الكبشة الخشب ومسح الدوشة حكايات شروق خالد
كنت واقفة بقلب الشوربة عادي، وفجأة مرات ابني خطفت الكبشة من إيدي وخبطتني بيها على دماغي بكل غل. زعقت في وشي وهي بتبرق: “هو في حد بيطبخ كده يا ست يا فاشلة يا كركوبة أنتِ؟!” ابني حتى مرفعش عينه يبص عليا.. كل اللي عمله إنه على صوت التلفزيون. وقفت مكاني والشوربة بتنزل على المريلة بتاعتي، وحسيت بحاجة جوايا انكسرت للأبد. بعد خمس دقائق، المطبخ اتقلب بكيان وصوت رزع هز البيت.. ولما ابني جرى يشوف في إيه، شاف الحاجة الوحيدة اللي عمره ما اتوقعها.
الكبشة نزلت على دماغي جامد لدرجة إن الشوربة طرطشت على مريلتي وبقت شبه الدم. داليا، مرات ابني، كانت واقفة على بعد سنتيمترات من وشي، عينيها طالع منها شرار وشفايفها ملوية باستهزاء: “هو في حد بيطبخ كده يا ست يا فاشلة يا كركوبة أنتِ؟!”
لمدة تلات ثواني، مكنتش سامعة غير صوت غليان الحلة.
وبعدين، من الصالة برة، ابني طارق على صوت التلفزيون أكتر.
مسألش حتى: “ياما أنتِ كويسة؟”
مقامش من مكانه.
ولا حتى بص ناحيتنا.
كل اللي سمعته هو صريخ معلق الكورة وهو بيبلع إهانتي وكسرة نفسي.
حطيت إيدي على جنب دماغي، ولقيت صوابعي مبلولة. مكنش دم كتير، بس كان كفاية.
داليا خطفت الفوطة من على الرخامة ورامتها في شاش وشي: “نظفي نفسك، ومش عاوزين دم في الأكل.”
وقعدت تضحك على تلميحتها البايخة.
بصيت على انعكاس طارق في قزاز الميكروويف الضلمة. كان قاعد مستريح، وفارد رجله على ترابيزة الأنتريه بتاعتي. نفس الواد اللي ربيته وتعبت عليه بعد ما أبوه مات. نفس الواد اللي اشتغلت شغلانتين عشان أدخله الجامعة. نفس الواد اللي عايش دلوقتي في بيتي هو ومراته، وبيصرفوا معاشي، وبيقول عليا “مخرفة” كل ما أفتح بقي وأرفض كلامهم.
من تلات شهور، داليا جت قعدت هنا على أساس إنه وضع “مؤقت”.
بعد أسبوعين، أوضتي أنا بقت أوضتهم هما.
وبعد شهر، طارق قالي: “يا أمي، مش يمكن أحسن تكتبي البيت باسمنا قبل ما ذاكرتك تضيع خالص؟”
ذاكرتي كانت زي الفل.
دي الحاجة الوحيدة اللي عمرهم ما فهموها.
أنا مكنتش بنسى أي حاجة.
مش ناسبة كشف الحساب اللي داليا مخبياه تحت المرتبة.
ولا المكالمة اللي طارق عملها مع السمسار وهو بيهمس: “أول ما تمضي، هنبيع علطول”.
ولا التقرير الطبي المضروب اللي كانوا فاكرين إني مش هشوفه.
وطيت النار تحت الشوربة وأخدت نفسي براحة.
داليا قربت مني أوي: “بتبصيلي كده ليه؟”
ابتسمت.
الابتسامة دي خضتها لثانية واحدة.
وقلتلها بصوت واطي: “عشان كنت لسه بفكر.. هو البيت ممكن يفضل دوشة لحد إمتى قبل ما يسكت خالص؟”
وشها قفش وقالت: “قصمك إيه بالكلام ده؟”
قبل ما أرد، تليفوني اتهز في جيب المريلة.
رسالة واحدة وصلتني.
“الكاميرا شغالة. الصوت واضح. والشرطة قريبة.”
قفلت الشاشة بسرعة قبل ما تلمحها.
داليا زقتني وهي رايحة ناحية الثلاجة: “إوعي كده يا ولية يا كركوبة.”
أطباق الصيني اللي جنب كوعها كانت بتهتز.
إيدي لمستها “بالغلط”.
بعد خمس دقائق، الأطباق دغدغت الأرض بصوت رزع هز المطبخ كله.
طارق جرى أخيراً ودخل المطبخ وهو مخضوض.
وفجأة اتسمر مكانه.
لأني مكنتش بعيط.
داليا هي اللي كانت بتصوت وبتعيط من الخضة.
واللمضة الحمرا بتاعة الكاميرا المستخبية فوق المطبخ كانت بتنور وتطفي…
حكايات شروق خالد
طارق وقف في مكانه متنح، عينه رايحة جاية بيني وبين داليا اللي كانت بتصرخ وهي ماسكة رجليها من الخضة والطبق الصيني متدغدغ ميت حتة حواليها. بص على الأرض وبصلي وهو مش فاهم حاجة، وقال بزعيق: “في إيه؟ إيه اللي حصل هنا؟”
داليا شاورت عليا بصوابعها وهي بتترعش من الغل: “أمك.. أمك اتجننت رسمي يا طارق! رمت الأكل في وشي وكانت عاوزه تموتني! دي ولية مخرفة ومكانها السراية الصفرا!”
أنا مقلتش ولا كلمة. فضلت واقفة هادية تماماً، ومسحت وشي بفوطة المطبخ بكل برود. الهدوء بتاعي ده جننهم أكتر.
طارق قرب مني وعينه كلها شر: “أنتِ بتعملي إيه يا أمي؟ إحنا ساكتين ليكي وبنقول معلش تعبانة، لكن توصل إنك تمدي إيدك على مراتي في بيتي؟”
بصيت في عينه مباشرة، وقلتله بنبرة عمري ما استخدمتها معاه قبل كده: “بيتك؟ ده بيتي أنا يا طارق. البيت اللي شقيت عليه وأنت لسه حتة لحمة حمرا. والست دي هي اللي مدت إيدها عليا وخبطتني بالكبشة.. والدليل وراك.”
طارق ضحك باستهزاء: “دليل إيه؟ أنتِ بتهلوسي يا أمي، مفيش هنا غيرنا إحنا التلاتة، ومحدش هيصدقك.”
في اللحظة دي، صوت سارينة البوليس برة البيت رج البيت كله. الصوت كان بيقرب بسرعة لغاية ما وقف تحت الباب علطول.
وش طارق وداليا قلب ألوان. داليا بلعت ريقها وبصت لطارق: “هو في إيه برة؟”
قبل ما حد فيهم يتحرك، الباب برة اتخبط بقوة وصوت جهوري زعق: “افتح الباب.. معانا بلاغ اعتداء وتزوير.”
طارق جرى يفتح الباب وهو مرعوب، ودخلوا اتنين أمناء شرطة ومعاهم ضابط. الضابط بص في المطبخ وشاف المنظر: الشوربة الملوحة على الأرض، وبواقي الصيني، والدم الخفيف اللي كان ناشف على وشي.
طارق اتقدم بسرعة وهو بيحاول يلم الموضوع: “يا فندم مفيش حاجة، دي والدتي ست كبيرة وذاكرتها على قدها، وهي اللي عملت الدوشة دي كلها..”
الضابط قاطعه بحدة وهو بيرفع تليفونه: “والدتك؟ والدتك دي هي اللي مبلّغة، ومعانا بث مباشر وصوت وصورة لكل اللي حصل في المطبخ ده من أول خبطة الكبشة لغاية كلامكم عن بيع البيت والتزوير.”
داليا صرخت: “بث مباشر إيه وكلام فاضي إيه؟! دي ولية خرفانة!”
شاورت بإيدي على علبة الشاي القديمة اللي فوق دولاب المطبخ. الضابط قرب ومد إيده جاب من وراها كاميرا صغيرة جداً، اللمضة الحمرا بتاعتها كانت لسه بتنور وتطفي.
بصيت لطارق اللي ركبه سابت وبقى يبصلي بذهول، وقلتله: “أنا عمري ما نسيت حاجة يا طارق. أنا اللي كلمت المحامي، وأنا اللي خليت بنت أختي تشتريلي الكاميرا دي وتركبها وتوصلها بالموبايل وخط نجدة الطفل والمرأة.. عشان لما تيجوا تبيعوا البيت بالتقرير المزور، تلاقوا نفسكم بتشتروا مكان في السجن.”
الضابط بصلهم وقال للعساكر: “هاتوم هما الاثنين على البوكس.. ويتحفظ على الكاميرا دي كدليل.”
داليا قعدت تصوت وتلطم وهي بتتكلبش، وطارق بصلي وعينه مليانة دموع ورجاء: “ياما.. أنا ابنك! هتهون عليكِ كرامتي؟”
لفيت وشي الناحية التانية، وأخدت الفوطة وبدأت أنظف الرخامة بالراحة، وقلت بصوت مسموع للكل: “أنت اللي هونت عليا يا طارق لما عليت صوت التلفزيون على صريخي. من النهارده.. البيت ده رجع بتاعي لوحدي، ونظفته من كل القرف اللي كان فيه.”
خرجوا وهما بيجروا رجليهم، والباب اتقفل وراهم. ولأول مرة من تلات شهور.. البيت بقى هادي تماماً.. وسكتت الدوشة للأبد.
حكايات شروق خالد
قعدت على الكرسي اللي في الصالة، الكرسي بتاع أبو طارق الله يرحمه. لأول مرة من شهور أحس بوزن جسمي وهو مرتاح، ومن غير ما أكون خايفة إن حد يدخل عليا يزعق أو يقلي كلمة تجرحني.
بصيت حواليا.. الصالة كانت هادية، والتلفزيون اللي طارق على صوته عشان يداري على كسرتي كان لسه شغال على صامت. قمت وقفلته خالص من الفيشة. الدوشة اللي في البيت مشيت مع مشيهم.
دخلت الأوضة بتاعتي.. الأوضة اللي هما أخدوها مني وعاثوا فيها فساداً. فتحت الدولاب، ولميت كل لبس داليا في شنطة زبالة سودا كبيرة، ورميتها برة باب الشقة في الممر. لبس طارق كمان مكنش ليه مكان هنا خلاص. اللي يبيع أمه عشان حتة حيطة، ملوش عيش تحت سقفها.
وتاني يوم الصبح، نزلت رحت للمحامي بتاعي.
لما شافني، وقف وضرب كف بكف وقال: “الحمد لله يا ست الحبايب.. الفيديو اللي اتبعث من الكاميرا للمحكمة كان قاطع. التقرير الطبي المزور اللي طارق كان عامله، والسمسار اللي كان متفق معاه.. كلهم هيلبسوا ق*ضية تزوير واستيلاء، ده غير ق*ضية الاعت*داء بتاعة داليا.”
بصيت للمحامي وقلتله بثبات: “أنا مش هتنازل يا أستاذ أحمد. لو جالي مين يتوسط، مش هتنازل.”
قال لي: “ولا عاش اللي يخليكِ تتنازلي يا أمي.. ده حقك وكرامتك.”
وأنا راجعة البيت، عديت على السوق. اشتريت خضار طازه، وفراخ، وجبت كبشة جديدة.. كبشة خشب نضيفة ومحملة.
دخلت المطبخ اللي شهد على كسر نفسي وعلى نصرتي في نفس الوقت. غسلت المطبخ بالكلور وخليته بيبرق، وشغلت القرآن في الراديو الصغير بتاعي. وقفت أطبخ.. طبخت شوربة سبيست وخضار، وبقت ريحة البيت خير وبركة زي زمان.
وأنا بقلب الحلة بالكبشة الجديدة، ابتسمت ودمعة نزلت من عيني.. مكنتش دمعة حزن، كانت دمعة راحة. طارق كان فاكر إني كبرت وعجزت ومبقتش أفهم، ومكنش يعرف إن الأم لما بتتداس على كرامتها، بتقوم زي الأسد عشان تحمي نفسها.. حتى لو من ضناها.
تليفوني رن، كانت أخت داليا بتتصل وهي بتعيط وبتترجاني عشان أتنازل. قفلت السكة في وشها، وعملت للرقم “بلوك”.
قعدت آكل لوحدي في هدوء.. الشوربة كانت مظبوطة بالظبط، والبيت كان دافي، ولأول مرة من سنين.. نمت وأنا مش خايفة من بكره.
الكبشة الخشب ومسح الدوشة
حكايات شروق خالد