لقاء بعد الفراق ج2 حكايات انجي الخطيب
الفصل الثالث والأخير
انغلقت ضوضاء الجامعة الأمريكية خلفهم، لكن الضوضاء الأكبر كانت قد بدأت للتو في الخارج. خرجت “لارا” ووالدتها والشرر يتطاير من أعينهما، ولم تمر دقائق حتى بدأت الهواتف تهتز في جيب “آدم السيوفي”. اتصالات متتالية من مديري علاقاته العامة، ومن والدته “السيدة نائلة”، ومن شركائه في السوق. الفضيحة كانت تدق الأبواب، لكن آدم، ولأول مرة منذ خمس سنوات، كان يشعر بالهدوء. الخوف الذي عاش فيه لسنوات من خسارة اسم عائلته أو اهتزاز أسهم شركته تبخر تماماً بمجرد أن نظر إلى “ياسين”.
في غرف الاستراحة، كانت ليلى واقفة مذهولة، تنظر إلى الدبلة التي تركتها لارا وراءها على الطاولة، ثم تنظر إلى آدم.
“أنت مجنون يا آدم؟” همست وهي تحاول التقاط أنفاسها. “أنت دمرت كل حاجة في ثواني! خطوبتك، برستيجك، عيلتك… أنت عارف لارا وأهلها ممكن يعملوا إيه في سوق العقارات؟”
تحرك آدم نحوها بخطوات ثابتة، وعيناه ممتلئتان بنظرة لم ترها ليلى منذ ليلتهما الأخيرة في القاهرة. نظر إليها وقال بصوت هادئ ومنخفض:
“البرستيج والفلوس والاسم كانوا حيطة سد عشت وراها خمس سنين وأنا ميت يا ليلى. كنت فاكر إنك بعتيني، كنت بصحى كل يوم أسأل نفسي أنا قصرت في إيه عشان تمشي وتسيبيني؟ لما شوفت ياسين… وشوفت عيونه، عرفت إن الحقيقة أغلى بكتير من أي صفقة. أنا مش هسيبك تمشي تاني، ومش هسيب ابني يتربى بعيد عني وعن اسمي.”
في تلك اللحظة، فُتح الباب الداخلي وخرج ياسين ببطء، ينظر إليهما بعيون تملأها الحيرة. اقترب من والدته وأمسك بفستانها:
“ماما… إحنا هنمشي؟”
آدم لم يتمالك نفسه. نزل على ركبتيه ليصبح في نفس مستوى طول الصغير. شعر برعشة في جسده وهو يمد يده ببطء شديد، كأنه يخشى أن يلمس سراباً فيختفي. ياسين لم يتراجع، بل ظل ينظر إلى وجه آدم بفضول طفولي. وضع آدم يده على كتف الصغير، ونطقت شفتاه بأكثر الكلمات صدقاً في حياته:
“يا سيدي… أنا اسمي آدم. وأنا مش بس عمو… أنا هكون معاك دايماً من هنا ورايح.”
التفت ليلى بوجهها بعيداً وهي تبكي بصمت، بينما نظر الولد لآدم وقال ببراءة:
“أنت عندك غمازة زيي…”
ابتسم آدم والدموع تحتبس في عينيه: “أنت اللي عندك غمازة شيك زيي يا بطل.”
لم يمر اليوم بسلام. اضطر آدم لإرسال ليلى وياسين مع سائقه الخاص إلى فندق هادئ بعيداً عن الأنظار، بينما توجه هو مباشرة إلى قصر عائلة السيوفي في حي جاردن سيتي. كان يعلم أن المواجهة الحقيقية تنتظره هناك.
عندما دخل القصر، كانت الأجواء مشحونة. “السيدة نائلة”، والدته، كانت تجلس في الصالون الكبير وبيدها هاتفها، ووجهها يحمل علامات الغضب الشديد. بمجرد أن رأت ابنه يدخل ببدلته، وقفت وصاحت:
“أنت جنيت يا آدم؟ إيه المهزلة اللي حصلت في الجامعة دي؟ مكلمني لارا وأمها في حالة انهيار، وبيقولوا إنك رميت الدبلة عشان خاطر واحدة مهندسة وولد صغير؟ إيه الكلام الفاضي ده؟”
جلس آدم على المقعد المقابل لها بكل برود، وخلع سترته ووضعها جانباً. نظر إلى والدته وقال بنبرة حاسمة:
“الولد الصغير ده يبقا ياسين آدم عاصم السيوفي… حفيدك يا أمي.”
شحب وجه نائلة وتراجعت خطوة للخلف: “أنت بتقول إيه؟ حفيد مين؟ أنت مكنتش متجوز!”
“أبويا الله يرحمه هو اللي عمل كده.” قالها آدم بمرارة وغضب مكتوم. “من خمس سنين، لما عرف إني بحب ليلى منصور وعايز أتجوزها، راح لها من ورايا وهددها وادّاها شيك بـ 5 مليون جنيه، وكذب عليها وقال لها إني بايعها عشان صفقة أرض التجمع ومكسوف أواجهها. ليلى مشيت وهي حامل في ابني، وأنا عشت خمس سنين فاكر إنها غدرت بيا… أبويا دمر حياتي وحياة ابني عشان خاطر البيزنس.”
أدارت نائلة وجهها، ولم تبدُ على وجهها علامات الصدمة الكاملة، مما جعل آدم يضيق عينيه بشك:
“أنتِ كنتِ عارفة يا أمي؟”
صمتت نائلة لثوانٍ، ثم قالت بنبرة باردة تحاول إخفاء ذنبها:
“أبوك كان شايف مصلحتك يا آدم! ليلى كانت بنت من منطقة شعبية، مالهاش ضهر ولا عيلة تسندك في السوق. إحنا عيلة السيوفي، مكن ينفع تتجوز واحدة مجهولة وتضيع صفقة التجمع اللي وقفت الشركة على رجليها تاني! أبوك عمل الصح عشان يحميك.”
وقف آدم وعيناه تشتعل بالرفض: “يحميني؟ يحميني من إني أكون أب؟ يحميني من الست الوحيدة اللي أحبها؟ أبويا مات بجلطة بعد أسبوع من سفرها، وكأنه عقاب ربنا ليه على الكسرة اللي كسرها لبنت ملهاش ذنب! أنا مش هكمل في اللعبة دي يا أمي. أنا سبت لارا، وشغلي في الشركة هيفضل زي ما هو، لكن حياتي الشخصية ليلى وياسين هما عنوانها من النهاردة. لو مش هتقبلي بيهم في البيت ده… أنا هسيب البيت والشركة كلها.”
صدمت نائلة من نبرته القاطعة. كانت تعلم أن آدم هو العمود الفقري لشركات السيوفي، وبدونه ستنهار الإمبراطورية العقارية في شهور. تراجعت وقالت بقلة حيلة:
“والصحافة؟ وسوق العقارات؟ وعيلة لارا اللي بتهدد بفسخ العقود المشتركة؟”
“خليهم يفسخوا اللي عايزينه.” قال آدم وهو يتجه نحو الباب. “السوق بيحترم القوي، وأنا عمري ما هكون أقوى من دلوقتي وأنا ابني في حضني.”
في اليوم التالي، توجه آدم إلى الفندق حيث تقيم ليلى. كان يحمل في يده ملفاً كبيراً. عندما فتحت ليلى الباب، كانت تبدو مرهقة، ولم تنم طوال الليل من التفكير.
دخل آدم وجلس، ثم طلب من ياسين أن يلعب في الغرفة المجاورة لبعض الوقت. نظر إلى ليلى وقال:
“أنا واجهت أمي وعرفت كل حاجة. أبويا فعلاً هو اللي خطط لكل ده، وأمي كانت عارفة. أنا بعتذر لك يا ليلى… بعتذر لك عن كل وجع وكل لحظة خوفتي فيها لوحدك في الغربة وأنتِ شايلة ابني.”
نظرت إليه ليلى بحزن، وقالت:
“الاعتذار مش هيصَغّر ياسين يا آدم، ولا هيرجع الأيام اللي كنت بشتغل فيها 18 ساعة في دبي عشان أثبت لنفسي وللعالم إني مش البنت الضعيفة اللي أبوك رما في وشها شيك وطردها. أنا عملت اسمي بنفسي، وبقيت مهندسة كبيرة ومش محتاجة فلوس عيلة السيوفي.”
ابتسم آدم بخرق وقال: “أنا عارف إنك مش محتاجة فلوس، أنا اللي محتاج وجودك. ليلى… أنا خلعت الدبلة ومستعد أخسر كل حاجة عشان نبدأ من جديد. أنا مش بطلب منك ترجعيلي علطول، أنا بطلب منك تديني فرصة أكون أب لياسين… وفرصة أثبت لك إن آدم اللي حبيتيه زمان لسه عايش، بس بقى أقوى وماحدش يقدر يتحكم فيه.”
أخرج آدم الملف وضعه أمامها: “ده اعتراف رسمي مني بنسب ياسين، وقدمت الأوراق للمحكمة عشان شهادة ميلاده تتعدل ويكون اسمه ياسين آدم السيوفي. ده حق ابني، ومش هتنازل عنه.”
نظرت ليلى إلى الأوراق، ثم نظرت إلى آدم. رأت في عينيه الصدق والندم والحب الذي لم ينطفئ رغماً عن كل السنين. تنهدت وقالت:
“ياسين بيحبك… من أول ما شافك وهو بيقول إنك شبهه. أنا مش هحرم ابني من أبوه يا آدم… بس إحنا محتاجين وقت.”
“معانا العمر كله يا ليلى.” قالها آدم وهو يشعر بغصة الفرح تخنق صوته.
مرت ستة أشهر على ذلك اليوم المشهود.
الصحافة تحدثت كثيراً عن الانفصال المفاجئ بين الملياردير آدم السيوفي ولارا، وعن ظهور “المهندسة العالمية ليلى منصور” مجدداً في حياته. حاول المنافسون استغلال الموقف لضرب أسهم شركة السيوفي، لكن آدم أثبت ذكاءه وحنكته؛ حيث أعلن عن مشروع عقاري ضخم جديد بتصميم مبتكر من مكتب ليلى منصور في دبي، مشروع صديق للبيئة يخدم الأسر المتوسطة، تماماً كما كانت تحلم ليلى في لقائهما الأول منذ خمس سنوات. النجاح الساحق للمشروع أخرس كل الألسنة.
وفي يوم مشمس وجاف من أيام القاهرة، وتحديداً في حديقة فيلا آدم الجديدة بالشيخ زايد، والتي اختارها بعيداً عن صخب قصر جاردن سيتي ليصنع فيها ذكريات جديدة، كانت هناك حفلة صغيرة مقتصرة على الأصدقاء المقربين.
ياسين، الذي أصبح يرتدي ملابس أنيقة تشبه ملابس والده، كان يجري في الحديقة ممسكاً بطائرة ورقية، ويضحك بصوت عالٍ. “السيدة نائلة” كانت تجلس على مقعد جانبي، تنظر إلى حفيدها بابتسامة خفيفة بدأت تتسلل إلى وجهها الصارم بعد أن غلبها سحر الصغير وشبهه الكبير بوالده.
وقف آدم بجانب ليلى، وكانا ينظران إلى ابنهما. ليلى كانت ترتدي فستاناً أبيض ناعماً، وشعرها يتطاير مع النسمات الخفيفة.
التفت آدم إليها، وأخرج علبة قطيفة صغيرة من جيبه، وفتحها ليظهر خاتم زواج ألماسي رقيق جداً، ليس ضخماً ولا مبالغاً فيه، بل يشبه بساطتها وقوتها.
“خمس سنين ضاعوا في الفراق يا ليلى… والنهاردة، قدام ابننا، وقدام الدنيا كلها، بطلب منك تكوني مراتي وشريكة حياتي وأم أولادي اللي جايين. تقبلي تبدأي معايا الفصل الجديد من عمرنا؟”
نظرت ليلى إلى الخاتم، ثم إلى ابنهما الذي توقف عن الجري وجاء ليقف بجانبهما ممسكاً بيده يدهما معاً. ابتسمت ليلى ابتسامتها الساحرة التي ظهرت فيها غمازتها، وقالت وعيناها تلمعان بدموع السعادة:
“موافقة يا آدم… موافقة لأن الحكاية دي كان لازم تنتهي النهاية الصح.”
أخذ آدم الخاتم ووضعه في إصبعها، ثم رفع ياسين وحضنهما معاً بقوة، في لقطة التقطتها عدسة كاميرا صديق مقرب… لقطة لم تكن لصفقة عمل، ولا لبرستيج زائف، بل لعائلة تجمعت بعد شتات، لتثبت أن الحب الصادق قد يتأخر، ولكنه يعود دائماً ليأخذ مكانه الصحيح.
نهاية الرواية.
—————————————————
#انجي_الخطيب
شكراً لكل المتابعين على التفاعل الجميل! وبكده نكون وصلنا لنهاية قصة آدم وليلى وياسين، نهاية سعيدة تليق بقلوبهم. استنوني في رواية جديدة وقصة أقوى قريباً
جداً! متنسوش رأيكم في الكومنتات 👇 زير التفاعل 🔥❤