دموع في ليلة الزفاف حكايات شروق خالد

نعم
في اللحظة اللي الممرضة زعقت فيها وقالت: “هو مين ده؟ وإزاي يدخل هنا اصلاً؟”، الراجل ده ما اتهزش ولا خطوة لورا. ملامحه كانت زي الصخر، وبص للممرضة بنظرة واحدة خلتها تسكت وتتراجع مكانها من هيبته.
الدكتورة إيناس لفت بغضب وقالت: “يا فندم حضرتك مين؟ دي غرفة عمليات معقمة وحالة حرجة، اتفضل اخرج بره حالاً!”
الراجل مد إيده وفيها كارت أسود محفور عليه اسم بيلوجراف دهب، وبصوت واطي بس قوي ويرن في الأوضة كلها قال: “أنا سليم المنشاوي. المستشفى دي بتملكها المجموعه بتاعتي بالكامل.. والدكتورة إيناس بنفسها متعينة بقرار مني. من اللحظة دي، الست دي وولادها تحت رعايتي وحمايتي الشخصية. أي تقصير، رقاب الكل هتبقى ثمنه. اعملوا شغلكم وخرجوا الثلاثة عايشين.”
رشا كانت سامعة الصوت زي ما يكون جاي من تحت المية، عينيها كانت بتغيب وبتفتح بالعافية من الوجع والصدمة، بس الاسم هزها.. سليم المنشاوي! الملياردير اللي اسمه لوحده بيزلزل سوق المعمار والمقاولات في مصر، الراجل اللي جوزها مدحت كان بيموت بس عشان ياخد منه ميعاد ربع ساعة يعرض عليه مشروع.
سليم قرب من سرير رشا، وبشكل غريب وتلقائي، مسك إيدها اللي كانت بتترعش وساقعة زي التلج. ضغط عليها ضغطة خفيفة وقالها وهو بيبص في عينيها مباشرة: “رشا.. اثبتي. متخافيش من أي حاجة، حقك هيرجعلك تالت ومتلت، بس عدي الأزمة دي عشان ولادك.”
رشا حست بأمان غريب في لمسته، كأن ربنا بعتلها طوق نجاة في آخر ثانية. غمضت عينيها والاستشاري حط ماسك التخدير على وشها، وآخر حاجة شافتها كانت ملامح سليم القوية وهو واقف حارس ليها.
بعد تلات ساعات كاملة من القلق والتوتر بره الأوضة..
سليم كان واقف قدام زجاج غرفة العمليات، لابس قميصه الأبيض بعد ما قلع الجاكيت، وعينيه منزلتش من على الباب. في الوقت ده، تليفون رشا اللي كان مع وحدة من الممرضات رن تاني. سليم مد إيده وأخده، لقى رسالة جديدة من “مدحت”.
الرسالة كانت فيها صورة لمدحت وهو لابس بدلة الفرح وحاضن واحدة تانية ولابسة فستان أبيض، ومكتوب تحتها: “إحنا دلوقتي بنحتفل بليلة العمر في الجونة، مش في كابو عشان مفيش وقت.. المحامي هيجيلك بكره يرميلك قرشين تلمي بيهم نفسك، ابقي خلي الكبرياء بتاعك ينفعك.”
فجأة، الباب اتفتح، وخرجت الدكتورة إيناس وهي بتنهج وبتشيل الماسك من على وشها. سليم قرب منها بسرعة وعينيه فيها سؤال واحد.
الدكتورة ابتسمت بتعب وقالت: “الحمد لله يا سليم بيه.. معجزة. قدرنا نسيطر على النزيف والضغط نزل. رشا دنيتها استقرت، والتوأم (ولد وبنت) زي الفل، بس اتنقلوا الحضّانة عشان اتولدوا في الأسبوع الـ 32.”
سليم أخد نفس طويل، ولأول مرة ملامحه الحادة هديت. وقال: “تتنقل فوراً لأكبر جناح ملكي في المستشفى، ويكون عليها حراسة 24 ساعة، ومفيش مخلوق يدخلها غير بإذن مني شخصياً.”
بعد يومين..
رشا بدأت تفوق تماماً، لقت نفسها في أوضة أشبه بجناح في فندق سبع نجوم، الورد مال المكان، وجنبها شاشات بتعرض حالة ولادها في الحضّانة لحظة بلحظة.
الباب خبط، ودخل سليم وهو ماسك في إيده ملفات. رشا حاولت تقعد بتعب، بس هو شاورلها براحة وقال بلهجة هادية ومحترمة: “حمد لله على سلامتك يا مدام رشا.. وألف مبروك على (ياسين وفريدة)، نورتي الدنيا بيهم.”
رشا دموعها نزلت وقالت بصوت مبحوح: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا سليم بيه.. أنت أنقذت حياتي وحياة ولادي.. بس أنا مستغربة، أنت تعرفني منين؟ وتعرف جوزي.. قصدي طليقي منين؟”
سليم قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وبص لها بنظرة فيها كمية غضب رهيبة تجاه مدحت، وقال: “مدحت شغال في السوق وعارفه، بني آدم وصولي ومعندوش ريحة الدم. هو كان فاكر لما يرميكي ويقفل حساباتك وياخد الشقة باسم مراته الجديدة (بريهان) بنت وزير سابق، إنه كده بقى فوق القانون ومحدش هيحاسبه.”
سليم فتح الملف وقال: “بس اللي ميعرفهوش، إن الشراكة اللي كان هيموت وياخدها من مجموعتي، أنا لغيتها النهاردة الصبح. مش بس كده.. أنا اشتريت كل الديون اللي على شركته من البنوك. يعني جوزك السابق حالياً.. مديون ليا أنا شخصياً بـ 150 مليون جنيه.”
رشا شهقت من الصدمة: “150 مليون؟!”
سليم ابتسم ثقة وقال: “وأنا مش هسيبه. بس الخطوة الأولى تبدأ منك أنتي.. أنتي قوية يا رشا، ومستحيل تكسريه وأنتي ضعيفة. أنا كلفت أكبر مكتب محاماة في مصر يرفع قضية نفقة، مؤخر، وتمكين من الشقة اللي طردك منها، وقضية شروع في قت*ل جنين بسبب الضغط النفسي اللي سببهولك.”
رشا بصت للملفات وحست بقوتها بترجع ليها تاني. شالت دموعها وقالت بعزيمة: “أنا موافقة.. ومش هسيب حقي ولا حق ولادي.”
بعد شهرين..
كان مدحت قاعد في مكتبه، وشه شاحب، وتحت عينيه هالات سودا. تليفونه مبيفصلش رن من البنوك والموردين اللي بيطالبوا بفلوسهم. بريهان مراته الجديدة كانت واقفة بتزعق وتخبط على المكتب: “يعني إيه الحسابات اتجمدت؟ يعني إيه فيلا الجونة عليها حجز؟ أنت ضحكت عليا وفهمتني إنك مليونير وأنت طلعت شحات ومستلف من طوب الأرض؟!”
مدحت صرخ فيها: “اسكتي خالص! كله بسبب سليم المنشاوي.. دمرني في السوق، قفل في وشي كل الأبواب ومبقاش معايا مليم!”
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل المحضر ومعاه قوة من الشرطة، ومعاهم محامي رشا.
المحضر قال بصوت جهوري: “أستاذ مدحت.. معانا حكم محكمة واجب النفاذ بتمكين السيدة رشا منيف (رشا طليقتك) من الشقة والفيلا، وحجز إداري على الشركه ومحتوياتها لسداد النفقات المتأخرة.”
مدحت اتجنن، سابهم وجري بالفلوس الباقية معاه في جيبه وركب عربيته وطلع بأقصى سرعة على المستشفى اللي عرف إن رشا بتعمل فيها الفحص الدوري للولاد، كان رايح وعينيه فيها شر، وعايز ينتقم منها وفاكر إنها هي السبب في كل ده.
قدام باب المستشفى..
رشا كانت خارجة، شيلالها ياسين، والممرضة شالا فريدة، وبيركبوا عربية سليم المرسيدس السودا الكبيرة.
فجأة، عربية مدحت فرملت وعملت صوت عالي، نزل منها مبهدل، لبسه مش متظبط، وعينيه حمرا من الغل.
مدحت جير عليها وزعق: “أنتي! أنتي يا جربوعة تعملي فيا أنا كده؟! تخرب بيتي وتاخدي شقتي؟ مين اللي وراكي؟”
قبل ما يمد إيده أو يقرب خطوة واحدة من رشا، ظهر سليم المنشاوي من ورا العربية زي السد المنيع. مسك إيد مدحت ولواها ورا ضهره بحركة سريعة وقوية خلت مدحت يصرخ من الوجع ويوطي على ركبه في الأرض.
سليم بص له من فوق لتحت باحتقار شديد وقال له بصوت هز المكان: “فوق لنفسك وأنت واقف قدام حرم سليم المنشاوي.”
مدحت بصدمة وهو مش قادر يتنفس: “حرم.. حرم مين؟! رشا؟ أنتي اتجوزتي ده؟!”
سليم ووطى لغاية مستوى وشه وقال له الكلمة اللي قطمت ضهره تماماً: “أنت افتكرت إنك لما ترميها في الشارع وهي بتموت، إنها هتفضل لوحدها.. أنت اللي رميتها وضيعتها من إيدك.. أنا بقى مسبتهاش، شيلتها هي وولادها، وبقوا اسمي وعرضي. ومن النهاردة، ولادك دول هيتربوا في قصري، وهيقولوا ليا أنا يا بابا.. وأنت مكانك الحقيقي ورا القضبان.”
سليم ساب إيده، ورجال الأمن بتوع المستشفى جم بسرعة وكتفوا مدحت اللي كان بيصرخ زي المجنون والناس بتتفرج عليه وبتصوره، وهو شايف رشا بتركب العربية الهامرة الفخمة، وبتبص له بنظرة شفقة وازدراء، ومشت العربية وسابته في التراب، بعد ما خسر كل حاجة: فلوسه، مركزه، وولاده، والست الوحيدة اللي كانت بتحبه بجد.

حكايات شروق خالد

مدحت كان راكع على الرصيف، ريقه ناشف، والكلبشات بتتقفل في إيده بعد ما أمن المستشفى لمه وطلب له الشرطة بتهمة التعدي ومحاولة الاعتراض. كان بيبص على أثر عربية سليم وهي بتختفي وسط زحمة شوارع القاهرة، وحاسس إن القلم اللي أخد على وشه صحاه على كابوس مش هيخرج منه.
جو العربية المرسيدس كان هادي جداً، وصوت التكييف يدوب مسموع. رشا كانت ضامة ياسين لصدقها، ودموعها نازلة، بس المرة دي مش دموع قهر.. دي دموع الارتياح.
سليم لف وشه وبص لها، ملامحه الحادة اختفت تماماً وحل مكانها هدوء غريب. مد إيده بمنديل وقالها: “خلاص يا رشا.. الصفحة دي اتقفلت تماماً، والراجل ده مش هتشوفيه تاني في حياتك. من هنا ورايح، مفيش عياط.”
رشا مسحت دموعها وبصت له بامتنان: “أنا مش عارفة أقولك إيه يا سليم بيه.. أنت عملت معايا ومع ولادي اللي محدش يعمله. بس.. الكلمة اللي قولتها بره لمدحت.. حضرتك قولت (حرم سليم المنشاوي)؟”
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها ثقة ووقار، وقال: “أنا مابقولش كلام في الهواء يا رشا. لما شوفتك في أوضة العمليات، وشوفت نذالة البني آدم ده، عرفت إن ربنا حطني في طريقك لسبب. أنا مش بس هحميكي.. أنا عايزك تبقي شريكة حياتي. وولادك دول؟ من اللحظة دي هما ولادي، والمنشاوي مابيسيبش ولاده.”
رشا قلبها دق بسرعة، ومكنتش مصدقة إن العوض ممكن ييجي بالسرعة دي ويكون بالحجم ده.
بعد ست شهور..
داخل قصر المنشاوي في التجمع الخامس، الأجواء كانت مبهجة جداً. القصر كله كان متزين بالورد الأبيض بمناسبة عقيقة ياسين وفريدة، وكتب كتاب سليم ورشا.
رشا كانت واقفة قدام المراية الكبيرة، لابس فستان أبيض رقيق وجذاب، ملامحها رجعت تنور تاني، والضحكة ملت وشها بعد ما حست بالاستقرار والأمان. سليم دخل الأوضة، كان لابس بدلة سودا شيك جداً، قرب منها وحط إيده على كتفها وبص لترددها في المراية وقال: “زي القمر.. أحلى عروسة في الدنيا.”
رشا لفت له وقالت بحب: “شكراً يا سليم.. شكراً لأنك رجعتلي روحي.”
في نفس اللحظة، المربيات دخلوا ومعاهم ياسين وفريدة، سليم شال ياسين وباسه، ورشا شالت فريدة، ونزلوا سوا للجناين الواسعة اللي كانت مليانة بأكبر رجال الأعمال والمسؤولين في البلد اللي جايين يباركوا لـ “كبير عائلة المنشاوي”.
وفي مكان تاني خالص.. وراء قضبان سجن المزرعة.
كان مدحت قاعد في الزاوية، لابس لبس الحبس الأزرق، دقنه طويلة، ووشه دبلان. المحامي بتاعه كان واقف بره السلك وبيتكلم بنبرة يائسة: “يا مدحت بيه.. مفيش فايدة. سليم المنشاوي قفل كل الثغرات. القضية مش بس ديون وشيكات.. دي بقيت قضية تزوير في أوراق رسمية لما حاولت تنقل الشقة باسم بريهان بعقود قديمة. الحكم نزل بـ 7 سنين سجن مشدد، وبريهان رفعت عليك قضية خلع واختفت.”
مدحت سأد ضهره على الحيطة الساقعة، ودموعه نزلت من الندم. افتكر رشا وهي كانت بتدعي له وهي صايمة، افتكر طيبتها اللي كان بيشوفها ضعف، واكتشف إنه في رحلة جريه ورا الفلوس والمظاهر، خسر كل حاجة.. ودمر نفسه بإيده.
أصوات الفرح والأغاني من فرح سليم ورشا كانت واصلة لكل مكان، ورشا وهي حاضنة ولادها وجنبها راجل بجد بيحميها، عرفت إن ربنا لما بياخد من البني آدم حاجة غالية ويصبر.. بيعوضه بعوض يليق بصبره.

دموع في ليلة الزفاف
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *