حكايه السطوح الجزء الثاني حكايات صافي هاني

الست صرخت واستخبت ورا الكنبة وهي بتضم الولد لبطنها بكل قوتها، وأمي جريت عليا ومسكت كتفي وهي بتترعش: “لو نزلتيلهم أو فتحتي الباب، أختك هتروح فيها.. والواد ده هيموت!”

​صوت الرزع تحت زاد، وباب البيت الخشب كان هيتكسر. نزلت السلم جري وأنا مش شايفة قدامي، دموعي وعياطي مخليين الدنيا ضلمة. وقفت ورا باب الشقة المأفول، ونفست بسرعة عشان أجمع صوتي وسألت: “مين؟ مين بيخبط كده؟”

​جالي صوت راجل خشن وحاد من ورا الباب: “افتحي يا مدام.. معانا إذن بتفتيش البيت. فيه بلاغ بوجود طفل خطف هنا من ست سنين، والتحريات جابتنا لحد هنا!”

​الدنيا لفت بيا. ست سنين؟ يعني الولد ده اتولد والشرطة بتدور عليه من يومها؟ وشيماء أختي كانت مستخبية فوق طول السنين دي وأمي مأكلة البيت كله وهم إنها مسافرة؟

​بصيت ورايا، لقيت أمي واقفة على أول درجات السلم، وشها أبيض زي القماش، ودموعها نازلة من غير صوت، وبتهز راسها بـ “لأ”.. لأ تفتحي.

​حطيت إيدي علىكرة الباب، وأنا بين نارين: أسلم أختي والطفل اللي بنتي مريم كانت بتموت من الجوع عشان تعيشه، ولا أرفض وأبقى شريكة في مصيبة أنا مش عارفاها؟ وأخيراً، أخدت نفس طويل، ولفيت المفتاح في الباب وفتحت..

أول ما الباب اتفتح، دخل ظابط ومعاه عساكر، عينيهم كانت بتلف في الصالة وبيدوروا في كل ركن بلهفة. الظابط بصلي وبص لأمي اللي كانت واقفة ورايا ومستسلمة تماماً، وقال بنبرة حازمة: “الطفل فين يا مدام؟ إحنا عارفين إنه هنا، وبلاغ الجيران أكد إن فيه حركة غريبة فوق السطوح بقالها فترة”.

​أمي نزلت راسها في الأرض وبدأت تعيط بحرقة، وقالت بصوت مكسور: “يا باشا، ده ابن بنتي.. شيماء بنتي مريضة تعبانة، والواد ده ملهاش غيره في الدنيا.. متخربوش بيتنا”.

​الظابط مقطعش كلامها، وشاور للعساكر يطلعوا السلم. جريت وراهم وأنا قلبي هيقف من الرعب، دخلوا أوضة السطوح وزقوا الباب. شيماء كانت قاعدة في الكورنر، بتصرخ صريخ يقطع القلب وهي حاضنة الولد، والكلابشات مكنتش لسه اتمسكت بس المنظر كان كفيل ينهي كل حاجة.

​العساكر أخدوا الولد من حضنها براحة وهي بتعافر وتصرخ: “يا مريم! يا فاطمة! الحقوني!”

​الظابط بص لأمي وبصلي وقال كلمته اللي نزلت عليا زي الصاعقة: “شيماء أختك مريضة نفسياً يا مدام.. وهي اللي خطفت الطفل ده من المستشفى وهو لسه لحم دمه من ست سنين بعد ما فقدت ابنها في الولادة.. أمك مكنتش بتحمي أختك بس، أمك كانت مخبية حقيقة تدمر عائلات كاملة عشان تداري على بنتها”.

​بصيت لأمي وأنا مش قادرة أصدق.. التضحية، الجوع اللي عاشت فيه بنتي مريم عشان تأكل الطفل، السنين اللي ضاعت من عمر شيماء فوق السطوح.. كل ده كان مبني على وهم وخوف من الحقيقة. شفتهم وهم واخدين شيماء وأمي، والبيت اللي كان مليان خير وصوت لمتنا، فضي في ثانية ومبقاش فيه غيري أنا وبنتي مريم.. واقفين في صمت الصدمة.

 

الظابط شاور للعساكر، وبدأوا يسحبوا شيماء اللي كانت بتصرخ صريخ يقطع القلب، ضوافرها كانت بتتغرس في الأرض وهي بتتحايل عليهم يسيبوا لها الولد، وأمي جثت على ركبها في نص الأوضة، بتبكي بحرقة وتلطم على وشها وهي بتقول: “يا رب استرنا.. يا رب أنا كنت بداوي كسر بنتي.. مكنتش أعرف إنها خطفاه، قالت لي لقته مرمي في الشارع والبوليس هيدبحها لو قفشها!”

​الظابط مالتفتش لكلامها، وأمر العساكر ياخدوا أمي وشيماء مع بعض. في اللحظة دي، مريم بنتي طلعت تجري على السلم، وشها كان أصفر وعينيها مليانة دموع، وقفت في وسط الزحمة وبصت للولد وهو في إيد العسكري، وقالت بصوت طفولي ومبحوح: “متعورهوش.. أنا كنت بجيب له أكلي عشان ميموتش.. هو صاحبي اللي في السر!”

​العسكري بكي من منظر مريم، والظابط طبطب على راسها وبصلي وقال: “بنتك أنقذت حياته يا مدام.. الواد ده كان هيموت من سوء التغذية فوق السطوح، لقمة العيش اللي بنتك كانت بتخبيها له تحت السرير هي اللي بقّت عليه لغاية النهاردة.”

​نزلت على الأرض، أخدت بنتي في حضني وقعدت أعيط بأعلى صوت عندي. شفت أمي وهي نازلة السلم مكسورة، الست البركة اللي كانت بتملى البيت خير، طلعت شايلة سر يهد جبال عشان تحمي بنتها المريضة، وشيماء اللي عشنا سنين فاكرينها مسافرة وناجحة في حياتها، طلعت عايشة في سجن اختياري فوق السطوح، ضيعت عقلها وعمرها ورا وهم.

​العربيات مشيت، وصوت السراين بدأ يبعد بالتدريج لحد ما اختفى تماماً.

​دخلت الشقة وأنا سانده على مريم، البيت اللي كان دايماً دافي وصوت أمي مالي أركانه، فجأة بقى واسع وضلمة وبارد. قعدت على الكنبة وبصيت للتلاجة المليانة خير، وللأطباق الزيادة اللي أمي كانت دايماً تغرفها وتقول “عشان لو حد جه فجأة”.. وعرفت وقتها إن الأكل ده مكنش لضيف الغفلة، ده كان لضيف السطوح.

​أخدت مريم في حضني، ونمت وأنا مكلبشة فيها، بعد ما فهمت السر اللي خسّس خدود بنتي، والسر اللي هد بيتنا كله في ليلة واحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *