*ميراث النار والحديد** حكايات شروق خالد

الضحك كان أول حاجة سمعتها أول ما قربت من أوضتي القديمة.

لا كان عياط، ولا كان همس، ولا حتى الصوت الخشب المقوم بتاع ناس بتلم في آخر حاجة من ريحة راجل مات. لأ، كان ضحك.

وقفت في طرقة بيت أبويا، إيدي لسه على داربزين السلم، والمفاتيح بتغرز في كف إيدي من كتر ما أنا كبساها. لثانية واحدة غريبة كدا، حسيت إني دخلت بيت غلط. البيت كانت ريحته هي هي—ريحة ملمع الخشب، القهوة القديمة، وريحة زيت المكن الخفيفة اللي كانت دايماً بتلزق في جاكت أبويا وهو راجع من المصنع—بس الصوت اللي طالع من ورا باب أوضتي كان قبيح وبارد لدرجة إنه مستحيل يكون لايق على المكان ده.

وبعدين سمعت صوت قماش بيتقطع.

شدة طويلة وعنيفة.

قلبي سقط في رجلي قبل حتى ما عقلي يستوعب الصوت.

زقيت الباب وفتحت، وشوفت بنات مراتي أبويا واقفين في نص الأوضة وكأنهم أصحاب المكان. لبنى كان في إيدها مقص فضي كبير. مي كانت ماسكة بلوزة حرير من بتوعي وبتنسرها حتة حتة من عند الخياطة. وسارة، الصغيرة، كانت رافعة الموبايل وبتصور كل حاجة وهي بتضحك، ضحكة تخليها تبان زي مراهقة بتصور مقلب مش ست كبيرة بتوثق ج*ريمة.

دولابي كان مفتوح على البحري، وهدومي في كل حته.

مش متبهدلة.. لأ، متدمرة.

الجاكت الرمادي بتاعي كان مرمي على السرير مقسوم نصين. الفستان الكحلي اللي حضرت بيه أكبر صفقة طيران وفضاء في حياتي وقفلناها لصالحنا، كان متداس تحت جزمة مي. وبلوزة بيج أبويا قالي عليها زمان “شكلك فيها شبه رؤساء مجالس الإدارات” كانت متعلقة في مقص لبنى وهي بتشقها من النص.

سألتهم: “أنتم بتعملوا إيه؟”

صوتي طلع ضعيف وصغير في الأوضة. أصغر مما كنت متوقعة. أصغر بكتير من الصوت اللي عمري ما سمحت لنفسي أتكلم بيه في “مصانع منير لقطع الغيار”.

ومن ورايا، دينا هي اللي ردت:

“بنضف الزبالة.”

وقبل ما ألتفت ورايا، كانت مسكت دراعاتي الاتنين ولوتهم ورا ضهري.

الصدمة شلت حركتي ونفست قطع. دينا ما كانتش ست ضخمة؛ كانت دايماً شيك، راقية، وصوتها واطي قدام الناس، من نوعية الستات اللي تلبس حلق لولي وهي نازلة تشتري خضار وتكتب كروت شكر بخط إيدها. بس إيديها قفلت على معاصم إيدي زي الكلبش، ولما حاولت أفلت منها بغريزتي، زقتني لقدام لحد ما كتفي خبط في حلق الباب.

قولت لها: “سيبي إيدي.”

لبنى ضحكت.

وقالت وهي بتقص جاكت تاني: “أنتم سامعين؟ الهانم المديرة بتؤمر.”

مي بصت لي من فوق كتفها ولوت بوزها بغل: “أنتي أصلاً لبسك زي الزفت يا فريدة. غالي اه، بس برضه ذوق زبالة.”

سارة أفتكست ضحكة من ورا الموبايل.

كنت شايفه نفسي في شاشة موبايلها. وشي كان مخطوف ومخطط دم. دراعاتي متكتفة ورايا. وبنات مراتي أبويا بيقطعوا في الهدوم اللي قعدت أبنيها حتة حتة على مدار عشر سنين من الشقى. بدل شريتها بعد كل ترقية.. فساتين للمؤتمرات.. جواكت جبتها بعد ما قفلنا صفقات كبيرة، كل حتة قماش كانت فكرة بتفكرني إني تعبت عشان أخد مكاني في مكاتب كان الناس فيها ساعات بتبص لأبويا الأول قبل ما تبصلي.

قولت بصوت حاولت على قد ما أقدر أخليه ثابت: “لازم توقفوا المهزلة دي.. حالاً.”

