قصه كامله

كان قد مر عامان على وفاة زوجتي. ومع ذلك أخبرني ابني أمس وهو في المدرسة أنه رأى أمه. قال إنها ظهرت له ونادته ثم حذرته قائلة لا تأت معي بعد الآن.
وفي اليوم التالي ذهبت لاصطحابه مبكرا فرأيت شيئا جعل حياتي تنقلب رأسا على عقب.
عندما أخبرني لوكاس بما حدث ظننت أنه مجرد حلم سيئ أو خيال طفل صغير. كان في الثامنة من عمره والأطفال كثيرا ما يخلطون بين الذكريات والأحلام والواقع.
قال لي بصوت مرتجف لا أدري إن كان خوفا أم حزنا
أبي أمي جاءت اليوم.
تجمدت في مكاني.
كانت كلارا زوجتي قد توفيت قبل عامين في حادث سير على أطراف مدريد.
حاولت أن أتماسك وسألته عما يقصده بقوله جاءت.
فأجاب دون تلعثم
كانت في ساحة المدرسة يا أبي. نادتني وقالت إني لا ينبغي أن أذهب معها مرة أخرى.
تلك العبارة لا تأت معي اخترقت صدري كطعنة خفية. كان في كلماتها شيء غريب أشبه بتحذير مبهم.
هل أخطأ السمع
هل رأى حلما اختلط عليه بالأيام
تلك الليلة لم أعرف النوم. ظل وجه كلارا يحضر

إلى ذهني ابتسامتها الدافئة وصوتها وهي تودعني في تلك المكالمة التي سبقت موتها. كنت قد أقسمت يوم رحيلها أن أحمي لوكاس بكل ما أملك لكن إحساسا مظلما كان يخبرني بأن شيئا يقترب منا دون أن نراه.
في الصباح التالي أوصلته إلى المدرسة كما أفعل كل يوم غير أن خطواته كانت متثاقلة وعيناه شاردتان لا تلتفتان إلى الوراء.
وفي منتصف النهار دفعني القلق إلى العودة مبكرا للتأكد من أن كل شيء على ما يرام.
وحالما وصلت سمعت أصوات صراخ قادمة من ساحة اللعب. هرعت مسرعا. كان هناك تجمع من الأطفال عند السور الجانبي ذلك الجزء من المدرسة الذي لا يخضع لرقابة كافية.
بحثت بينهم لكن لوكاس لم يكن موجودا.
سألت إحدى المعلمات بقلق شديد
أين لوكاس
فأجابت بأنها لا تعلم.
ثم قال طفل كان يقف قريبا
رأيناه مع امرأة ترتدي معطفا بلون البيج أمسكت بيده وغادرت من البوابة الجانبية.
توقف قلبي عن الخفقان للحظة.
ركضت نحو بوابة الخروج وما إن انعطفت حول المبنى حتى رأيت مشهدا جعل الأرض تميد تحتي.
على بعد نحو عشرين مترا كانت تسير امرأة نحيلة ذات شعر بني ووجه هادئ الملامح تمسك بيد لوكاس وتسير معه بهدوء. كان عليها المعطف ذاته الذي كانت كلارا ترتديه دائما.
تحرك جسدي قبل عقلي. صرخت باسم ابني واندفعت أجري بأقصى ما أستطيع.
استدارت المرأة
ولم تكن كلارا.
لكن ملامحها كانت مطابقة لها تماما.
وعندما التقت نظراتها بناظري أدركت الحقيقة المروعة
إن ما قاله ابني لم يكن خيالا ولا حلما ولا وهما.
لقد كان تحذيرا حقيقيا.

عندما رأت المرأة أنني أركض نحوهما أفلتت يد لوكاس وفرت بين الزحام.
لحقت بابني فوجدته يبكي ويكاد لا يستطيع الكلام.
جلست على ركبتي أمامه وسألته بهدوء يائس
من كانت تلك يا لوكاس
أبي كانت تشبه أمي لكنها لم تكن أمي.
تلك الجملة علقت في ذهني كطعنة مؤجلة الانفجار.
اتصلت بالشرطة فورا وأبلغتهم أن امرأة غريبة حاولت خطف ابني.
انتشرت الدوريات في المنطقة لكن المرأة كانت قد اختفت تماما.
تلك الليلة لم أفكر في شيء غير الحادثة.
فتشت في مقتنيات كلارا القديمة رسائلها صورها حساباتها الإلكترونية أبحث عن أي خيط قد يقود إلى تفسير ما حدث.
وفي صندوق إلكتروني مؤرشف في بريدها الشخصي وجدت رسالة قديمة لم أنتبه إليها من قبل.
كان عنوان المرسل غريبا
sofia gomez 85
وفي خانة الموضوع
علينا أن نتحدث بشأن لوكاس.
كان تاريخ الرسالة قبل الحادث بأسبوعين.
فتحت الرسالة فوجدت فيها سطرين فقط
كلارا لا يمكنك المتابعة بهذه الطريقة.
إن حدث شيء فمن حقه أن يعرف.
لم يكن هناك المزيد.
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى مركز الشرطة وقدمت تلك المعلومات.
طلب مني المحقق المسؤول راميرو أورتيغا أن أتحلى بالصبر قليلا.
وبعد ساعات من المتابعة أخبرني بأن عنوان البريد يعود لامرأة تدعى سوفيا غوميز وكانت تعمل أخصائية اجتماعية في عيادة متخصصة في شؤون الخصوبة في مدينة إشبيلية.
وبحسب السجلات عملت في تلك العيادة حتى ثلاث سنوات قبل إنجاب لوكاس.
أصابني ذلك الارتباط بصدمة باردة.
أي علاقة يمكن أن تجمع موظفة في عيادة خصوبة بزوجتي المتوفاة
وبعد أيام اتصل

لمحة نيوز

بي راميرو وقال
سيد موراليس لقد وجدنا سوفيا. هي الآن في مدريد وتقول إنها تريد التحدث إليك.
التقينا في مقهى هادئ بعيد عن الأنظار.
وعندما رأيتها فهمت كل شيء دفعة واحدة.
كانت هي المرأة التي رأيتها مع لوكاس.
وكانت تشبه كلارا إلى درجة أربكتني النظرات ملامح الوجه طريقة الحركة كل ذلك كان صورة طبق الأصل ومع ذلك لم تكن هي.
قالت باكية
لم أقصد إيذاء ابنك أردت فقط أن أراه.
تمسكت بأعصابي بصعوبة وسألتها
من أنت حقا
سحبت نفسا عميقا قبل أن تقول
كلارا وأنا كنا توأمتين. فصلنا عند الولادة. ولم تكن تعلم.
بهت حتى فقدت القدرة على الكلام.
تابعت
كتبت إلي عندما علمت بالتشخيص. قالت إنه إذا وقع لها شيء فمن حق ابنها أن يجد من يحميه. لكنها لاحقا عدلت عن رأيها وطلبت مني

ألا أقترب منه.
وفي تلك اللحظة أدركت معنى كلمات لوكاس يوم قال
أمي قالت لي لا آتي معها.
لم تكن كلارا تطلب منه الابتعاد عنها بل كانت تذكره بما قالته لسوفيا. كانت رسالة غير مباشرة لابنها وصلت متأخرة.
الفحص الجيني أثبت الحقيقة كانت سوفيا التوأم البيولوجي لكلارا.
فصلتا فور ولادتهما وتبنتهما عائلتان مختلفتان ولم تتواصلا طوال عقود.
وقد اكتشفت سوفيا وجود كلارا بالمصادفة أثناء مراجعة وثائق تبني قديمة.
وعندما وصلت إليها كانت كلارا في مراحل متقدمة من مرض عضال لم تخبرني به كاملا.
أرادت أن تبقي مرضها سرا حتى لا أرهق بحزنها وإلا عرف لوكاس منها وجها ضعيفا لم ترد له أن يراه.
في الأشهر الأخيرة من حياتها تواصلت كلارا مع سوفيا تبادلتا الرسائل الصور والتقتا سرا.
أخفت كلارا ذلك عني خوفا من سوء فهمي أو ظني بأنها أخفت جزءا من حياتها عن عمد.
وقبل الحادث بأيام تركت كلارا رسالة أخيرة لسوفيا تطلب منها ألا تتدخل في حياة لوكاس وأن يظل مع والده.
لكن سوفيا وقد أثقلها الفقد وانتقلت للعيش في مدريد بعد موت كلارا لم تستطع مقاومة الرغبة في رؤية الطفل الذي يحمل جزءا من توأمها الذي فقدته.
عندما رآها لوكاس للمرة الأولى ظن أنها أمه.
وحين رأت هي خوفه رددت ما طلبته منها كلارا
لا تأت معي.
كانت تنفذ وصيتها.
أغلق الملف دون توجيه أي اتهام.
لم يكن هناك اختطاف بل محاولة يائسة من امرأة ضائعة تبحث عن صلة تربطها بما تبقى من أختها.
ظل لوكاس يعاني كوابيس لأسابيع فاصطحبته إلى العلاج النفسي وبدأ تدريجيا يستعيد ضحكته.
وفي أحد الأيام قال لي
أبي أظن أن أمي لم تكن تريد أن أخاف. كانت تريد فقط أن نكون بخير.
كان صادقا.
بعد أشهر تلقيت رسالة طويلة من سوفيا.
لم أفتحها فورا.
وحين فعلت وجدت فيها كلمات أبكتني
علمتني كلارا معنى الشجاعة رغم علمها بأنها تموت.
طلبت مني ألا أختفي إن احتجت أنت أو لوكاس إلى أحد.
لا أستطيع أن أكون مكانها لكن يمكنني أن أحفظ ذكراها.
دعوتها إلى العشاء ذات ليلة.
جلس لوكاس ينظر إليها قليلا ثم احتضنها بلا خوف.
ربما لم يفهم كل ما جرى لكنه فهم جوهر الحقيقة أن الحب حين يكون صادقا يجد طريقه دائما ليبقى.
ومنذ ذلك اليوم أصبحت سوفيا جزءا من حياتنا.
لا باعتبارها ظلا للماضي بل جسرا نحو الحقيقة التي تركتها كلارا وراءها.
وفي كل مرة يسألني لوكاس عن أمه أقول له
إنها باقية فيك وفي وفي ما نصنعه معا وهي لم تغادر يوما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *