“حين طردوا والديّ من بيتهما… انكشف السر الذي أخفته العائلة لعقود” ج1 حكايات شروق خالد
في الليلة اللي كريمة لقت فيها أبوها وأمها سانين ضهرهم على كرتونة مبلولة ومتبهدلين قدام صيدلية مهجورة، عرفت إن حياتها اتشقلبت رأساً على عقب.
المطرة كانت مغرقة شوارع وسط البلد في القاهرة، والعربيات بتطير المية الوثخة في كل حتة، والهوا مشير أكياس البلاستيك على واجهات المحلات المقفولة. تحت تندة مصدية، كان عم جلال والست آمال حاضنين شنطة قماش قديمة، فيها شريطين دوا، والبطايق، وغيارين بالعدد.
كريمة فرملت بعربيتها صف تاني، ونزلت تجري في المطرة من غير شمسية:
— “أمي! في إيه؟ إيه اللي جابكم هنا؟ فين البيت؟”
الست آمال رفعت راسها، شفايفها كانت زرقا من الساقعة، وفي علامة حمرا على إيدها كأن حد كان شاددها جامد:
— “جوزك يا بنتي… مدحت طردنا. جه هو وأمه وأخوه عادل.. غيروا كوالين الأبواب ورموا هدومنا في الشارع.”
كريمة حست كأن مية بتلج نزلت على ضهرها. ست سنين وهي طافحة الدم في نبطشيات المستشفى، وسلفيات، وجمعيات، عشان تدفع تمن الشقة دي اللي في شبرا، والشقة أصلاً مكتوبة باسم أبوها. مكانتش قصر، بس كانت ستر ومأوى، وفيها بلكونة واسعة عم جلال كان دايماً يزرع فيها ريحان.
— “مدحت؟ مدحت مستحيل يعمل كدة!”
عم جلال اتكلم بصوت مرعوب ومبحوح:
#حكايات_شروق_خالد
— “عمل يا بنتي.. وأمه الحرباية كانت بتزعق وتقول مش هنعيش معاهم عواجيز كركوبة. ولما جيت أخد محفظتي، عادل زقني، وفي راجلين غُرب نزلوا من عربية جيب سودة وقفوا يتفرجوا.. مكنوش جيران ولا ناس نعرفهم، كانوا شبه البلطجية ومستنيين إشارة.”
أخدت كريمة أبوها وأمها على بنسيون قريب في وسط البلد، جابت لهم أكل دافي وهدوم ناشفة، وطلبت دكتور لأن أبوها كان بيتنفض ومش قادر يقف على رجله.
أول ما ناموا، سابتهم ورجعت على شقتها اللي في الدقي، الشقة اللي عايشة فيها مع مدحت.
أول ما وصلت، لقت العربية الجيب السودة واقفة تحت العماري، وفيها راجلين ملامحهم تخوف. دخلت الشقة، لقت حماتها فايزة قاعدة بتشرب قهوة ومتربعة في الصالون كأنها صاحبة الملك، وعادل أخو مدحت قاعد على السفرة بيقلب في ورق.
أما مدحت، فكان قاعد على كرسى في ركن ضلمة، عينه في الأرض، وإيديه بتترعش.
كريمة زعقت بصوت زلزل المكان:
— “فهموني في إيه! أبويا وأمي مرميين في الشارع ليه؟”
مدحت رفع راسه، نظرة عينه كانت باردة لدرجة خلت قلبها يقف:
— “مش هيرجعوا البيت ده تاني يا كريمة.”
— “ده بيتهم! أنا اللي دافعة تمنه وهو باسم أبويا!”
عادل طلع ضحكة صفرا مستفزة:
— “يا دكتورة بلاش طيبة زيادة.. كل حاجة وليها تمن، والبيت ده خلاص مبقاش بتاعكم.”
حماتها فايزة قامت وقفت وبصت لها بقرف:
— “ابني اتهد حيله ومش ملزم يصرف على عواجيز ملهمش لازمة. الشقة دي هتتباع، وخلاص خلصنا.”
كريمة بصت لمدحت، كانت مستنية منه كلمة، إشارة، إنه يقول إنهم مجبرين أو إن ده كابوس. بس مدحت جز على سنانه وقال بنبرة ميتة:
— “لمي هدومك وروحي معاهم.. وماتعمليش شوشرة.”
دخلت أوضتها وهي مش شايفة قدامها من الدموع. لمت هدومها، لاب توب بتاعها، وورقها المهم. وقبل ما تخرج، قلعت دبلتها ورزعتها على الترابيزة:
— “من اللحظة دي.. أنت مش جوزي.”
مدحت محركش ساكن ولا حاول يمنعها.
وهي خارجة من بوابة العمارة، العربية الجيب نورت كشافاتها العالية في وشها عشان تعميها وتخوفها. كريمة عملت نفسها مش واخدة بالها، بس بذكاء طلعت موبايلها وصورت نمر العربية وبعتت اللوكيشن لأقرب حد تقدر تثق فيه… الأستاذة صفاء الهواري، المحامية الكبيرة اللي مابتخافش من أتخن تخين.
الخط فتح، وكريمة اتكلمت وصوتها بيترعش:
— “أنا محتجاكي يا أستاذة صفاء.. أهلي في خطر وأنا مش عارفة أعمل إيه.”
صفاء سألتها سؤال واحد محدد وسريع:
— “جوزك يعرف إنك بتكلميني؟”
كريمة في اللحظة دي رفعت عينها لبلكونة الشقة فوق.. لقت مدحت واقف ورا الإزاز، باصص عليها وعينه مليانة دموع، ومن وراه في الضلمة، كان عادل أخوه واقف وموجه مسدس في ضهره!
ساعتها بس، كريمة فهمت إن اللعبة أكبر بكتير، وإن الخيانة دي مكانتش إلا مجرد البداية.
#حكايات_شروق_خالد
كريمة شهقت، لكن تماسكت في آخر لحظة.
لو صرخت… مدحت ممكن يدفع الثمن.
خفضت الموبايل بسرعة، وكملت كلامها مع الأستاذة صفاء كأنها بتحجز معاد عادي.
قالت:
— “تمام يا أستاذة… بكرة الصبح هاجي أجيب الورق.”
صفاء فهمت من نبرة صوتها إن في حاجة غلط.
ردت بهدوء:
— “لا… ابعتيلي اللوكيشن دلوقتي، ومتروحيش لأي مكان لوحدك.”
قفلت كريمة المكالمة، ومشت من غير ما تبص لفوق تاني.
لكن قبل ما تركب عربيتها، وصلتها رسالة من رقم غريب.
“ماتحاوليش تنقذي حد… وإلا الدور الجاي على أبوكي.”
حذفت الرسالة؟ لا.
صورتها، وبعتها فورًا لصفاء.
بعد عشر دقايق، كانت قاعدة في مكتب المحامية.
صفاء بصت في الصور، ورسالة التهديد، ورقم العربية.
وقالت:
— “دي مش خناقة عائلية.”
سألتها كريمة:
— “أمال إيه؟”
قالت وهي بتفتح اللابتوب:
— “رقم العربية دي متبلغ عنها قبل كده في أكتر من واقعة ترهيب.”
كريمة حسّت ببرودة في أطرافها.
— “يعني إيه؟”
— “يعني اللي بيضغطوا على جوزك ناس شغلهم الاستيلاء على العقارات.”
سكتت لحظة، ثم كملت:
— “والظاهر إن بيت أبوكي هو الهدف.”
في نفس الوقت، كان عم جلال فاق من النوم في البنسيون، وافتكر حاجة.
طلب يشوف كريمة فورًا.
أول ما راحت له، مد إيده المرتعشة في جيب الجاكت القديم، وطلع مفتاح نحاس صغير.
قال:
— “أنا نسيت أقولك…”
— “إيه يا بابا؟”
— “قبل جدك ما يموت، سلمني مفتاح مخزن قديم تحت البيت… وقالي ماحدش يعرف عنه غيرك لما أكبر.”
كريمة استغربت.
— “مخزن؟”
هز رأسه.
— “عمري ما فتحته… لأنه قالي مايتفتحش إلا لو حصل مصيبة.”
الأستاذة صفاء كانت واقفة بتسمع.
قالت بحزم:
— “يبقى هنفتحه… لكن بعد ما نبلغ النيابة.”
وفي صباح اليوم التالي، خرجت قوة من الشرطة مع كريمة، وعم جلال، وصفاء.
وقفوا قدام البيت في شبرا.
كان الباب الخارجي متغير.
لكن باب المخزن الحديد القديم، لسه عليه نفس القفل الصدئ.
عم جلال سلّم المفتاح للضابط.
القفل فتح بصعوبة.
أول ما الباب اتزق…
طلعت ريحة تراب ورطوبة قديمة.
ولما نوروا الكشافات…
ظهر صندوق حديد ضخم في آخر المخزن.
عليه اسم جد كريمة محفور بخط اليد.
ولما الضابط قرب يفتحه…
جاله اتصال عاجل على جهازه.
رد، واتغير لون وشه.
لف ناحية كريمة وقال:
— “لازم نطلع حالًا.”
سألته بخضة:
— “ليه؟”
رد وهو بيجري ناحية السلم:
— “لأن جوزك مدحت اختفى… والراجل اللي كان مهدده بالمسدس، لقوه مقتول من نص ساعة.”
حكايات شروق خالد
