العقد الم*لعون: سر الصامت وبراءة المظلوم حكايات شروق خالد

كانت الست بتزعق بصوت عالي لدرجة إن نجف الكريستال اللي فوق في قاعة الحفلات كان بيترعش.
مش بيتهز.. بيترعش.
كل المعازيم في حفلة مؤسسة الشامي الشتوية الخيرية لفوا وشهم ناحية الجزء الشمالي من القاعة، مكان ما كان فيه فاترينة عرض إزاز مكسورة ومتبهدلة على الأرض الرخام زي تلج سايح. جوة الفاترينة المكسورة دي، كانت فيه قاعدة قطيفة فاضية. عقد الياقوت الأزرق اللي كان محطوط عليها من عشر دقائق بس.. اختفى.
وقدام الفاترينة الفاضية دي، كانت واقفة عاملة من الفندق بلبسها الرمادي، ومطبقة إيديها الاتنين على وسطها جامد لدرجة إن عقل صوابعها ابيضت من كتر الشد.
سوزان الشامي زعقت وصوتها بيقطع المزيكا والكلام ورنة كاسات الشربات: “أنتي مستوعبة أنتي عملتي إيه؟ العقد ده كان بتاع مراته الأولى.. ده ثمنه أكتر من اللي هتكسبيه في عشرين سنة!”
العاملة ماردتش.
فضلت تبص في الأرض بس.
وده خلا سوزان تتعصب أكتر.
“بصيلي وأنا بكلمك!”
العاملة رفعت وشها.
الاسم اللي على بطاقتها كان: ليلى حسن.
كانت في أوائل التلاتينات، عينيها باين عليها التعب، لامة شعرها كعكة عادية، وفيها نوع من السكون اللي الناس بتفتكره ذنب.. عشان ميعرفوش شكل الخوف لما ميبقاش عنده مكان يهرب فيه.
ليلى قالت بصوت واطي: “أنا ملمستش العقد يا مدام سوزان”.
سوزان ضحكت ضحكة واحدة، حادة ورخمة.
“وعايزاني أصدقك؟ أنتي كنتي مسؤولة عن الجناح ده.. واتشافتي قريبة من الفاترينة.. ودلوقتي العقد مش موجود!”
راجل من الأمن قرب خطوة، وعامل تاني وشوش في اللاسلكي. كذا حد من المعازيم طلعوا تليفوناتهم، مش علني ولا بشجاعة، بس كانوا يادوب مميلين الشاشات عشان يصوروا الفضيحة وهم عاملين نفسهم متأثرين.
على آخر طرف الزحمة، كان واقف ولد عنده تمان سنين ببدلة كحلي.
ياسين الشامي.
ابن مراد الشامي الوحيد.
الولد ده مانطقش جملة كاملة على بعضها من سنتين تقريباً.
من ليلة ما والدته، فريدة، ماتت في حادثة عربية على طريق سفر سريع. ومن ساعتها وسوزان، اللي كانت صاحبة فريدة الأنتيم، دخلت قصر الشامي بصواني الأكل، والمواساة، وطول البال اللي اتقلب بعد كده لحب تملك.
دلوقتي ياسين كان واقف تحت فرع زينة من شجر الكريسماس الملفوف بنور أبيض، إيديه الصغيرة جنبه، وبيراقب مرات أبوه وهي بتبهدل ست قدام تلت توميت قالب من أغنى الناس.
محدش كان مديله اهتمام.
محدش أصلاً كان بيهتم بيه لما سوزان بتبدأ عرضها.
سوزان جزت على أسنانها وهي بتبص لليلى: “أنا قلتلك م تلمسيش حاجة.. قلت لكل الناس هنا إن الأوضة دي خاصة. أنتي عندك فكرة العقد ده معناه إيه للعيلة دي؟”
ليلى بلعت ريقها.
“أنا كنت بس بغير الورد اللي على الترابيزة الجانبية”.
“وإيديك جوة فاترينة مقفولة؟”
“لأ”.
“أمال هو فين؟”
“معرفش”.
سوزان لفت للمعازيم، وحلق الماظ بتاعها بيلمع كأنه موافق على كلامها: “ده اللي بيحصل لما الناس بتنسى مقامها”.
الجملة دي وقعت أصعب من الاتهام نفسه.
وش ليلى اتغير، بس برضه ما عيطتش.
والتماسك ده بالذات هو اللي استفز سوزان أكتر حاجة.
سوزان أمرت: “فتش شنطتها”.
راجل الأمن تردد: “مدام سوزان، المفروض نستنى مراد بيه أو المأمور…”
سوزان قطعت كلامه: “جوزي في مكالمة مهمة مع المحافظ عشان تبرعات.. والست دي مش هتمشي من هنا غير لما العقد بتاعي يرجع”.
الأمن لف ناحية ليلى وهو باين عليه مش مرتاح.
فجأة، فيه صوت طلع من آخر الزحمة.
صغير.
واطي.
واضح.
“لأ”.
القاعة كلها حالها اتقلب.
مش عشان الكلمة كانت عالية.
عشان ياسين الشامي هو اللي قالها.
سوزان اتسمرت في مكانها.
عصبيتها ما راحتش فجأة، بس اتهزت.. زي ما لهب الشمعة بيريّح لما باب يتفتح في عز التلج.
سألت: “أنت قلت إيه؟”
ياسين كان بيبص لها.
وشه كان مخطوف، وعينيه واسعة بس ثابتة.
كرر تاني: “لأ”.
همهمة بدأت تلف بين المعازيم.
سوزان بوزها شبر: “ياسين، مش وقته الكلام ده”.
الولد خد خطوة لقدام.
ليلى بصت له لأول مرة، وملامحها اتغيرت من الخوف للحيرة.
ياسين شاور على ليلى.
“مش هي”.
ضحكة سوزان رجعت تاني، بس كانت باهتة ورفيعة: “يا حبيبي، أنت مش عارف أنت شفت إيه”.
“أنا شفت”.
الكلمتين كانوا يادوب فوق الهمس، بس سمعوا في الأوضة كلها كأن كاس اتكسر.
سوزان وطت شوية عشان تبقى في مستوى طول الولد، بس مفيش أي حاجة في وقفتها كانت حنينة.
قالت وهي بتنطق كل حرف كأنها بتمثل قدام الجمهور: “ياسين، أنت يومك كان صعب ومتوتر.. روح دور على دادة نادية”.
دادة نادية مكنش ليها أثر في المكان.
ياسين ماتحركش.
عنيين سوزان بقت حادة.
“م تتدخلش”.
بس صوتها مكنش فيه نفس القوة بتاعة الأول.
عشان الموضوع دلوقتي مابقاش مجرد اتهام سرقة.
بقى حوار.. وكل الناس بتتفرج.
ياسين بص للفاترينة المكسورة، وبعدين لليلى، ورجع بص لسوزان.
وبعدين قال الكلمة اللي خلت وش مرات أبوه يقلب أبيض ويفضى من الدم.
“تاني”.
لثانية واحدة، محدش فهم حاجة.
بعدها ليلى همست: “تاني؟”

حكايات شروق خالد

سوزان حاولت تلم الموضوع بسرعة، وضحكت ضحكة صفرا وهي بتبص للمعازيم: “معلش يا جماعة، الولد تلاقيه مهيبر من زحمة الحفلة ومش مركز بيقول إيه.. خدوها على المكاتب جوة فتشوها”.
لكن ياسين ما سكتش، وخد خطوة كمان لقدام، وصوته المرة دي كان أقوى وأوضح: “تاني.. زي ما عملت مع ماما فريدة”.
الكلمة نزلت على الصالة زي الصاعقة. المزيكا وقفت تماماً، والهمس اللي بين الناس اتقطع، ومبقاش مسموع غير صوت أنفاس سوزان اللي بدأت تزيد وتتحول لنهجان من الصدمة والخوف.
مراد الشامي دخل القاعة في اللحظة دي وهو شايل تليفونه، وباصص حوليه باستغراب من الهدوء المرعب اللي مالي المكان: “في إيه هنا؟ والصوت ده كان عالي كده ليه؟”
سوزان جريت عليه بسرعة، وإيديها بترتعش وهي بتمسك في دراعه: “مراد! كويس إنك جيت.. الخدامة دي سرقت عقد فريدة، ولما جيت أحاسبها، ياسين دخل في حالة صدمة وبيتكلم بكلام مش مفهوم.. أرجوك خلي الأمن يخرج البنت دي برة ويطلب الشرطة”.
مراد بص لمراته، وبعدين بص ل ليلى اللي كانت واقفة مكانها بكرامة ووجع، وأخيراً نزل عينيه لابنه ياسين. مراد قعد على ركبته عشان يبقى في مستوى ابنه، ومسكه من كتافه براحة: “ياسين.. يا حبيبي.. أنت اتكلمت؟ قولي يا ابني، قصدك إيه بكلمة تاني؟”
ياسين رفع صبعه الصغير وشاور بيه في وش سوزان علطول: “هي.. هي اللي كسرت الإزاز برضه.. زي ليلة ما ماما ماتت”.
الناس بدأت تبص لبعضها بذهول، وسوزان وشها جاب ألوان: “مراد م تصدقوش! ده طفل ومش دريان، أنا كنت صاحبة فريدة الأنتيم، هعمل كده ليه؟!”
ياسين كمل وهو عينيه بتدمع لأول مرة من سنتين: “أنا شفتها يا بابا.. ليلة الحادثة، هي اللي كانت بتزعق لماما في الأوضة، وماما كانت بتعيط، وسوزان شدت منها العقد ده والشنطة وماما جريت بالعربية وهي بتعيط وعملت الحادثة.. والنهاردة أنا شفت طنط سوزان وهي بتخبي العقد في شنطتها الكبيرة قبل ما تكسر الفاترينة بالفازة، عشان تقول إن ليلى هي اللي سرقته.. زي ما قالت زمان إن ماما هي اللي كانت سايقة بسرعه!”
مراد الشامي قام وقف على حيله، وعينيه بقت زي الجمر من الغضب. بص لسوزان اللي كانت بترجع لورا وخلفيتها بتخبط في التربيزات من الرعب.
مراد نده بأعلى صوته: “أمن القصر! محدش يخرج من القاعة، واقفلوا البوابات.. وهاتولي الشنطة بتاعة هانم”.
بتاع الأمن قرب من سوزان وسحب الشنطة من إيدها بالعافية وفتحها قدام مراد.. وجوة الشنطة، وسط أدوات المكياج، كان عقد الياقوت الأزرق بيلمع تحت الإضاءة.
مراد بص لسوزان بقرف وقال للظابط اللي كان لسه واصل: “خد الست دي من هنا.. البلاغ مش هيبقى سرقة بس.. البلاغ هيبقى إعادة فتح تحقيق في حادثة ق*تل مراتي الأولى”.
سوزان بدأت تصرخ وتتوسل وهي الأمن بيسحبها برة القاعة وسط نظرات الاحتقار من كل المعازيم اللي كانوا من دقيقتين بس بيتفرجوا على الفضيحة.
مراد لف ناحية ليلى، وطأطأ رأسه بأسف: “أنا بعتذر لك يا بنتي.. حقك عليا، لولا وجودك والعدالة الإلهية، مكنتش هعرف حقيقة موت مراتي، ولا كنت هسمع صوت ابني تاني”.
ليلى هزت رأسها بالراحة وهي بتبتسم لياسين اللي جرى عليها ومسك في إيدها، وكأن الكلمة اللي نطقها مأنقذتش ليلى بس.. دي أنقذت روحه هو كمان من سجن السكوت.

حكايات شروق خالد
العقد الملعون: سر الصامت وبراءة المظلوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *