خلف قناع العريس الجزء الثاني حكايات شروق خالد

المعازيم بدأوا ينسحبوا من القاعة واحد ورا التاني والهمس مالي المكان، الكوشة الفاضية والورد الأبيض اللي كان رمز للفرحة بقى شكله كئيب ويقبض القلب.
أبويا قعد على أول كرسي قابله، حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بنشيج مرير، صوت عياطه كان بيقطع في قلبي. أنا كنت واقفة في وسط القاعة، باصة لفستاني، حاسة إني صاحية في وسط كابوس ومش عارفة أفوك منه.
“ليه يا بابا؟” سألته بصوت ميت، مكنش فيا حيل حتى للزعيق. “ليه عملت كده؟ كل اللقمة الحلال اللي كنت بتقولي بتطفح الدم عشان تجيبها لي.. كانت بدم ناس تانية؟”
أبويا رفع راسه ووشه كان عجز عشر سنين في ثانية واحدة: “الشيطان يا مريم.. الشيطان عماني زمان. كنت لسه شاب ومحتاج، ورفعت السيوفي كان مشغلني معاه وعنده كل حاجة وأنا مملكش الشلن. لما العربية اتقلبت بيه وأنا كنت سايق.. هو مات فورا، وأنا الشيطان وسوس لي وسحبت عقود التنازل من جيبه ومضيتها ببصمته وهو ج*ثة.. وافتكرت إن ابنه آسر مات معاه في الترعة ومحدش هيدور وراه. بس والله العظيم من يومها وأنا اللقمة مابتنزلش مرتاحة في زوري، وسبت البلد كلها وجيت هنا عشان أربيكي بعيد عن الفلوس الحرام دي!”
“بس ربطتني بيها من غير ما أعرف!” صرخت والدموع نازلة تكوي ششي. “آسر.. أو ياسين.. مشي وسابني، قالي إني بقيت رهينة عنده.”
أبويا وقف بسرعة ومسك إيدي: “مش هتروحيله يا مريم.. نربط هدومنا ونمشي، نسيب البلد دي خالص.. أنا مستعد أتنازل له عن كل مليم، بس يسبك في حالك.”
وقبل ما أبويا يكمل كلمته، باب القاعة الرئيسي اتفتح ودخل منه تلات رجالة لابطين في بدل سودا، ومعاهم محامي لابس نظارة طبية وماسك في إيده شنطة جلد.
المحامي قرب مننا وبص لأبويا ببرود: “جلال بيه؟ أنا الأستاذ عادل، المحامي الخاص بالدكتور آسر رفعت السيوفي.. أو الباشمهندس ياسين زي ما كنتوا تعرفوه.”
أبويا وقف قدامه بحسم: “عايزين إيه تاني؟ مش هتاخدوا بنتي.. خدو الفلوس والشركات وغوروا بره حياتنا!”
المحامي طلع ورق من الشنطة وحطه على الترابيزة: “الدكتور آسر مش عايز ياخد حد غصب عنه يا جلال بيه. بس المدام مريم مضت مع عقد الجواز الصبح على (شروط جزائية) و(توكيل عام رسمي) بالبيزنس بتاعها برة وجوه مصر.. وده ورق الحجز التحفظي على فيلتك وعربياتك وحساباتك في البنك، بناءً على أحكام قديمة وتزوير ثبت بالدليل القاطع في مباحث الأموال العامة.”
بصيت للورق بذهول.. افتكرت الصبح لما ياسين قالي (امضي هنا يا حبيبتي عشان نخلص ورق الإقامة في أوروبا).. كنت بمد ايدي وأمضي وأنا مغمضة عيني من كتر الثقة والحب! طلع بيمضيني على حبل المشنقة بتاعي وبتاع أبويا.
المحامي التفت ليا وقال بنبرة هادية: “الدكتور آسر مستنيكي في العربية بره يا مدام مريم. قالي أبلغك.. لو مرجعتيش معاه الليلة دي على بيت الزوجية، القوة التنفيذية هتوصل هنا خلال ربع ساعة تقبض على جلال بيه بتهمة التزوير والق*تل العمد لرفعت السيوفي بعد ما قدمنا أدلة جديدة للنيابة.. القرار في إيدك.. تروحي مع جوزك، ولا تشوفي أبوكي بيفطر بكرة في التخشيبة؟”
أبويا شدني وراه وصوته ايرعش: “متمضيش ومتروحش يا مريم! أنا مستعد أتسجن وأموت في السجن بس أنتي متتبهدليش مع واحد قلبه أسود كدة!”