دينا قربت من ودني، ريحة برفيومها كانت فاقعة ومسكرة، نفس الريحة اللي كانت حطاها في عزا أبويا من تلات شهور.

وهمست: “أنتي هنا مابتؤمريش حد في البيت ده.”

بصيت على إيديها اللي كبسا على معاصمي وقولت: “أنا صاحبة الشركة.”

لبنى ثبتت إيدها نص ثانية، وبعدين كملت قص في كم الجاكت الأسود بتاعي.

وقالت: “وهي دي بقى.. أساس المشكلة.”

أبويا، منير علام، بدأ “مصانع منير” من جراج إيجار سنة 1985. بدأ بمخرطة واحدة، وزبونين، وعربية ربع نقل مستعملة كانت بتعطل منه كل أسبوع. على ما مات وهو عنده اتنين وستين سنة، الشركة كانت مشغلة متين عامل وموظف، وبتعمل تمانية وعشرين مليون دولار أرباح سنوية، واسمها في سوق قطع الغيار الدقيقة كان يوزن بلد.

هو اللي علمني الشغلانة من الصفر.

وأنا عندي ستاشر سنة، كنت بكنس رايش الحديد من أرض الورش والمخازن. وأنا عندي سبعتاشر سنة، كنت بحفظ أكواد المخازن. ولما بقيت تسعتاشر، كنت بقضي الصيف كله في الحسابات، براجع الفواتير وأوامر الشراء في الوقت اللي أصحابي كلهم كانوا بيقضوا الصيف مصايف وخروج. على سن تلاتة وعشرين، بقيت مديرة العمليات، مش عشان بنت صاحب المصنع، لأ، عشان كنت الوحيدة اللي تقدر تقولك أنهي مورد هيتأخر، أنهي مكنة محتاجة صيانة، أنهي زبون على تكة وهيسبنا ويمشي، وأنهي مدير قسم بيشتغلنا وبيقول كله تمام والكل نايم في العسل.

وبعدين أمي ماتت.

وأبويا، من حزنه ووحدته اللي عمري ما شوفتها فيه قبل كدا، اتجوز دينا بعد ست شهور بس من يوم ما عرفها.

في الأول، قولت لنفسي الفرحة مالهاش وقت محدد.

دينا كانت أرملة ولها تلات بنات. لبنى، ومي، وسارة، كلهم كانوا في سني تقريباً، وكلهم كانوا بيبانوا لطاف ومؤدبين جداً لما أبويا يكون قاعد، وكلهم كانوا هيموتوا ويقولوا له يا “أونكل منير” ويسألوه عن المصنع كأن الموضوع شاغل بالهم بجد. أبويا كان دايماً يؤمن بإننا لازم نسند الناس، فلما دينا احتاجت شغل، شغلها مديرة مكتب. ولما لبنى زهقت من شغل المحلات، عملها مديرة مبيعات. ولما مي ادعت إن عندها موهبة في الدعاية، حطها في التسويق. ولما سارة قالت إنها بتحب التعامل مع البشر، جابها في الموارد البشرية (HR).

أبويا كان دايماً يقول: “الأقربون أولى بالمعروف يا فريدة.”

بس عمرهم ما عاملوني على إني من الأقربون.

في الشغل، لبنى كانت بتقاوح معايا قدام العملاء، وبتضحك وهي بتبوظ أي قرار باخده. ومي كانت بتشيل اسمي من الإيميلات وتعمل نفسها متفاجئة لما أسألها ليه ماشوفتش حملات الدعاية الجديدة. وسارة كانت بترمى كلام وتطلع إشاعات وسط الموظفين، وتقول إني ماوصلتش للمكان ده إلا عشان اسم أبويا.

والمضحك في الموضوع، إن كلهم كانوا قاعدين على مكاتبهم بسبب اسم أبويا.

كنت بعدي ومابتكلمش عشان خاطر أبويا كان بيحب دينا. وعشان كان لسه عايش وسطنا. وعشان كنت فاكرة إن هيكون في وقت بعدين نصلح فيه النفوس دي.

وفجأة في يوم الصبح، مات على مكتبه.

سكتة قلبية. سريعة. قاسية. وخلصت الحكاية.

بعد العزا بأسبوعين، المحامي بتاع بابا قرا الوصية. البيت ومبلغ تأمين محترم راحوا لدينا. الاستثمارات والفلوس السايلة اتوزعت. وبعدين جه دور الشركة.

“مصانع منير لقطع الغيار” بقت بتاعتي.

كلها.

مش متقسمة، مش شراكة، مش قابلة للنقاش.

بتاعتي لوحدي.

دينا وشها جاب ألوان وفار دمهما. لبنى وقفت فجأة لدرجة إن الكرسي اتهبد وراها. مي برقت كأنها خدت قلم على وشها. وسارة بصت لي ب غل كره أعمى.

كانوا فاكرين إنهم هيورثوا حتت من اسم وتعب أبويا.

بس اكتشفوا إنهم بقوا شغالين عندي.

ودلوقتي، بعد تلات شهور، قاعدين بيقطعوا هدومي ودينا مكتفاني.

أنا بطلت عفرة.

وهي دي الحاجة اللي هزتهم ولخبطتهم أكتر من لو كنت قعدت أصرخ وأصوت.

كنت بحفظ كل لقطة في دماغي. مقص لبنى. خاتم مي وهو بيشبك في الحرير ويفتله. موبايل سارة وهو مظبوط على زاوية معينة. إيد دينا اللي كانت بتضغط على معاصمي لحد ما الوجع سمع في عضمي. الضحك. القماش المتقطع. والطريقة اللي نور الشمس بتاعة العصاري كان ضارب بيها في صورة أبويا اللي متبروزة على التسريحة.

كان بيضحك في الصورة دي.

سألت نفسي هو كان هيعمل إيه لو شاف المنظر ده؟

وبعدين استوعبت حاجة.

هو فعلاً سابلي الإجابة.

هو سابلي الشركة.

دينا لما لقتني سكت خالص، وبقيت ببصلهم ببرود، إيديها ريحت من على دراعي.

لبنى رمت المقص على السرير وهي بتنهج، وبصت لحواليها كأن الخناقة خلصت خلاص وهي المنتصرة. ومي رمت آخر حتة من البلوزة على الأرض ودست عليها برجليها، وسارة نزلت الموبايل وهي بتضحك وبتتفرج على الفيديو.

دينا قربت مني وقالت بثقة وغل: “عشان تفهمي بس إنك ولا حاجة من غير أبوكي. اللبس الغالي ده مش هيعمل منك هانم علينا. أنتي هنا هتمشي بأمرنا، والشركة دي لو فاكرة إنك هتديريها لوحدك وتتحكمي فينا، تبقي بتحلمي.”

أنا ماردتش. نزلت دراعاتي بالراحة، وعدلت ياقة قميصي اللي اتبهدل. بصيت للأرض، الأوضة كانت عبارة عن مجزرة قماش، بس عقلي كان صافي زي المراية.

بصيت لدينا وقولت بكل هدوء: “خلصتم؟”

لبنى اتنرفزت من برودي وقالت: “أنتي جبلة؟ معندكيش دم؟”

سيبتهم وخرجت من الأوضة من غير ما أقول كلمة زيادة. نزلت السلم، ركبت عربيتي، ومشيت. ما رحتش بيتي، رحت على المصنع علطول. الساعة كانت دخلت على سبعة بالليل، الورش كانت هديت، بس مكاتب الإدارة كانت لسه منورة بالعمالة اللي بتأقفل حسابات اليوم.

دخلت مكتب أبويا—اللي بقى مكتبي.

قعدت على الكرسي الجلد الكبير، وطلعت موبايلي. كلمت المستشار القانوني للشركة، أستاذ عادل، ومحامي أبويا القديم.

“أستاذ عادل، عايزة حضرتك في المكتب حالا، ومعاك مدير الحسابات، ومدير الأمن.”

ساعتين والكل كان متجمع.

طلعت الورق. الوصية كانت واضحة، بس أنا كنت مستنية اللحظة الصح. دينا وبناتها كانوا فاكرين إن الإدارة مجرد مظهر، بس أنا كنت عارفة الخبايا.

قولت لأستاذ عادل: “لبنى منير علام، مديرة المبيعات.. عايز تقرير كامل عن العمولات اللي طلعتلها آخر شهرين، والعملاء اللي اتنقلوا لحسابات تانية برة الشركة.”

مدير الحسابات اتوتر وقال: “يا فندم، إحنا رصدنا تجاوزات بس البشمهندس منير الله يرحمه كان بيعدي عشان…”

قاطعته: “البشمهندس منير مات. دلوقتي أنا اللي هنا. ومي منير، مديرة التسويق.. عايزة فواتير حملة الدعاية بتاعة المعرض الأخير، ومقارنة بأسعار السوق.”

بصيت لمدير الأمن: “سارة منير، من بكرة الصبح، كارت الدخول بتاعها يتلغي. مش هتعتب باب الشركة.”

ثاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالليل، الكل كان في مكاتبه.

دخلت الشركة وأنا لابسة بدلة كحلي جديدة، تمنها غالي، بس الأهم إنها كانت حادة ومظبوطة كأني نازلة معركة.

دخلت على مكتب لبنى الأول. كانت قاعدة بتشرب قهوة وبتتكلم في الموبايل وبتضحك. أول ما شافتني، ضحكتها اختفت.

“فريدة؟ أنتي جاية الشغل عادي كدا بعد إمبارح؟”

رميت ملف على مكتبها.

“ده قرار فصلك، وتجميد كافة مستحقاتك لحد ما التحقيق يخلص في العمولات والمبيعات اللي هربتيها لشركة منافسة. قدامك عشر دقائق تلمي حاجتك، وأمن الشركة هيرافقك لحد الباب.”

لبنى وشها جاب مية لون: “أنتي اتجننتي؟ أنا أختك!”

قولت لها وأنا ببص في عينيها: “أنا ماليش إخوات. والشركة دي بتاعتي.”

سيبتها ورحت لمكتب مي. السيناريو اكرر. فواتير مضروبة، ونصب في ميزانية الدعاية. الورق كان قدامها، ومضت على استقالتها وهي بتعيط من الخوف بعد ما هددتها بالبلاغ للنيابة بتهمة الاختلاس.

أما سارة، فكانت واقفة عند بوابة الأمن برة، الكارت بتاعها مش عايز يفتح الباب، ورجال الأمن منعينها تدخل.

الخبر وصل لدينا في البيت زي الصاعقة.

الساعة واحدة الضهر، الباب بتاع مكتبي اتفتح بعنف. دينا دخلت، وشها مشدود، ومن غير أي رقة أو لولي. كانت بتصرخ: “أنتي فاكرة نفسك إيه؟ هتطردي بناتي؟ أنا هوديكي في داهية! هرفع قضايا وهحجر عليكي وعلى الشركة!”

وقفت من ورا مكتبي بالراحة.

“ترفعي قضايا بإيه يا دينا؟ البيت اللي أنتي قاعدة فيه ملكك بالوصية، والفلوس اللي في البنك بتاعتك. بس الشركة دي بتاعتي أنا وبس. بناتك طردتهم بالقانون، وبتهم فساد واختلاس لو فتحت بوقك، هسجنهم.”

دينا قربت من المكتب، وعينيها كانت مليانة شر: “أنتي حتة عيلة.. أبوكي هو اللي عملك.”

طلعت موبايلي، وفتحت الفيديو اللي سارة كانت بتصوره إمبارح. سارة كانت بعتته على جروب العيلة عشان يغيظوني، وأنا سحبته.

شغلت الفيديو قدامها. صوت قطع القماش وصوت ضحك بناتك وصوتك وأنتي بتقولي ‘بنتخلص من الزبالة’.

قولت لها بصوت واطي وراسي: “الفيديو ده مع بلاغ للنيابة بتهمة الاعتداء، والسرقة، وإتلاف ممتلكات شخصية قيمتها تعدي الـ ٢٠٠ ألف جنيه.. هدوم ماركات يا دينا، والقصاقيص لسه في الأوضة والبصمات عليها. تحبي نجرب حظنا مع المحاضر؟”

دينا رجعت خطوة لورا. النفس الراقية والبرستيج كله اتهد. عرفت إنها خسرت. خسرت السلطة، وخسرت المصنع، وخسرت حتى هيبتها.

بصيت لها وقولت: “منير علام سابلك بيته عشان كان راجل طيب وبيصون العشرة. بس سابلي المصنع عشان عارف إن أنا الوحيدة اللي هقدر أحميه.. منكم.”

شاورت لمدير الأمن اللي كان واقف عند الباب: “اتفضل يا فندم، مدام دينا خارجة.. ومش هتعتب هنا تاني.”

دينا لفت وضهرها مكسور، وخرجت من المكتب وهي بتجر رجليها.

قعدت على كرسي أبويا، بصيت لصورتنا الصغيرة اللي على المكتب، اتنفست براحة لأول مرة من شهور، وفتحت أول ملف صفقة جديدة.. عشان الشغل لازم يكمل.

 

**ميراث النار والحديد**

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *