بس دويدار طلع طبنجته وعمرها وبص لعشماوي: “لو صباعك اتهز، الطلقة دي هتبقى في دماغك.. سيب الدراع واقعد في الأرض!”
عشماوي رفع إيده لورا ورجع خطوتين. دويدار جري على الطبلية، شال الكيس الأسود من على وش أرجون، وفك الحبل من على رقبته. أرجون أغمى عليه من كتر الضغط والخوف ووقع في حضن دويدار.
بعد أسبوع..
المحكمة المستعجلة حكمت ببراءة أرجون من كل التهم المنسوبة إليه بعد شهادة آية وسماع شرايط التسجيل اللي فضحت شبكة الفساد كلها، واتقبض على المستشار رفعت والمأمور البديل بتهمة القتل العمد والتزوير واستغلال النفوذ.
على باب السجن العمومي.. الشمس كانت طالعة وجميلة.
أرجون خرج وهو لابس هدومه المدنية العادية بعد خمس سنين قهر. على بعد خطوات، كانت واقفة آية، الفستان الأصفر الدبلان اتمسح وبقى نضيف، وضفايرها مترتبة.
مَجِريتش عليه المرة دي كمان.. بس فتحت إيدها والعروسة القماش مكنتش معاها.. رمتها خلاص لأن السر اللي جواها اتكشف.
أرجون هو اللي جري عليها، وقع على ركبه وخدها في حضنه وهو بيعيط وبيقَبّل راسها وإيديها: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا قلب بابا.”
آية طبطبت على ضهره، ولأول مرة من خمس سنين، ضحكت ضحكة طفولية من قلبها وقالتله: “يلا نمشي يا بابا.. ماما مستنيانا في الجنة، وإحنا لازم نعيش.”
حكايات شروق خالد
أرجون قام وقف، وهو ماسك إيد آية ومبتتكلبش، كأنه خايف لو سابها ثانية واحدة الدنيا تسرقها منه تاني. مشيوا خطوتين ناحية الباب الخارجي للسجن، وفجأة أرجون وقف والتفت وراه.
اللواء دويدار كان واقف بعيد، ساند على عربية البوكس، بيراقبهم وباصص لهم بنظرة فخر وهدوء.. نظرة راجل عمل اللي عليه وشارك في إنقاذ روح بريئة من حبل المشنقة.
أرجون ساب إيد بنته للحظة، ومشي ناحية اللواء دويدار، ورفع إيده وضرب له تعظيم سلام (تحية عسكرية) بكل احترام وتقدير، ودموعه لسه على خده. دويدار ابتسم وهز راسه، وقرب منه وحط إيده على كتفه وقال بصوت دافي: “حمد الله على سلامتك يا أرجون.. ارجع لبيتك ولبنتك، وعوضها عن كل يوم عاشته وهي شايلة هم أكبر من سنها. البلد دي لسه فيها حق، ومبيضيعش طول ما فيه ناس بتدور عليه.”
أرجون رد بصوت مخنوق من التأثر: “جميلك ده فوق راسي ليوم الدين يا فندم.. أنت مأنقذتنيش أنا بس، أنت أنقذت طفلة كانت هتعيش يتيمة الأب والأم.”
آية قربت منهم، وبصت للقرية الكبيرة اللي حواليهم، ولأول مرة تحس إن الهوا نضيف ومفهوش ريحة كلور وحديد وخوف. بصت لدويدار وقالت له ببراءة: “شكراً يا عمو.. أنا هحكي لماما عليك لما أكبر.”
دويدار وطى لمستواها وطبطب على خدها: “العفو يا قلب عمو.. أنتي اللي بطلة، وأمك الله يرحمها كانت ست شجاعة.”
أرجون أخد بنته وركبوا عربية تاكسي كانت مستنياهم بره السجن. طول الطريق، آية كانت ساندة راسها على كتف أبوها، وعينيها مقفولة وهي بتتنفس براحة مكنتش حساها من سنين. أرجون كان بيبص من الشباك على الشوارع والناس والبيوت، وحاسس إن الدنيا رجعت لها الألوان تاني بعد ما كانت خمس سنين باللون الأبيض والأسود وبدلة الإعدام الحمرا.
وصلوا لمنطقتهم.. الحارة الشعبية اللي شهدت المأساة.
أول ما التاكسي وقف، الناس بدأت تطلع من المحلات والبيوت. الجيران اللي كانوا زمان بيتفوا على سيرته وبيقولوا عليه “القاتل”، وقفوا مكسوفين، وعينيهم في الأرض. بس أرجون مبصش لحد فيهم بـ غل؛ هو كان جواه سلام ونور مخليه مش شايف غير بنته وبس.
طلعوا السلم القديم، ووقفوا قدام باب شقتهم اللي كان متشمع بالشمع الأحمر طول السنين دي. أرجون طلع المفتاح الأصلي للشقة — اللي اللواء دويدار رجعهوله مع حاجته — وحطه في الكالون وفتح الباب.
عفرة التراب كانت مالية المكان، وكل حاجة واقفة في مكانها من ليلة الحادثة كأن الزمن وقف. أرجون دخل وبص على الصالة، وافتكر مراته كريمة وهي واقفة بتضحك وبتجهز الأكل. نزل على ركبه وبدأ يعيط، بس المرة دي مكنش عياط قهر.. كان عياط الفراق والاشتياق.
آية دخلت وراه، راحت على بلكونة الشقة، وفتحت الشيش.. دخل نور الشمس المالي الدنيا ملى الأوضة الضلمة كلها وطرد ريحة التراب والماضي. التفتت لأبوها وقالت له وبابتسامة منورة وشها:
“يلا يا بابا.. ننضف بيتنا سوا؟”
أرجون مسح دموعه، ووقف وهو حاسس بـ قوة جديدة بتجري في عروقه. بص لبنته وقالها: “يلا يا قلب بابا.. ننضفه ونبدأ من جديد.”
ومن اليوم ده، الشقة اللي شهدت أبشع جريمة وظلم، بقت المكان اللي اتولد فيه الأمل من تاني.. وبقت آية هي النور اللي نور حياة أرجون، والسر اللي عاش بسببه.
حكايات شروق خالد
مرت الشهور، والحياة بدأت ترجع لـ مجاريها بالراحة. أرجون رجع لشغله القديم في ورشة الخراطة، والناس في المنطقة لما عرفوا الحقيقة كاملة ومنشورات الجرايد نزلت بنشر براءته واعتذار رسمي من النيابة، بقوا يحاولوا يعوضوه ويتقربوا منه، بس أرجون كان قفل باب حياته على بنته وبس.
كل يوم بعد العصر، كان أرجون يقعد مع آية في الصالة يراجع معاها دروسها. البنت اللي عاشت سنين شايلة هم أكبر من الجبال، رجعت لضحكتها الطفولية، وبقت تروح مدرستها وهي رافعة راسها وسط زميلاتها.
وفي يوم جمعة، والشمس مالية الشقة، آية دخلت على أبوها الأوضة وهي ماسكة في إيدها كشكول رسم قديم.
قعدت جنبه على السرير وقالت له: “بابا.. أنا رسمت حاجة وعايزاك تشوفها.”
أرجون ابتسم وأخد الكشكول. فتح الصفحة، لقى رسمة بسيطة بخطوط أطفال: راجل طويل ماسك إيد بنت صغيرة، وفوقيهم في السماء ملاك أبيض بيطير وبيبتسم لهم، وجنبهم شجرة خضرا كبيرة مكتوب تحتها بخط آية الصغير: “عيلتنا الجديدة”.
أرجون حس بدمعة دافية هربت من عينيه، حضن آية جامد وقالها: “رسمتك جميلة يا قلب بابا.. أحلى رسمة شفتها في حياتي.”
آية بصت في عينيه وقالت ببراءة: “الملاك دي ماما يا بابا.. هي بتشوفنا دلوقتي ومبسوطة عشان إحنا سوا وعشان أنت بريء.”
في نفس اللحظة، جرس الباب رن. أرجون قام يفتح وهو بيتمسح دموعه.
أول ما فتح، لقى قدامه راجل لابس لبس مدني شيك، ووشه بشوش.. كان اللواء دويدار، بس المرة دي من غير البدلة الميري والرتب. كان طالع معاش قريب وجاي يزورهم.
أرجون وشه نوّر وقال بترحيب حار: “سيادة اللواء! يا ألف نهار أبيض.. اتفضل يا فندم، اتفضل.”
دويدار دخل وابتسم وهو شايف الشقة نضيفة والروح رجعت فيها: “خلاص يا أرجون، مبقاش في سيادة اللواء.. أنا بقيت عمك دويدار، راجل متقاعد وجاي يطمن على أبطاله.”
آية أول ما شافته جريت عليه وحضنته: “عمو دويدار!”
قعدوا مع بعض وشربوا الشاي، ودويدار حكى لأرجون إن المستشار رفعت والمأمور البديل وكل شبكة الفساد اتحكم عليهم بأحكام مشددة تشفي الغليل، وإن القضية بقت درس بيتنبه بيه في مصلحة السجون عشان مفيش مظلوم يتظلم تاني.
وقبل ما دويدار يمشي، بص لأرجون وبص لآية وقالهم: “أنا كسبت قضية كتير في حياتي يا أرجون.. بس إنقاذكم كان الجايزة الحقيقية اللي هقابل بيها ربنا وأنا مرتاح.”
أرجون وقف مع بنته في البلكونة وهما بيودعوا اللواء دويدار وهو ماشي في الشارع. آية حطت إيدها في إيد أبوها، وبصت للسماء الصافية، وحست إن الستارة نزلت خلاص على الكابوس القديم، وإن اللي جاي كله أمان ونور.
حكايات شروق خالد
ومرت السنين.. وآية كبرت وبقت شابة زي الفل، دخلت كلية الحقوق عشان تدافع عن المظلومين وتكون صوت لكل واحد مش قادر يتكلم، زي ما كانت وهي طفلة عندها تسع سنين.
وفي يوم تخرجها، كانت المدرجات مليانة ناس وأهالي بيسقفوا وفرحانين. آية كانت واقفة بالروب الأسود ومربع التخرج فوق راسها، وعينيها بتدور وسط الزحمة لحد ما لقطت الراجلين اللي صنعوا حياتها من جديد.
أبوها أرجون، اللي شعر راسه غزا الشيب بس وشه مليان رضا وفخر، وجنبه اللواء دويدار، اللي السن بان عليه وبقى ساند على عصاية، بس عينيه لسه فيها نفس النظرة الحامية والذكية.
أول ما آية استلمت شهادتها، مسكت المايك وبصت للجمهور وقالت بصوت قوي وواثق:
“الشهادة دي مش ليا لوحدي.. الشهادة دي لروح أمي اللي علمتني أقول الحق ومخافش، ولأبويا البطل اللي استمل القهر عشان يرجعلي، ولأعظم ظابط في مصر.. اللي علمني إن القانون اتعمل عشان يحمي المظلوم، مش عشان يدفنه صاحي.”
المدرج كله اتقلب بالتسقيف، وأرجون ومسح دموعه اللي نزلت من الفرحة، واللواء دويدار ابتسم وهو حاسس إن الزرعة اللي زرعها في وسط الضلمة والخوف، بقت شجرة كبيرة ومثمرة وهتضلل على ناس كتير.
بعد الحفلة، خرجوا التلاتة ومشوا في جنينة الجامعة. أرجون بص لبنته وقالها: “مبروك يا سيادة المستشارة.. أمك زمانها فخورة بيكي من فوق.”
آية حضنت دراع أبوها ودراع اللواء دويدار وقالتلهم: “يلا بينا نروح؟”
أرجون ابتسم وقال: “على فين؟”
آية بصت للسماء الصافية وقالت براحة وسكينة: “نروح لبيتنا.. البيت اللي مفيش فيه خلاص أي حزن، ولا أي خوف.”
ومشوا التلاتة مع بعض، خطوتهم ثابتة، والدنيا حواليهم منورة بالحق والعدل، بعد ما انتهت الحكاية اللي بدأت بـ وشوشة في أوضة إعدام، وخلصت بأجمل حقيقة ونور.
**الأوضة الحمرا**
حكايات شروق خالد