بصيت لأبويا.. الراجل اللي سهر جمبي وأنا عيانة، الراجل اللي ماليش غيره في الدنيا.. رغم كل اللي عمله، مقدرش أشوفه بيترمي في السجن وهو في السن ده بسببي.
مسحت دموعي بكم فستاني الأبيض، ورفعت راسي: “أنا هروح معاه.”
“يا مريم لأ!” أبويا صرخ وقعد على الرصيف مكسور.
سبته ومشيت بخطوات تقيلة، كل خطوة كانت كأنها مسمار بيدق في قلبي. خرجت بره بوابة القاعة.. الجو كان ليل وهسس، والعربية المرسيدس السودا بتاعة ياسين كانت واقفة ومنورة كشافاتها.
الحارس فتحلي الباب الوراني.. ركبت وبصت جمبي.
ياسين كان قاعد، قلع جاكيت البدلة وفك الكرافتة وساند راسه لورا وعينيه مغمضة. أول ما الباب اتقفل والعربية اتحركت، فتح عينيه وبصلي بنظرة خالية من أي مشاعر.. النظرة اللي كانت من كام ساعة بتديني أمان، دلوقتي بقت بتصيبني بالرعب.
“افتكرت إنك هتتأخري عن كدة،” قالها بصوت هادي وهو بيبص لطريق السويس الصحراوي.
“أنت بني آدم معندكش قلب،” ردت عليه وأنا دافنة وشي بين إيديا. “لو كنت عايز تنتقم من أبويا كنت واجهه هو! أنا ذنبي إيه؟ أنا حبيتك بجد يا ياسين.. أو يا آسر.. أنا عشت معاك تلات سنين مكنتش بشوف فيهم غيرك!”
العربية فرملت فجأة على جنب الطريق.. ياسين لف وشه ليا، وعينيه بقت حمرا وزي الجمر، مسك دراعي بقوة وقرب وشي من وشه: “وذنب أييييه العيل اللي كان عنده خمس سنين لما يشوف أبوه بيموت قدام عينيه في المستشفى، ويطلع من المستشفى يلاقي نفسه في ملجأ؟! ذنبي إيه لما عشت تلاتين سنة باكل في نفسي وأبوكي بيتكرم في الجرايد بفلوسي؟!”
سكت لثواني ونفسه العالي بيخبط في وشي، وبعدين ساب دراعي ورجع لورا ببرود تاني: “الحب ده كان في أوروبا يا مريم.. هنا في مصر، مفيش غير الحساب. أنتي دلوقتي مراتي.. وهتفضلي في بيتي لحد ما أسترد أخر قرش، وأشوف أبوكي بيشحت اللقمة.. ساعتها بس، هرميلك ورقة طلاقك.”
العربية كملت طريقها، ودخلت في منطقة مقطوعة في أطراف القاهرة، لحد ما وقفت قدام فيلا قديمة، حيطانها عالية وشكلها مهجور وكئيب.. الفيلا القديمة لعيلة السيوفي اللي اتقفلت من تلاتين سنة.
ياسين نزل وفتحلي الباب: “انزلي يا عروسة.. أهلاً بيكي في جحيمك الجديد.”
نزلت وأنا بجر ديل فستاني على التراب، وبصيت للفيلا المضلمة.. وعرفت إن الحرب الحقيقية يادوب لسه بتبدأ.

 

حكايات شروق خالد

دخلت الفيلا القديمة، ورجلي كانت بتخطي العتبة وأنا حاسة إن الهوا جوه أبرد من بره بكام درجة. المكان كان عبارة عن قصر مهجور، الحيطان عليها آثار رطوبة، والأثاث كله متغطي بملايات بيضا زي الأشباح. الغبار كان مالي الجو كأن الزمن وقف هنا من تلاتين سنة.. يوم الحادثة بالظبط.
ياسين—أو آسر—دخل ورايا، رمى مفاتيحه على ترابيزة صالون قديمة، وشاورلي ببرود على السلم: “اطلعي الدور الثاني، أول أوضة على اليمين.. دي الأوضة اللي هتقعدي فيها. من هنا ورايح، مفيش خروج، ومفيش تليفونات، ومفيش أي صلة بالعاير اللي اسمه أبوكي.”
لفيت وشي ليه، ودموعي كانت نشفت وحل مكانها غضب طالع من وسط المكسور: “أنت فاكر إنك لما تحبسني هنا كسبت؟ أنت خسرت كل حاجة يا آسر.. خسرت البنت الوحيدة اللي حبتك بجد، وتحولت لنسخة مشوهة من الانتقام. لو أبويا غلط زمان، أنت بتغلط دلوقتي وكل يوم بتعيش فيه بالغل ده.”
ياسين ملامحه اتهزت لثانية، حسيته كان عايز يزعق أو يضرب حاجة، بس كتم غضبه وضحك ضحكته الباردة: “الكلام ده مياكلش معايا عيش يا بنت جلال.. اطلعي فوق.”
طلعت السلم وأنا بجر فستاني الثقيل اللي بقى عامل زي السلاسل في رجلي. دخلت الأوضة، لقتها واسعة وفيها سرير قديم ودولاب خشب. قعدت على طرف السرير، وبدأت أفك التوك والورد من شعري، وأنا ببص للفستان الأبيض اللي اتحول لكابوس.. فضل برود الأوضة ياكل في عضامي لحد ما التعب غلبني ونمت بدموعي من كتر الإرهاق.
صحيت الصبح على صوت حركة ورزع تحت.
قمت بسرعة، وفتحت الباب ونزلت السلم وأنا لسه بالفستان. لقيت الصالون اللي تحت اتقلب لخلية نحل.. فيه رجالة وعمال عمالين يشيلوا الملايات البيضا، وبيغيروا العفش، وبينظفوا المكان برتم سريع جداً. وفي وسطهم كان واقف آسر، لابس قميص أسود وبنطلون جينز، وماسك تليفونه وبيتكلم بعصبية: “أيوا.. الحجز التحفظي يتنفذ اليوم قبل بكرة.. مش عايز شركة واحدة من شركات جلال الهواري تفتح أبوابها.”
أول ما لمحني نازلة، قفل التليفون وبصلي من فوق لتحت: “صحي النوم يا عروسة.. كويس إنك صحيتي، عشان تتفرجي على أول مسمار في نعش إمبراطورية أبوكي.”
شاور للمحامي بتاعه اللي كان قاعد على مكتب متنقل، فالمحامي طلع جورنال وحطه قدامي على الترابيزة.
بصيت على المانشيت الرئيسي، وعيني وسعت من الصدمة.. كان مكتوب بالخط العريض: **(القبض على رجل الأعمال جلال الهواري بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال عائلة السيوفي منذ 30 عاماً)**.
“أنت حبسته؟!” صرخت وأنا بمسك رقبة آسر بانهيار: “أنت وعدتني لو جيت معاك مش هتحبسه!”
آسر مسك إيدي الإثنين بقبضة حديدية، ونزل لمستوى عيني وصوته بقى حاد وزي الموس: “أنا موعدتكيش بحاجة.. أنا قلت القوة التنفيذية مش هتقبض عليه (الليلة دي).. إنما القانون يا مريم مبيجاملش. البلاغ اتقدم، والنيابة حركت القض*ية بناءً على الأوراق الأصلية اللي أبوكي بصم عليها وهو بيموت.. أبوكي في التخشيبة دلوقتي، وكل شركاتكم اتحجز عليها.. يعني بقيتي على الحديدة.”
سحبت إيدي منه وأنا برتعش: “أنت بني آدم سادي.. بتتلذذ بوجع الناس.”
“أنا برجع حق أبويا اللي مات مقهور!” زعق في وشي لأول مرة بصوت هز حيطان الفيلا: “أبوكي عيشك في عز، وأنا عيشت مشرد.. دلوقتي الأدوار اتعكست.. أنتي هنا مجرد رهينة، والفيلا دي هتتوضب عشان تعيشي فيها وتخدمي المكان اللي أبوكي دمره!”
مرت الأيام.. والأسابيع.. والفيلا اتحولت من مكان مهجور لقصر فخم تاني، بس بالنسبة لي كان أفخم سجن في الدنيا. آسر كان بيعاملني بجفاء شديد.. الصبح يدخل الشركة اللي بقت ملكه، وبالليل يرجع يقعد في الصالون يراجع الحسابات وعينيه عليا وأنا قاعدة مكسورة.
بس في يوم.. الجو اتقلب.
آسر رجع الفيلا متأخر، وكان باين عليه التعب والهم.. دخل الصالون ورمى شنطته، وقعد على الكرسي وهو حاطط إيده على دماغه وبيتنفس بصعوبة.
كنت واقفة في المطبخ بعمل كباية شاي، لمحت منظره.. رغم كل اللي عمله، حتة من قلبي القديم تحركت. قربت منه وحطيت كباية الشاي قدامه: “مالك؟”
بصلي وعينيه كانت مجهدة جداً، وقال بنبرة مكسورة لأول مرة أسمعها منه: “الشركات الكبيرة اللي أبوكي كان شريك فيها برة مصر.. رافضين يتعاملوا معايا.. اعتبروا إن الاستحواذ اللي حصل ده تصفية حسابات غير قانونية، والأسهم في البورصة عمالة تقع.. أنا مهدد بالإفلاس قبل ما أفرح بانتصاري.”
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وبصتله بهدوء: “عشان أنت دخلت الحرب بغل مش بذكاء يا آسر.. الشركات دي كانت بتتعامل مع (جلال الهواري) عشان اسمه وتاريخه، مش عشان الفلوس.. لما حبسته وشوهت اسمه، السوق برة خاف منك واعتبرك قرصان.”
آسر بصلي بذهول: “وأنتي مالك زعلانه ليه؟ مش ده اللي أنتي عايزاه؟ عشان أبوكي يخرج؟”
هزيت راسي بالنفي والدموع لمعت في عيني: “أنا مش عايزة حد يتأذي.. لا أبويا اللي غلط وعقابه عند ربنا وفي السجن، ولا أنت اللي ضيعت عمرك ورا السراب. أنا مراجعة حسابات وفاهمة السوق الأوروبي كويس.. لو عايز تنقذ الشركات دي، فيه طريقة واحدة.”
آسر اعتدل في قعدته، وبصلي بنظرة فيها خليط من الشك والرجاء: “طريقة إيه؟”
قربت منه وقلت بكلمات صدمته: “أنا اللي هتدخل.. الشركاء برة يعرفوني وبيرتاحوا في الشغل معايا من أيام أوروبا. أنا هصلح اللي أنت بوظته والأسهم هترجع ترفع.. بس بشرط واحد يا آسر.”
“شرط إيه؟” سأل ونفسه محبوس.
“أبويا يخرج من السجن.. كفاية عليه التنازل عن كل أملاكه وعيشته مكسور.. يخرج يقضي اللي فاضل من عمره في بيته، وأنا هفضل معاك هنا.. هصلحلك البيزنس بتاعك، وأمضي معاك عقد شراكة حقيقي.. بس بلاش السجن لأبويا.”
آسر سكت.. صمت طويل قاتل لف المكان. كان جواه صراع مرعب بين الحقد اللي عاش بيه تلاتين سنة، وبين البنت اللي واقفة قدامه ومستعدة تضحي بنفسها وتنقذه رغم كل اللي عمله فيها.
وقف ومشي ناحية الشباك، بص للضلمة برة، وبعدين لف وشه ليا وقال بنبرة غامضة: “لو الأسهم رفعت والشركات رجعت تشتغل.. أبوكي بكرة الصبح هيكون في بيته.. وأنتي..”
قاطعتة بثقة: “وأنا هفضل هنا.. لحد ما تكتشف بنفسك إن الانتقام مبيأكلش عيش.. وإن الحب اللي دفتنه بإيدك، كان الحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتك.”

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *