ضربة قاضية في شهر العسل** ج2 حكايات شروق خالد
بعد ما طارق اتمسح بيه البلاط واتكلبش هو وأمه اللي اتقبض عليها في بيتها بتهمة التحريض والنصب، كنت فاكرة إن الكابوس خلص.. بس الحقيقة إن جحر التعابين كان غريق أكتر مما أتخيل.
بعد يومين بالظبط من ليلتها، وأنا قاعدة في بيت المحامي بتاعي بنرتب لإجراءات الطلاق وبلاغ النصب، تليفوني رن برقم غريب.
رديت، جالي صوت راجل نبرته هادية بس ترعب: “أهلاً يا كابتن.. فاكرة إنك لما حبستي طارق وأمه اللعبة خلصت؟ طارق ده مجرد صبي عندنا.. الأوراق اللي معاكي دي مش بتاعة أرض أبوكي بس، الأوراق دي فيها توكيل عام لشركات تانية متسجلة باسمك من غير ما تعرفي، وعليها ديون وشغل مش تمام بملايين”.
جسمي قشعر، بس حاولت ما أبينش: “أنت مين؟ وعايز إيه؟”
الراجل ضحك وقال: “أنا اللي بايع لطارق الشقة اللي اتجوزتوني فيها، وأنا اللي ممضي أمك وأبوكي من سنة على ورق فاكرينه عقد بيع أرض، وهو في الحقيقة تنازل عن كل حاجة ليكي.. ومن بعد ليكي لطارق. طارق فشل في مهمته، بس الورق لسه معانا.. قدامك ٢٤ ساعة، تتنازلي عن القض*ية وتخرجي طارق، وتمضي على بقية العقود اللي مع المحامي بتاعنا، وإلا الديون دي كلها هتبقي أنتِ المطالبة بيها.. وهتتحبسي مكانه”.
المحامي بتاعي شاور لي أكمل كلام وأسحب معاه وقت.
قلت له ببرود مصطنع: “ومين يضمن لي إنكم مش هتحبسوني برضه بعد ما أمضي؟”
الراجل قال: “كلمتي شرف.. هقابلك بكرة الساعة ١٠ بالليل في المخزن القديم اللي ورا الجيم اللي بتشتغلي فيه.. لوحدك، ومعاكي شنطة ورق طارق. لو لمحنا حتة مخبر، متلوميش إلا نفسك”.
الخط قطع. بصيت للمحامي وأنا دمي بيغلي: “الناس دي مفكراني صيد سهل.. فاكرين إن البوكسين بتوع طارق هما أخر ما عندي”.
المحامي قال لي بقلق: “يا هدى، الموضوع كده كبر.. دي عصابة غسيل أموال ونصب عقاري، لازم نبلغ أخوكي الضابط علطول”.
قلت له: “هنبلغه طبعاً.. بس أنا مش هقعد مستنية في البيت. المخزن ده مكاني، والمنطقة دي منطقتي.. هما اللي جايين يلعبوا في ملعبي”.
تاني يوم الساعة ٩:٣٠ بالليل، كنت واقفة ورا الجيم.. لابسة هدوم رياضية سوداء ومخبية في جيب الجاكيت جهاز تسجيل وساعة تتبع أخويا مديهالي. القوات كانت محاصرة المكان من بعيد ومستنيين الإشارة.
دخلت المخزن المهجور، كانت الإضاءة ضعيفة، وريحة الرطوبة ترعب.
ظهر من وسط الضلمة الراجل.. كان ضخم، لابس بدلة، وحواليه تلات حراس شكلهم سوابق.
الراجل ابتسم بسخرية: “والله وبرافو عليكي جيتي لوحدك.. فين الورق؟”
فتحت الشنطة ووريتها له: “الورق أهو.. فين عقود الشركات اللي باسمي؟”
طلع ملف من جيبه وقال: “أمضي هنا الأول.. وبعدها هتاخدي براءتك من الدنيا دي كلها”.
