​انتقام متنكر في فستان زفاف حكايات شروق خالد

ندى حمدي كان قدامها تلات ثواني بالظبط عشان تقرر: يا إما تفضل فقيرة، في أمان، ومحدش حاسس بيها.. يا إما تسحب أخطر راجل في مصر كلها من قلب جراج العربيات قبل ما السم اللي جرى في دمه يقضي عليه ويموته.
تلات ثواني بس.
ده كان كل الوقت اللي حيلتها بعد ما شافت السرنجة بتدخل في جنب رقبته بدم بارد.
كانت شايلة كيسين زبالة خارجة بيهم من باب المطبخ الوراني بتاع ملهى “السفير” في وسط البلد؛ مكان ساهر ومقفول على نفسه، مبيفتحهوش غير السياسيين، القضاة، رجال الأعمال الكبار، والناس اللي لابسة بدد غالية أوي وبيتكلموا بنبرة واطية قادرة تخرب بيوت وتضيع حيوات في ثانية. كانت الساعة قريبة من نص الليل. مية المطر كانت نازلة على الحيطان الخرسانة بتاعة الجراج الأرضي وعاملة خطوط فضية وسخة. اللمض فوق كانت بتزن، ونورها أصفر وضغيف، ومخلية كل عربية مركونة شبه الجري..مة المتروكة.
ندى كان المفروض تلف وترجع.
كانت عارفة كده كويس.
شغالة وويتر بتأخد ملاليم في الساعة مش المفروض تقف في طريق رجالة لابسة جوانتي جلد أسود وراكبين عربيات مرسيدس من غير نمر. واحدة وراها إيجار شقة متأخر، ووصل كهرباء مهددة بسببه النور يقطع عنها، وأختها الصغيرة اللي عندها تسع سنين وعيانة نايمة في أوضة وصالة في بولاق الدكرور.. مابتختارش الشجاعة. بتختار تعيش وبس.
بس الراجل اللي لابس البدلة الكحلي التفصيل ده طلع صوت.
مش صرخة، ولا رجاء. مجرد نفس مكسور ومخطوف وركبه بتخبط في الأرض الرخام.
الراجلين الغرب كانوا واقفين فوق راسه. واحد طويل وأشقر وفي قطف في حاجبه، والتاني شعره أبيض وشايب، ووشه هادي لدرجة باردة تزهق. ندى اتسمرت مكانها ورا عمود خرسانة كبير، وأكياس الزبالة اتزحلقت من إيديها. شافت الراجل أبو شعر شايب بيحط صباعين على رقبة الراجل اللي واقع على الأرض.
قال ببرود: “لسه عايش.”
الأشقر شتم وقال: “عزت مش هيعجبه الكلام ده.”
أبو شعر شايب رد عليه: “عزت قال بلاش نضيع رصاصة هنا.. الجرعة دي هتقضي عليه وتخلصه قبل الشروق.”
بعد كده سحلوه بين عربيتين جيب مركونين، وراموه في ضلمة سلم الطوارئ، وكأنه كيس زبالة ملوش أي قيمة.
ندى كان لسه ممكن تمشي وتنفد بجلدها.
كان ممكن تعمل نفسها مشايفاش حاجة. تطلع فوق، تبصم خروج، تشتري دوا “ليلى” وهي راجعة البيت، ومتقولش كلمة واحدة عن الليلة دي طول عمرها. محدش كان هيرف، ومحدش كان هيلومها. في زحمة القاهرة، الناس بتعيش وتكبر لما توطي عينيها في الأرض وتفوت.
في اللحظة دي، النور والبرق ضرب في فتحة الجراج، ونور وش الراجل الغريب.
شكل سنه تمنية وتلاتين أو أربعين سنة. فك حاد ومحدد، شعر أسود مبلول بماء المطر. وش معمول عشان يأمر وينهي، بس دلوقتي كان هربان منه الدم وخالي من أي لون. ونقطة دم صغيرة كانت بتسيل من مكان غزة السرنجة في رقبته.
عينيه اتفتحت لثانية واحدة بس.
كانت عينين رمادي، باردة، وفيها كمية وعي ورعب تخوف.
جسم ندى اتحرك قبل ما عقلها يفكر حتى يوقفها.
جريت عليه، ونزلت على ركبها، وضربت خده براحة: “يا فندم؟ سامعني؟”
إيده اتنفضت فجأة وقبضت على معصم إيدها.
رغم إنه كان شبه ميت، بس قفشته كانت زي الحديد.
طلع صوت طالع بالعافية ومبحوح: “بلاش… مستشفى.”
“إيه؟”
“مستشفى لأ.”
وبعدها عينيه قلبت وغاب عن الوعي.
ضربات قلب ندى كانت سريعة وقوية لدرجة إنها كانت سامعة دقاتها في ودنها. بصت ناحية المخرج اللي الراجلين اختفوا منه، وبصت لكاميرا المراقبة اللي فوق الأسانسير ولمحت إنها ملفوفة الناحية التانية.. مقصودة.
أياً كان الراجل ده مين، ففيه حد قاصد يمحيه من الدنيا في صمت وبدون شوشرة.
وندى، بغبائها، بقت هي اللي لمسة الجث..ة دلوقتي.
عملت الحاجة الوحيدة اللي القهر والفقر علموهالها: اتصرفت بسرعة. سرقت قفص غسيل كبير من ممر الخدمة، وحشرته جواها بقوة مكنتش تعرف إنها عندها، وغطته بملايات وترابيزات متوسخة، وزقته برة منطقة الشحن وهي بتدعي ربنا إن فرد الأمن اللي على البوابة ميبصش أوي.
ومبصش فعلاً.
المطر كان نازل أشد لما دخلته الكنبة الورا لـ عربيتها الفيات القديمة المصدية. مرتين وهي سايقة في الطريق، شكت إنه قطع النفس. مرتين تمد إيدها المترعشة لورا وتلمس نبضه لحد ما تحس بدقة خفيفة بتصارع.
هي ساكنة في الدور الثالث فوق محل رهن مقفول، في منطقة في بولاق أصوات السارينات فيها عادية لدرجة إنها بقت خلفية للمكان. على ما سحلته وطلعت بيه الشقة، كانت إيديها ورجليها بيترعشوا من التعب، وجزمتها غرقت مية، وقميص الشغل الأبيض بتاعها كان غرقان من دمه.
ليلى كانت نايمة جوة في الأوضة، حاضنة دبدوبها، وقزازة دوا الكلى محطوطة على الكومودينو.
ندى نيمت الراجل الغريب على الكنبة القديمة اللي بتتفرد. طهرت مكان السرنجة بكحول، وحطت كمادة مية ساقعة على دماغه. كانت بتطمن على نفسه كل عشر دقائق. منامتش ولا دقيقة.
الساعة خمسة وسبعتاشر دقيقة الصبح، صحي.
ندى كانت واقفة في المطبخ الصغير، ماسكة مج قهوة ملمستهوش بشفايفها، لما سمعت سوست الكنبة بتزيق.
لفت وراها.
الراجل كان قاعد صلب طوله، ساند إيد على الحيطة، وعينيه بتلف في الشقة كلها كأنه بيعد المخارج، الأسلحة، ونقاط الضعف. الراجل اللي كان شبه جث..ة من ست ساعات، دلوقتي بقا شبه ديب صاحي جوة قفص.
سأل بنبرة جافة: “أنا فين؟”
ندى بلعت ريقها: “في شقتي.”
نظرة عينيه ثبتت على وشها: “أنتي مين؟”
“ندى حمدي. بشتغل في ملهى السفير. شفت راجلين بيأذوك.. وجبتك هنا.”
سكوت مرعب ملى المكان.
بعدها قال: “كلمتي حد؟”
“لأ.”
“حد مشي وراكي؟”
“مظنش.”
عينيه ضيقت: “شفتي وشوشهم؟”
ندى ترددت لثانية.
وفي التردد ده، حاجة جواه اتقلبت. ملامحه ملقيتش، بالعكس، دي حدت أكتر وبقت تخوف.
وزعق بهدوء قاتل: “أنا سألتك سؤال.”
همست وجسمها بيلف: “أيوة.. وواحد منهم قال اسم.. عزت.”
الراجل ثبت في مكانه تماماً ومتحركش.
الشقة الضيقة والفقيرة فجأة حسوا إنها صغرت عليهم والحيطان بتقرب. صوت المطر كان بيخبط في الشباك. ومن جوة الأوضة، طلع صوت كحة صغيرة وتعبانة من ليلى.
الراجل الغريب بص ناحية الصوت.
ندى وقفت قدام باب الأوضة بغريزة أم حامية.
لأول مرة، عينيه ظهر فيها حاجة تانية غير الشك.. مش طيبة، لسه بدري عليها، بس معرفة صدمتها.
“معاكي عيلة جوة؟ طفلة؟”
“أختي الصغيرة.”
رجع بص لندى تاني، ولما نطق المرة دي، صوته كان واطي لدرجة تجمد الدم في العروق:
“أنا اسمي سليم الأنصاري.. لو ليكي في البلد دي، فأكيد عارفة الاسم ده معناه إيه.”
ركب ندى كانت هتخون وتجيبها الأرض.
مين في مصر ميعرفش الاسم ده؟
سليم الأنصاري كان الاسم اللي الناس بتهمس بيه في البيوت، المحاكم، أقسام الشرطة، والمكاتب المدارية. الراجل اللي مفيش مخلوق يقدر يلمسه. الراجل اللي يخلي ملايين تختفي في ثانية، ويخلي دكاترة وظباط ينسوا الأسئلة اللي كانوا هيسألوها.
هي منقذتش راجل غريب وخلاص.
هي مخبية زعيم المافيا ورجل الأعمال الأخطر في مصر جوة بيتها.
سليم قام وقف بالراحة، لسه وشه شاحب، ولسه مش متزن، بس وهو واقف على رجليه كان يرعب أكتر من أي راجل ماسك طبنجة في إيده.
قال وعينيه مسبتة في عينيها: “اسمعي اللي هقولهولك كويس.. الرجالة اللي سابوني في الجراج دول شغالين مع عزت الجيار، الشخص الوحيد في البلد دي اللي اتغري في نفسه وافتكر إنه يقدر ياخد مكاني ويقعد على كرسيي.”
صوابع ندى اتلفت حوالين أكرة الباب اللي ورا ضهرها بقوة.
سليم بص تاني ناحية الأوضة اللي فيها أختها، وكمل كلامه ونبرته بقت أشد:
“وعشان أنتي أنقذتيني… عزت مش هيشوفك واحدة بريئة ملهاش ذنب. عزت هيشوفك خيط ودليل لازم يتمحي.”
ندى همست برعب: “يعني إيه؟”
سليم قرب منها خطوة، وبص في عينيها مباشرة وقال:
“يعني يا ندى.. لو عرفوا أنا فين، مش هيجوا عشاني أنا بس…” نظرة عينيه بقت حجر: “دول هيجوا لأختك الصغيرة الأول، وهتكون هي التمن.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *