بقايا البنج #حكايات_شروق_خالد
أول حاجة دوقتها كانت طعم البنج، مر وناشف في بوقي، قبل حتى ما أستوعب أنا فين. إيدي اتمدت على التليفون بشكل تلقائي.
هو ده اللي بتعمله الأمهات اللي بيربوا عيالهم لوحدهم.
بتصحي من البنج، وأول حاجة بتيجي في بالك مش الوجع.
مش الغرز.
مش الأجهزة اللي شغال زنين جنب السرير.
عيالك هما أول حاجة.
هما فين؟
مع مين؟
هما بأمان؟
الشاشة كانت جايبة 14 مكالمة فائتة من طنط فادية.
طنط فادية عندها تلاتة وسبعين سنة، جارتي الساكنة جنبي، وعمرها ما بتتصل إلا لو فيه مصيبة بجد حصلت. في ظرف أربع سنين، مكلمتنيش غير مرتين بس؛ مرة عشان شمت ريحة غاز، ومرة عشان شافت حد غريب واقف جنب بوابتي اللي ورا.
14 مكالمة كان معناها إن فيه كارثة حصلت.
كلمتها عل طول.
ردت من أول رنة.
“رانيا.”
صوتها كان مشدود، كأنها كانت بتجمع نفسها بالعافية بقالها ساعات.
“الولاد معايا. هما بأمان. عمر بيتفرج على فيلم، وسارة لسه نايمة حالا على الكنبة عندي.”
كنت نايمة على سرير المستشفى والكانيولا متثبتة في دراعي لما همست: “إيه اللي حصل؟”
قالت لي: “أبوكي وأمك مشيوا على الساعة 11 ونص الضهر. شفت عربيتهم وهي طالعة. وبعدها بشوية، بصيت من الشباك على الجنينة وشفت العيال قاعدين على سلم بيتك لوحدهم.”
العمليّة بتاعتي كانت بادئة 11 وربع.
“سارة كانت بتعيط،” طنط فادية كملت كلامها. “وعمر كان واخدها في حضنه وبيطمنها. قال لي إن أبوكي قال لهم إنهم راجعين عل طول.”
سكتت شوية.
“الكلام ده كان قبلها بـ يجي تلات ساعات.”
عمر عنده سبع سنين.
وسارة عندها خمسة.
ابني الصغير كان قاعد برة في شمس مايو، بيحاول يهدي أخته ويسكتها، عشان الكبار اللي ائتمنتهم عليهم سابوهم في الشارع ومشوا.
#حكايات_شروق_خالد
“رانيا؟” طنط فادية سألت بالراحة. “أنتِ كويسة؟”
قلت لها: “أنا لسه صاحية من البنج حالا.”
سكتت خالص.
وبعدين همست: “يا حبيبتي، يا بنتي.”
فضلت باصة لجهاز ضربات القلب وأنا بعد دقاته المنتظمة.
بعدين كلمت أمي.
أنا اسمي رانيا الألفي. عندي ستة وتلاتين سنة، وعندي طفلين: عمر، سبع سنين، وسارة، خمس سنين. بشتغل منسقة مشاريع في شركة هندسة مدنية ومقاولات، وده معناه إن يومي كله بقض..يه في متابعة المواعيد، والوعود، وحساب الغلطات لما الناس م بتعملش اللي اتفقت عليه.
في الشغل، أنا بعمل كده بقالي تسع سنين.
ومع عيلتي، أنا بعمل كده طول عمري.
أمي، ميرفت، عندها اتنين وستين سنة، وشاطرة أوي في إنها تبان طيبة وحنينة قدام الناس.
طيبة في العلن.
ودودة مع الغربا.
ومحبوبة من كل الناس اللي عمرهم ما شافوا إيه اللي بيحصل لما طيبتها دي بتبقى تقيلة ومش على هواها.
أختي أميرة عندها تلاتين سنة، وطول عمرها بتاخد النسخة الكاملة من دعم أبويا وأمي.
مواعيد.
مشاوير.
طوارئ.
مَزاج مش مظبوط.
مشاكل صغيرة.
مشاكل كبيرة.
كانوا بيسيبوا اللي في إيدهم ويروحوا لها عل طول.
أنا عمري ما كرهت أميرة عشان هما بيحبوها.
أنا كرهت الطبع ده.
أبويا وأمي دايماً خلقهم ضيق، ووقتهم ضيق، وطاقتهم على القد.
وبطريقة ما، أميرة دايماً كانت بتاخد النصيب الأكبر من كل حاجة.
أبويا، رأفت، عنده خمسة وستين سنة، كان موجود في العيلة زي الإمضاء اللي على الورق الرسمي.
موجود بالاسم وبس.
عمره ما بياخد قرار في أي حاجة.
أنا رتبت معاد العملية بتاعتي في يوم تلات في شهر مايو عشان العيال يكونوا في المدرسة. كل اللي كنت محتاجاه إن حد يستلمهم بعد المدرسة، ويأكلهم لقمة، ويفضل معاهم لحد ما أخرج بالسلامة.
أبويا وأمي وافقوا.
قبلها بست أسابيع.
وأكدوا عليا تاني قبلها بيومين.
أمي قالت لي: “متشيليش هم أي حاجة يا حبيبتي. ركزي في نفسك وفي صحتك والولاد في عينينا.”
عشان كده دخلت العمليات الساعة 11 وربع وأنا مطمنة إنهم في أمان.
لكن مكنوش في أمان.
كانوا قاعدين على السلم برة.
لوحدهم.
أمي ردت من تالت رنة، وصوتها كله بهجة وفرحة كالعادة:
“أيوة يا حبيبتي، طمنيني كله تمام؟”
بصيت للسقف وقلت: “عيالي فين؟”
سكتت.
أنا حافظة السكتة دي كويس.
دي الفجوة الصغيرة اللي بين الحقيقة والكذبة اللي بتقعد تفصلها عشان تبيعها لي.
قالت: “آه.. طنط فادية كلمتك.”
مكنتش مخضوضة، مكنتش قلقانة؛ كانت مستوعبة بس إن اللعبة اتكشفت.
“أصل أبوكي كان لازم ياخد أميرة ويروحوا لـ…”
#حكايات_شروق_خالد
قلت لها: “اسمعيني كويس.”
أمي كملت: “كان عندها معاد مستعجل ومفاجئ في صالون الكوافير، وأنتِ عارفة ريكاردو الحجز عنده صعب إزاي ومبيتفوتش.”
قلت لها: “العيال كانوا برة في الشارع. سارة كانت بتعيط.”
ردت بنبرة حادة وناشفة: “جرى إيه ما طنط فادية كانت هناك واخدت بالها!”
“الست عندها تلاتة وسبعين سنة، وشافتهم بالصدفة وهي بتبص من شباك بيتها!”
أمي زعقت: “محدش كان لوحده!”
وهنا ظهرت الحقيقة.
مكنش فيه ذنب أو ندم.
كان فيه ضيق وخنقة لإنهم اتكشفوا.
كأن المصيبة مش إنها سابت عيالي الأطفال في الشارع.. المصيبة إن أنا عرفت.
سألتها: “مشيتوا ليه وسِبتوهم؟”
تنهدت تنهيدة طويلة ومملة، كأني أنا اللي بتبلى عليها وأنا لسه قايمة من سرير المستشفى:
“يا رانيا، أختك كانت محتاجانا أكتر.”
غمضت عيني.
الجملة دي بتلخص حياتي كلها معاهم.
كل مناسبة فاتتنّي.
كل وعد اتكسر.
كل مرة كانت تفصيلة تافهة ومزعجة لأميرة بتتحول لحالة طوارئ قصوى للعيلة كلها.
أختك كانت محتاجانا أكتر.
بصيت للكانيولا اللي في دراعي، وإسورة المستشفى اللي في معصمي، والتليفون اللي في إيدي.
وفيه حاجة جوايا هديت وبقت واضحة تماماً.
مش اتكسرت.. بقت صافية.
معاتبتش.
ممطلبتش منها تفهم.
ملقيتش لستة بالمصايب اللي كانت ممكن تحصل للعيال وهما قاعدين في
#حكايات_شروق_خالد
الشارع لوحدهم.
كل اللي قلته: “تمام.”
أمي قلقلت؛ هي عارفة النبرة دي مني كويس.
دي مش نبرة سماح أو طيبة.
دي اللحظة اللي بطلت فيها أشرح، وبدأت فيها آخد خطوات حقيقية.
على الساعة تسعة بالليل، كنت في بيتي.
عيالي كانوا نايمين في أوضهم بسلام.
طنط فادية سابت لي حلة شوربة في التلاجة وورقة على الرخامة مكتوب فيها: “كلميني يا بنتي لو عوزتي أي حاجة.”
أبويا وأمي مكلمونيش تاني من ساعتها.
وأميرة نزلت صورتها على الفيسبوك وإنستجرام وهي بتضحك في الكوافير وشعرها متظبط على الآخر.
وأنا قعدت على ترابيزة المطبخ ومعايا ملف، وقلم، وورق الخروج من المستشفى، والشهادة اللي طنط فادية كتبتها بخط إيدها للي حصل، وسكرين شوتس بكل المكالمات الفائتة، ورقم المحامي اللي كان المفروض أكلمه من سنين فاتوا عشان أقطع علاقتي بيهم قانونياً ومادياً وبكل شكل.
التكملة في التعليقات. 👇👇
#حكايات_شروق_خالد
وهنا، بدأت أكتب.
كتبت كل تفصيلة، كل وعد اتكسر، وكل مرة حسيت فيها إني لوحدي في الدنيا دي رغم إن عندي عيلة بالاسم. لكن المرة دي كانت مختلفة؛ المرة دي مكنتش زعلانه عليهم، كنت زعلانة على نفسي وعلى ولادي اللي كانوا ممكن يروحوا ضحية لإهمال ملوش أي تبرير.
المحامي رد عليا تاني يوم الصبح. صوته كان هادي ومحترف، عكس البركان اللي كان جوايا. شرحت له الوضع، وقلت له إني عايزة أعمل تنازل رسمي وعقود موثقة تضمن إن محدش فيهم يدخل بيتي أو يقرب من ولادي تحت أي ظرف، وعايزة أضمن حقوقي وحقوق ولادي بعيد عن أي وصاية أو تدخل منهم في المستقبل.
“جارتك، طنط فادية، شهادتها هتكون أساسية يا رانيا،” المحامي قال لي. “إهمال أطفال في سن ده، وسيبانهم في الشارع وهم أمانة، دي قض..ية تودي في داهية لو اترفعت رسمي.”
قلت له: “أنا مش عايزة أوديهم في داهية.. أنا عايزة أخرجهم من حياتي وبس.”
بعد يومين، الباب خبط.
توقعت إنها طنط فادية، لكن لما فتحت لقيت أبويا واقف برة. لابس قميصه البني القديم، ووشه خالي من أي تعبير، كالعادة.
“أمك زعلانة منك يا رانيا،” قالها وهو داخل ومستنيش إني آذن له. “بتقول إنك كلمتيها بأسلوب مش كويس، وإنك بتعملي من الحبة قبة. أختك كان عندها مناسبة مهمة بالليل، ومكنش ينفع تروح بشكل مش مظبوط.”
بصيت له. الراجل اللي مكنش بياخد قرار في حياتنا أبدًا، جاي دلوقتي ياخد دور المصلح الاجتماعي عشان يغطي على الكارثة.
قلت له بصوت هادي ومسموع: “أنا مش زعلانة يا بابا.”
ملامحه ارتاحت شوية، وافتكر إن الموضوع عدي كالعادة: “طب الحمد لله، كلمي أمك طيب واعتذري لها عشان تقفل الصفحة دي.”
فتحت الفولدر اللي كان على الترابيزة، وطلعت منه صور من المحضر اللي المحامي بدأ يجهزه، وورقة شهادة طنط فادية. حطيتهم قدامه.
“دي أوراق رسمية بتمنعكم من دخول بيتي، وبتثبت حالة إهمال ولادي. لو رجل حد فيكم عتبت البيت ده تاني، أو أمي حاولت تتصل بيا وتسمعني اسطوانة (أختك كانت محتاجانا أكتر)، الأوراق دي هتكون في النيابة.”
أبويا بص للورق، وعينيه وسعت لأول مرة في حياتي أشوفه مخضوض. “أنتِ بتعملي إيه؟ إحنا أهلك! عايزة تفضحينا عشان سبنا العيال ساعتين؟”
“سيبتوا أطفال عندهم 5 و 7 سنين في الشارع عشان كوافير،” قلتها وأنا بفتح له الباب. “أنا قعدت 36 سنة بشتري رضاكم وبستحمل إني أكون في الهامش. لكن ولادي؟ ولادي خط أحمر. من النهاردة، أنا معنديش عيلة غير عمر وسارة وطنت فادية. اتفضل يا بابا.”
خرج وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، وبيهدد إنهم هيقاطعوني. مكنش يعرف إن المقاطعة دي هي أحسن هدية ممكن يقدموها ليا.
قفل الباب وراهم، ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت الهادي ده بتاعي بجد. مفيش انتظار لوعد مش هيتحقق، ومفيش عشم في ناس مبيعرفوش يدوا.
دخلت أوضة الولاد، لقيت عمر قاعد بيلعب بالمكعبات وسارة بتسرح لعروستها. قعدت على الأرض وسطهم، وخدتهم في حضني. طعم البنج المر اللي كان في بوقي اختفى تمامًا، وحل محله طعم الحرية والأمان اللي هبنيه ليهم وليا.. لوحدنا، بس أقوياء.
بقايا البنج
#حكايات_شروق_خالد
