قناع الملياردير ج 2 حكايات شروق خالد
القاعة كلها اتقلبت في ثواني. همس ونبرات ذهول بين المعازيم، والصحفيين بدأوا يجروا ورا طارق وهو خارج من الباب وعقله طاير من الصدمة. الناس مكنتش فاهمة حاجة، بس أنا ومريم كنا سامعين صوت حيطان الخوف وهي بتهد فوق دماغه.
أبو مريم جالي وهو مش مستوعب، وشه كان خاطف ولونه ضايع: “في إيه يا أم مريم؟ طارق مشي ليه؟ والناس بتقول إيه؟”
طبطبت على كتفه وقلت له بصوت مسموع وسط الهيصة: “مفيش حاجة يا أبو مريم، طارق طلع مش من توبنا، والحمد لله إن ربنا كشفه على حقيقته قبل ما يكتب الكتاب. يلا بينا من هنا.”
أخدت بنتي وجوزي وبمساعدة سليم اللي كان مستنينا برة بعربيته، خرجنا من وسط الزحمة ورجعنا بيتنا. أول ما قفلنا الباب علينا، مريم اترميت في حضني وبكت بكاء هستيري، بس المرة دي مكانش بكاء رعب، ده كان بكاء الروح اللي كانت مسجونة واتكتب لها عمر جديد.
“أمي.. أنتي عملتي كده إزاي؟” سألتني وهي بتمسح دموعها والكونسيلر بيمسح معاه أثر الظلم اللي كان على شفتها.
بصيت لها وقلت لها: “الناس اللي زي طارق يا مريم بيفتكروا إن الفلوس بتشتري كل حاجة، وبيفتكروا إن الطيبين دول ناس هبل ملهمش ضهر. هما بيخافوا مابيتخافش منهم، وأول ما بتملكي الخيط اللي بيخنقهم، بيتحولوا لفران.”
سليم قعد معانا وفتح اللاب توب بتاعه: “يا عمتي، الداتا اللي معايا دي قنبلة موقوتة. طارق مش بس كان هيدمر عمي، ده كان بيلعب بمقدرات بلد، وشغل التهريب وغسيل الأموال اللي هنا يوديه في ستين داهية.”
قلت لسليم بذكاء الست المصرية اللي بتعرف تحمي بيتها: “الملفات دي تفضل معاك يا سليم، نسخة على السيرفر ونسخة في مكان أمان. طارق مش هيقدر يرفع عينه في عيننا تاني، لأنه عارف إن روحه بقت في إيدنا. لو حاول يمس شعرة من أبو مريم بالملفات المزورة، هنمضي قرار إعدامه بالملفات الحقيقية.”
ومرت الأيام..
طارق حاول يداري فضيحته قدام المجتمع والميديا، ونزل بيان إن “القسمة والنصيب” هما السبب وإن ظروف شغله هي اللي منعت الجوازة، وسافر برة مصر بحجة إدارة أعماله، بس الحقيقة إنه هرب من شكل نفسه قدام الست اللي كان فاكرها مجرد خبازة غلبانة.
بعد شهرين، كنا قاعدين في الصالة بنشرب شاي، ومريم كانت بتضحك من قلبها وهي بتساعدني في تجهيز طلبية كحك وبسكوت كبيرة للمحل بتاعنا. أبوها كان قاعد رايق وراسه مرفوعة وسط ناسه وأهله، ومحدش قدر يمسه بسوء.
بصيت لبنتي وقلت لها: “عرفتي بقى يا مريم إن العجين مش بس بيتعمل منه لقمة ناكلها؟ العجين ده بيعلمنا الصبر.. وبيفتل الإيدين عشان وقت الشدة تعرف تقرص على رقبة اللي يظلمنا.”
ابتسمت مريم وباست إيدي، وفي اللحظة دي عرفت إن طارق بملياراته وجيشه خسر المعركة قدام أم مفيش في إيدها غير حب عيلتها.. وشوية ذكاء.
حكايات شروق خالد
بعد سنة كاملة من الليلة دي، المحل الصغير بتاعنا اتوسع وبقى اسم معروف في المنطقة كلها. مريم رجعت لضحكتها القديمة، وبقت هي اللي بتدير الشغل والحسابات بذكاء وقوة مكانوش عندها قبل كده. الأزمة دي نشّفت عودها وخليتها تفهم إن الوشوش الجميلة وراها شياطين، وإن القوة مش بالفلوس، القوة باللي واقف في ضهرك.
في يوم العصر، وأنا واقفة بظبط الصاجات في الفرن، لقيت سليم داخل عليا والمحل فاضي، وشه كان فيه نظرة غريبة.. مزيج من الذهول والراحة.
حط التليفون قدامي على الترابيزة وقال لي: “اشربي شربات يا عمتي.. الحوت غرق.”
بصيت في شاشة التليفون، كان خبر عاجل على المواقع الإخبارية الكبيرة وصورته وهو مكلبش ومغطين وشه ببدلة كحلي: *(القبض على رجل الأعمال الشهير طارق … بتهمة الكسب غير المشروع وغسيل الأموال وتهريب شحنات غير قانونية عبر الميناء)*.
جسمي قشعر. سألت سليم بصوت واطي: “أنت اللي بعت الملفات يا سليم؟”
سليم هز راسه بالنفي وقال: “لأ يا عمتي، أنا منفذتش كلامك وملمستش الداتا. بس الحيتان اللي زي ده دايماً بياكلوا في بعض، وهو مكانش سايب حد إلا وأذاه. الأجهزة الرقابية كانت متبعاه وموقعاه في حساباتها، والنهاردة الفجر كبسو عليه وقفلو الشركات بتاعته كلها. ملياراته مشفعتلوش، والجيش اللي كان بيخوفنا بيه اتبخر في ثانية.”
قعدت على الكرسي وأنا بنهج، وحسيت كأن جبل كان شايل على كتافي ونزل. طارق مابقاش مجرد تهديد منتهي، طارق بقى صفحة اتقفلت للأبد في كتاب حياتنا، ومبقاش ليه وجود يقلقنا تاني.
مريم دخلت من باب المحل، شافت الخبر في التليفون، وبصتلي. عينيها لمعت بالدموع، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا دموع قهر.. دي كانت دموع نصر ونهاية كابوس.
قربت مني، وطت على إيدي باستها وقالت: “الحمد لله يا أمي.. ربنا جاب لنا حقنا تالت ومتلت من غير ما نلوث إيدينا.”
أخدتها في حضني، وبصيت برة المحل، كانت الشمس بتغرب ونورها دافي وجميل بيملى الشارع. افتكرت ليلتها في دار المناسبات لما كان فاكرنا حشرات ومقثف مننا، وافتكرت شكله وهو بيترعش قدام شاشة التليفون.
مسحت على شعر بنتي وقلت لها: “الدنيا دي دوارة يا مريم، واللي يفتري على الخلق بفلوسه وسلطانه، ربنا بيبعتله اللي يكسر عينه بأصغر حاجة. إحنا كفينا وعجنا، وربنا هو اللي سوى الحكاية على نار هادية.”
قفلنا المحل يومها بدري، ورجعنا البيت وإحنا حاسين بأمان حقيقي ملوش تمن، أمان مبيتشتريش بمليارات الدنيا، أمان صناعة إيدين أم عرفت تحمي بيتها وبنتها في الوقت الصح.
قناع الملياردير
حكايات شروق خالد