حماتي باعت مستقبل عيالي حكايات انجي الخطيب
فلوس شقة العيال هتتصرف على تشطيب المصيف بتاعي
ما إنتِ عايشة معانا أصلًا!
قالتها الحماة، أمينة هانم، وهي تقعد بتقلها على الكرسي الخشب اللي في المطبخ.
عدلت طرف الكارديجان الصوف اللي لابساه، وحطت إيديها التخان على الترابيزة، وبصت ل ندى بنظرة كلها تحكم وتملك نظرة ست متعودة إن كلامها هو اللي يمشي على الكل.
كانت الترابيزة متغطية بمفرش بلاستيك عليه رسومات عباد شمس.
ندى هي اللي اشترته من شهر، بعد ما القديم اتقطع وبقت أطرافه بتتفرت.
ندى نفضت الميه من على صوابعها ببطء.
ضهرها كان واجعها من كتر الوقفة قدام الحوض وهي بتغسل المواعين.
ابنها الصغير كان نايم في الأوضة اللي جوه، أما الكبير فكان بيلعب بعربية نقل بلاستيك فوق أرضية الباركيه في الطرقة.
الأرضية دي
هي وجوزها اللي ركبوها بإيديهم.
لوح ورا لوح.
كانوا بيقيسوا كل حتة بالمتر والميزان عشان تطلع مظبوطة.
زي كل حاجة في الشقة دي.
ندى مسحت إيديها في فوطة المطبخ، ولفت تبص لحماتها من غير كلام.
الشقة دي ماكنتش جاهزة ولا متشطبة لما جم فيها.
كانت خرابة حرفيًا.
هي وجوزها شالوا الطوب، ودهّنوا الحيطان، وركبوا المطبخ بالقسط، وجابوا العفش حتة حتة على قد مقدرتهم.
حتى النجفة اللي فوق السفرة، ندى كانت شايفاها
رفاهية واستنت عليها شهور.
ورغم كل ده
أمينة هانم كانت بتتكلم دلوقتي وكأن كل اللي في البيت ملكها لوحدها.
يعني إيه فلوس شقة العيال هتروح للمصيف؟
قالتها ندى أخيرًا بصوت هادي هدوءه أخطر من العصبية.
الحماة رفعت حواجبها باستنكار.
مالها الدهب يعني؟
أنا طول عمري بصرف عليكم، والبيت اللي قاعدين فيه ده بيت ابني.
والمصيف بتاعي السقف فيه بيخر، ومحتاج يتظبط قبل الصيف.
ندى بلعت ريقها بالعافية.
دي فلوس مستقبل الولاد يا طنط إحنا ناويين نحجز بيها شقة صغيرة باسمهم.
أمينة هانم ضحكت ضحكة ناشفة مستفزة.
شقة إيه بس يا حبيبتي؟
إنتوا ناقصكم إيه هنا؟
ولا هو بعد ما قعدتوا معايا بقيتوا فاكرين نفسكم أصحاب البيت؟
الكلمة نزلت على ندى زي الكف.
بصت حواليها
للمطبخ اللي اختارت سيراميكه بنفسها،
للستاير اللي خاطتها على الماكينة القديمة بتاعتها،
للحيطة اللي لسه فيها أثر لون الدهان على صوابعها.
كل ركن هنا كان فيه حتة من عمرها وشقاها.
وبرضه
في نظر حماتها، هي مجرد قاعدة عندهم.
ندى سكتت.
لكن جواها كان فيه حاجة بتتكسر بهدوء.
وفي اللحظة دي
دخل جوزها من باب الشقة، وهو لسه راجع من الشغل، ومش دريان إن كلمة واحدة بس كانت كفاية تولّع البيت كله.
….. أحمد دخل الشقة وهو شايل كيس خضار في إيده، ووشه مرهق من يوم شغل طويل.
أول ما حس بالتوتر، بص بين أمه ومراته باستغراب.
مالكم؟ في إيه؟
أمينة هانم سبقت ندى بالكلام، كعادتها.
اسأل مراتك يا حبيبي بقت تحاسبني على اللقمة اللي باكلها في بيتي!
ندى غمضت عينيها للحظة.
كانت عارفة اللعبة دي كويس قلب الحقائق، ولعب دور الضحية.
أحمد حط الكيس على الترابيزة وقال بتنهيدة
يا جماعة براحة شوية حصل إيه بس؟
الحماة شبكت إيديها قدام صدرها وقالت بنبرة كلها مرارة مصطنعة
قولت آخد فلوس دعم الشقة بتاع العيال أصلّح بيها سقف المصيف بدل ما يقع علينا الصيف الجاي تقوم مراتك عاملة لي فيها صاحبة أملاك.
أحمد سكت ثانيتين، وبص لندى.
وإنتِ قولتي إيه؟
ندى ردت بهدوء وهي بتحاول تمسك دموعها
قولت إن الفلوس دي مستقبل ولادنا وإننا متفقين من الأول نستخدمها في شقة باسمهم.
الحماة ضربت بإيدها على الترابيزة.
شقة إيه تاني ياختي؟
ما إنتوا قاعدين هنا مرتاحين!
ولا عاجبكم تاكلوا وتشربوا ببلاش؟
ندى حسّت الدم بيغلي في عروقها.
ببلاش؟
إحنا بندفع كل حاجة يا طنط.
الكهربا والنت والأكل وحتى تجديد البيت كله إحنا اللي عاملينه.
أمينة هانم ضحكت بسخرية.
يا سلام! يعني هتمنّنوني؟
ده بيت ابني، ولو مش عاجبك الباب يفوّت جمل.
الجملة وقعت في قلب ندى كأنها طعنة.
أحمد اتحرك أخيرًا بعصبية
أمي! كفاية كلام بالطريقة دي.
الحماة بصتله بصدمة.
نعم؟
بقيت بتعلي صوتك عليا عشانها؟
ندى قامت من مكانها بهدوء غريب.
الهدوء اللي بييجي قبل القرار الكبير.
دخلت أوضتها، وفتحت الدولاب، وطلعت ملف أزرق قديم.
رجعت وحطته قدام أحمد.
افتح وشوف.
أحمد فتح الملف باستغراب.
جواه كانت كل الفواتير
إيصالات السيراميك، والدهانات، والمطبخ، والأجهزة، وحتى أقساط الباركيه.
وكلها باسم ندى.
الحماة اتكلمت بسرعة وهي متوترة
وإيه يعني؟ دي حاجات للبيت!
ندى بصتلها لأول مرة من غير خوف.
لا دي حاجات أنا دفعت تمنها من شغلي ومرتبي ودهبي اللي بعته.
ولما كنتِ بتقولي للناس إن ابنك هو اللي مجهز البيت كنت ساكتة احترامًا له.
بس واضح إن السكوت اتفهم غلط.
أحمد كان ساكت تمامًا وهو بيقلب في الورق.
ندى كملت بصوت مكسور لكنه ثابت
أنا عمري ما اعتبرت نفسي ضيفة هنا بس واضح إن حضرتك طول الوقت شايفاني كده.
الحماة قامت واقفة بعصبية.
يعني إيه؟ هتعملي إيه يعني؟
ندى خدت نفس طويل.
وقالت الكلمة اللي محدش في البيت كان متوقعها
هنمشي.
الصمت نزل على المكان فجأة.
أحمد رفع راسه بسرعة
نمشي فين؟
ندى بصتله بعين مليانة تعب سنين.
لأي مكان نحس فيه إننا أصحاب بيت مش ناس متشعلقين في سقف حد كل شوية يفكرنا بفضله.
أمينة هانم شهقت
بعد كل اللي عملته عشانكم؟!
ندى ردت بهدوء
لمحة نيوز
قاتل
المشكلة إنك طول الوقت شايفة إنك عاملة فينا جميل
مع إننا كنا بنبني حياة، مش بناخد صدقة.
وفي اللحظة دي
رن موبايل أحمد.
رد وهو متوتر، وبعد ثواني وشه اتغير فجأة.
ندى اتخضت
في إيه؟
أحمد بلع ريقه وقال بصدمة
صاحب الشقة اللي كنت مقدم عليها من سنة
بيقول إن التمويل اتوافق أخيرًا، والشقة جاهزة للاستلام.
ندى فضلت باصة لأحمد كأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
إيه؟
يعني الشقة بقت بتاعتنا فعلًا؟
أحمد هز راسه ببطء، ولسه الصدمة على وشه.
أيوه بيقول لازم نروح نمضي العقود الأسبوع ده.
أمينة هانم قامت من مكانها بسرعة، والقلق بان لأول مرة في عينيها.
شقة إيه دي؟
وإنت كنت مخبي عليا؟
أحمد اتنهد وهو بيقفل الموبايل.
ماكنتش حابب أقول غير لما كل حاجة تتم عشان ماحدش يضغط علينا.
الحماة قربت منه بانفعال.
يعني إيه تمشوا؟!
وهتسيبني لوحدي هنا؟
ندى ضحكت ضحكة خفيفة كلها وجع.
لوحدك؟
هي أول مرة تحس إن الكلمة دي معناها صعب؟
سنين وهي عايشة في البيت ده تحاول تكسب رضا الست اللي قدامها.
تطبخ اللي تحبه، وتستحمل كلامها، وتعدي الإهانات بحجة الكبيرة بركة.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير
أمينة هانم ماكنتش عايزاهم يقفوا على رجلهم.
كانت عايزاهم محتاجين لها طول الوقت.
عشان تفضل صاحبة الكلمة وصاحبة الفضل.
أحمد قعد على الكرسي ودفن وشه بين إيديه.
أنا تعبت والله تعبت.
أمه بصتله بصدمة.
تعبت من إيه يا ابن بطني؟
أنا اللي ربيتك وكبرتك!
رفع راسه وبصلها لأول مرة بنظرة مختلفة.
وربيتيني على إن الرجولة مسؤولية مش إن مراتي تتحمل إهانة كل يوم وتسكت.
الصمت ملأ المطبخ.
حتى صوت العربية اللعبة بتاعة ابنهم وقف.
الولد كان واقف عند الباب، باصص عليهم بخوف.
ندى قربت منه وشالته في حضنها.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جدًا
هي مش بتحارب عشان نفسها بس
هي بتحارب عشان ولادها مايكبروش وهم فاكرين إن قلة التقدير حاجة عادية.
بعد أسبوعين، كانوا بينقلوا حاجتهم للشقة الجديدة.
شقة صغيرة في مدينة هادية، دور تالت من غير أسانسير، ودهانها لسه جديد بريحة البوية.
ماكانتش فخمة.
ولا فيها مطبخ كبير.
ولا بلكونة واسعة.
لكن أول ليلة هناك
ندى نامت وهي مرتاحة لأول مرة من سنين.
ماحدش خبط على باب أوضتها بدون استئذان.
ماحدش راقب الأكل اللي طبخته.
ماحدش حسب عليها الكهربا ولا النفس.
كانت بيتها.
بعد شهر، أمينة هانم وقعت في مشكلة حقيقية.
سقف المصيف جزء منه انهار فعلًا بعد شتوية قوية، وكانت محتاجة مبلغ كبير للتصليح.
اتصلت بأحمد تبكي.
الحقني يا ابني البيت هيقع.
أحمد سكت شوية، وبعدين قال بهدوء
هساعدك على قد ما أقدر يا أمي
بس مش بفلوس مستقبل عيالي.
الكلمة نزلت عليها تقيلة.
لأول مرة
تحس إن السيطرة اللي عاشت عمرها ماسكة فيها بتتفلت من إيديها.
وفي يوم جمعة، كانت ندى واقفة في مطبخها الصغير بتحضر الغدا، وابنها الكبير بيجري في الطرقة ويضحك، والصغير قاعد على الأرض يلعب بالمكعبات.
أحمد دخل عليها من البلكونة وهو شايل زرعة ياسمين صغيرة.
شوفي جبتلك إيه.
ابتسمت وهي تاخدها منه.
ياسمين؟
أهو نبدأ بيتنا بريحة حلوة.
بصت حواليها
للحيطة اللي اختارت لونها بنفسها،
للستاير اللي ركبتها بإيديها،
للراحة اللي أخيرًا سكنت قلبها.
واكتشفت إن البيت الحقيقي
مش المكان اللي تعيشي فيه.
البيت الحقيقي
هو المكان اللي ماحدش يحسسك فيه إنك ضيفة.