قربت عشان أخد القلم، وفجأة عيني جت على حركة غدر من واحد من الحراس وراه، كان بيطلع حبل عشان يكتفني من ضهري بعد ما أمضي!
في أقل من ثانية، لفيت وضربت الحارس اللي ورايا بكوعي في فكه، وقع في الأرض غرقان في دمه.
الراجل الضخم رجع لورا وهو مبرق وصاح: “خلصوا عليها!”
الإشارة وصلت لأخويا.. بس عقبال ما القوة تكسر الأبواب، كنت أنا دخلت في معركة حياتي. الحارسين التانيين هجموا عليا، واحد منهم معاه عصاية حديد..
تفاديت ضربة الحديد وضربته “أبر كوت” (لكمية صاعدة) تحت دقنه طيرت وعيه، والتاني مسكته من رقته وعملت له حركة تثبيت من بتوع المصارعة شلت حركته تماماً على الأرض.
كل ده حصل في دقيقتين بالظبط.
رئيس العصابة كان واقف لوحده، وشه جاب ألوان، وبدأ يرجع لورا وركبه بتخبط في بعضها.. تذكرت طارق في ليلتنا الأولى.
قربت منه وأنا بنهج وبمسح عرق من على جبهتي، وقلت له: “أنا محاسبة أه.. بس بحسب خطواتي صح. ورقتي بقى اللي هتمضي عليها دلوقتي هي اعترافك بكل ده”.
في اللحظة دي الباب اتكسر ودخل أخويا والقوة، وأول ما شافوا المنظر.. الحراس على الأرض ورئيس العصابة رافع إيده ودموعه هتنزل، أخويا ضحك وقال: “أنا مش عارف إحنا جايين نعمل إيه.. أنتِ كنتِ سيبتيلنا حد نقبض عليه طيب؟”
انتهت الليلة بوقوع شبكة النصب كلها، ووقعت معاهم أم طارق وطارق اللي اتأكدوا إن “المحاسبة بتاعة الجيم” مكانتش مجرد زوجة.. دي كانت القاضية ليهم كلهم.
حكايات شروق خالد
بعد الليلة دي، افتكرت إن الموضوع انتهى تماماً.. رئيس العصابة اعترف بكل حاجة، وطارق وأمه لبسوا قضايا نصب وتزوير وشروع في قت*ل تخليهم ما يشوفوش الشمس.
لكن الحكاية كان لسه فيها فصل أخير ومفاجأة مكانتش على البال.
بعد أسبوعين، المحامي بتاعي كلمني وصوته كان فيه نبرة غريبة: “هدى.. محامي طارق وأمه طلبني، وعارضين تسوية ودية صدمتني”.
قلت له باستغراب: “تسوية إيه؟ دول في الحبس والورق كله معانا!”
قال لي: “طارق وأمه طلعوا مجرد واجهة.. المالك الحقيقي والأصلي لكل الشركات والأراضي دي، واللي كان مشغل العصابة دي كلها من ورا الستار، يبقى… عمك!”
الدنيا لفت بيا.. عمي “شريف”؟ اللي كان عايش بره مصر بقاله سنين، واللي كان بيجي يطمن عليا بعد وفاة أبويا ويمثل دور الحنين؟
المحامي كمل: “عمك هو اللي خطط لكل ده من البداية. هو اللي زرع طارق في طريقك، وهو اللي كان عاوز ياخد أرض أبوكي والشركات اللي متسجلة باسمك عشان يهرب فلوسه بره البلد.. ودلوقتي بعد ما الخطة فشلت، هو باعت يعرض عليكي عرض: هيتنازل لك عن نصيب في شركات حقيقية وشغالة بملايين، وفي المقابل تقفلي القضية دي خالص وتطلعي طارق وأمه منها، عشان خايف رجليه تيجت في التحقيقات”.
سكتّ ثواني، ودمي غلي في عروقي.. الحكاية مكنتش مجرد طمع من جوز نذل، دي كانت مؤامرة من أقرب الناس ليا.
قلت للمحامي: “قول لمحامي عمي إن هدى موافقة على المقابلة.. بس بشرط، المقابلة تكون في نفس الجيم اللي بشتغل فيه، وبكرة الساعة ١ الضهر”.
تاني يوم، الجيم كان فاضي تماماً بعد ما استأذنت من الإدارة. كنت واقفة في نص حلبة الملاكمة، لافة الرباط الأبيض على إيدي وبضرب في كيس الملاكمة بقوة وعصبية، وكل ضربة بفتكر فيها خيانة عمي وطمع طارق.
الباب فتح.. ودخل عمي شريف، بكامل أناقته والسيجار في إيده، ووراه المحامي بتاعه وشخصين شكلهم حراس خصوصيين.
بص حواليه بسخرية وقال: “أهلاً يا بنت أخويا.. لسه برضه بتحبي اللعب الخشن ده؟ خسارة.. أبوكي الله يرحمه ساب لك ورث يكفيكي هانم، بس أنتِ اخترتي تتبهدلي في المحاكم وفي المكان ده”.
وقفت ضرب، وبصيت له ببرود: “أبويا الله يرحمه ساب لي أرض.. وساب لي أهم من الأرض: ساب لي ضهر ما بينحنيش، وعلمني إن اللي يمد إيده على حاجة مش بتاعته.. تتقطع”.
عمي ضحك بصوت عالي: “كلام حماس كالعادة.. بس البيزنس مفيش فيه الكلام ده. أنتِ معاكي تسجيلات لطارق وأمه وللبلطجي بتاع المخزن، ومفيش أي دليل يربطني أنا باللي حصل. أنا جاي أديكي قرشين حلوين ونقفل الصفحة دي بالذوق.. بدل ما تلاقي نفسك في الشارع”.
قربت من حرف الحلبة، وسندت عليها وقلت له: “أنت صح يا عمي.. مفيش دليل رسمي ضدك في النيابة لحد دلوقتي.. بس أنت نسيت حاجة مهمة”.
“حاجة إيه؟” عمي سأل باستخفاف.
“نسيت إن طارق عيل جبان.. وأول ما حس إن حبل المشنقة بيلف حوالين رقبته، انهار في التحقيق النهاردة الصبح، وقدم للنيابة تحويلات بنكية ورسايل صوتية منك وأنت بتأمره يخلص على الموضوع ويمضيني بالعافية”.
وش عمي اتقلب، السيجار وقع من إيده، وبص للمحامي بتاعه اللي وشه هو كمان جاب ألوان.
في اللحظة دي، من ورا الأجهزة الرياضية في الجيم، ظهر أخويا ومعه قوة من المباحث.
أخويا قرب وهو مطلع الكلبشات وقال: “نورت مصر يا عمي.. بقالك سنين هربان بره، وأهو جيت برجليك عشان تتحاسب على كل القديم والجديد”.
عمي حاول يهرب، والحارسين بتوعه حاولوا يدخلوا، بس قبل ما يتحركوا خطوة، كنت نطيت من فوق الحلبة ووقفت قدامهم.. بنظرة واحدة وعضلات مشدودة، الحراس رجعوا خطوة لورا ورفعوا إيديهم.. عرفوا إن اللي قدامهم مش صيد سهل.
أخويا كلبش عمي، وهو خارج بيلتفت ورا وبص لي بغل وقال: “بنت أخويا توديني السجن؟”
رديت عليه بثقة وأنا بفك رباط إيدي: “بنت أخوك قفلت الحساب القديم.. وحسبتها صح”.
ومن يومها، الطلاق تم، والشركات والأراضي رجعت لحضني، وعرفت إن القوة مش بس في قبضة الإيد.. القوة في العقل اللي بيعرف امتى يضرب، وامتى يحسب خطواته صح.
**ضربة قاضية في شهر العسل** ج2
حكايات شروق خالد