السر المدفون في الجبس حكايات شروق خالد
ريحة العفن اللي كانت طالعة من أوضة الطوارئ رقم ٢ مكنتش تِتِتحمل، ريحة تقلب البطن وتجيب الغثيان، بس الصدمة الحقيقية لما مسكت المقص وقطعت الجبس المقرف والمتبهدل اللي على إيد الواد الصغير اللي عنده ٨ سنين.. أول ما الجبس اتفتح واللي جواه وقع على الأرض المعقمة، الممرضات اللي بقالهم عمر في المستشفى وشافوا أهوال، صرخوا صرخة واحدة ورجعوا لورا من كتر الرعب والزهول.
الريحة كانت مالية طرقة الطوارئ من قبل ما السرير المتحرك يعدي حتى من الباب الإلكتروني للمستشفى.
ريحة مسكرة على زناخة، تقيلة لدرجة إنك تحس إنك بتمدغها في بؤك. كشافات النيون كانت بتزن فوق مكتب التمريض، وأرضية المستشفى لسه فيها ريحة الكلور والديتول النفاذة اللي الدكاترة بيحاولوا يداروا بيها أي مصيبة، بس الريحة المرة دي كانت ريحة موت وعفن حقيقي، جاية مع السرير اللي بيجروا بيه ناحيتنا.
أنا الدكتورة سارة.. بقالي ٨ سنين شغال في طوارئ مستشفى “الشفاء” في حي راقي كدة في القاهرة، من نوعية الحتت اللي الأهالي بيجوا فيها مرعوبين لو ابنهم اتخبط في النادي وهو بيلعب كورة، أو لو البنت حرارتها عليت شوية قبل العشا.
شفت حوادث طرق، وحروق، وإصابات صعبة من اللي بتعلم في الدماغ وتخليك تروح بيتك مش عارف تنام مهما وقفت تحت الدش تغسل في نفسك.
بس الواد اللي دخلوا بيه أوضة الطوارئ رقم ٢ ده.. وقف الدم في عروق المستشفى كلها.
“دكتورة سارة، الحقينا بسرعة!”.. قالها حازم وهو بيجري وكاتم نفسه بإيده فوق الكمامة. حازم ممرض عنده ٢٤ سنة، جسمه عريض زي لاعيبة الكورة، بس وشه وقتها كان قالب على لون الورق المبلول من الخضة. وقال بصوت واطي: “حالة أطفال.. ولد ٨ سنين، أمه بتقول دور برد عادي، بس نبضه ١٤٠، وحرارته داخلة في ٤٠، وضغطه بيقع ومش بيستجيب لينا خالص.”
وبعدين بلع ريقه بصعوبة وهمس: “المصيبة في دراعه!”
أول ما فتحت الباب الأزاز بتاع الأوضة، الريحة خبطت في وشي كأنها قلم كبس على نفسي.
على السرير كان فيه ولد صغير، من كتر ما هو دبلان يبان عنده ٥ سنين مش ٨. شفايفه مشققة، وجلده دبلان وناشف زي قشر البصل من كتر ما هو عيان ومهمَل بقاله كتير. عينيه كانت مفتوحة بس مش بيبص على السقف، كان سارح في دنيا تانية خالص بعيد عن الأوضة.
دراعه اليمين كله، من أول صوابعه لحد فوق الكوع، كان متقفل عليه بجِبس غامق.
ومكنش جبس نضيف من بتاع الأطفال اللي بيبقى ملون ومكتوب عليه أسامي أصحابه في المدرسة.
لأ.. ده كان مسوِد، ومتغطى بطبقة طين، وفيه بقع غامقة مدورة كأنها دم ناشف. أطراف الجبس كانت دايبة ومشرشرة وغارزة في جلده الورم اللي قالب على زرقان، وأطراف صوابعه كانت زرقا تماماً.. لما درست على صوابعه، الدم مارجعش فيها تاني.
الورق بتاع الاستقبال كان مكتوب فيه: الساعة ١٠:٤٧ الصبح، سخونية أطفال، احتمال يكون دور برد. والتقرير المبدئي مكتوب فيه إن الأم بتقول “شوية وجع بسيط”. بس ميرفت، رئيسة التمريض اللي ياما شافت، كانت معلمة بالقلم الجاف بخط تخين تحت كلمتين: “توقف في الدورة الدموية” و”ريحة عفن نفاذة”.
سألت بزعيق مكتوم: “الجبس ده محطوط بقاله قد إيه؟”
الأم كانت واقفة في ركن الأوضة، ماسكة في إيدها كوباية قهوة من براند غالي.
مدام فريدة كانت واقفة ولا كأن فيه مصيبة حواليها: لابس بلوفر شيك، وعقد لولي، وشعرها متسرح على الشعرة، وضوافرها معمول فيها مانيكير غالي. بصت لي بابتسامة صفرا باردة، من نوعية الناس اللي فاكرة إن الشياكة والذوق ممكن يداروا على الكوارث.
وقالت برقة مستفزة: “يا دكتورة ده بقاله شهر تقريباً.. هو شقي ودايماً بيقع من على الشجر في الجنينة ورا الفيلّا. إحنا جينا بس عشان لقيته دافي الصبح، تلاقيه دور برد من بتوع تغيير الفصول.”
شهر؟ الشهر ميعملش كدة! والشهر ريحته متبقاش بالعفونة دي!
قلت لها وأنا بحاول أخلي صوتي ناشف عشان العصبية مش هتنقذ طفل بيموت: “يا مدام، ابنك عنده تسمم في الدم.. الجبس ده لازم يتشال فوراً، وإلا الواد ده ممكن دراعه يتبتر.. ده لو عاش أصلاً!”
الابتسامة اختفت من على وشها فجأة.
وقالت: “لأ طبعاً.. الدكتور بتاعه قال يقعد أسبوعين كمان.. اديله مضاد حيوي وإحنا هنمشي.”
ميرفت كانت حاطة كمامتين فوق بعض ودهنت زيت نعناع تحت مناخيرها عشان تستحمل، ومع ذلك إيدها كانت بترتعش وهي بتركب جهاز الضغط للولد. حازم كان بيكتب المؤشرات الحيوية بسرعة وأنا بطلب مضادات حيوية قوية ومحاليل على وجه السرعة وبكلم دكتور جراحة أطفال يجيلنا فوراً.
الشغلانة دي بتعلمك تتحرك وتنقذ اللي قدامك قبل ما تنهار.
بصيت بصة سريعة بين صوابع الواد الزرقا والميتة، وبين عيون أمه الباردة اللي مفيهاش دمعة واحدة.. وفجأة افتكرت حالة من ٣ سنين.. عيل تاني، وحجة تانية من الأهل، وغلطة أنا فوتها عشان صدقت كلام الكبار وقتها..
فيه غلطات بتتحول لكوابيس بتطاردك طول عمرك.
قلت لميرفت بصوت واطي: “كلمي الأمن ييجي فوراً.. وهاتيلي منشار الجبس.”
الأم أول ما سمعت كدة، هجمت عليا قبل ما الأمن يوصل حتى.
صوتت وقالت: “أنتِ مش هتلمسيه! أنا هوديكم في داهية وهقفل المستشفى دي!”
ميرفت وقفت في وشها وحجزتها: “ارجعي ورا يا مدام لو سمحتي.”
اتنين من أمن المستشفى دخلوا الأوضة بسرعة وخدوا الأم على الحيطة وهي عمالة تصرخ وتشد في البلوفر الشيك بتاعها. الواد الصغير مكنش فيه أي رد فعل، ولا اتهز، وده اللي رعبني أكتر من صريخ أمه.
وفجأة، نبرة صوت الأم اتغيرت تماماً.. وبقت تترجى بصوت مرعوب:
“بلاش تفتحيه.. أبوس إيدكم بلاش تفتحوه!”
صوت منشار الجبس اشتغل وطلع زنة عالية هزت الأوضة.
كل اللي واقفين صنموا في مكانهم. حازم واقف جنب ترابيزة الأدوية كتافه مشدودة وعينيه مدمعة من ورا الكمامة. ميرفت ماسكة معصم الولد بالراحة كأنها ماسكة حتة أزاز خايفة تتكسر. واحد من الأمن باصص على جهاز ضربات القلب وسايب الأم، والتاني حاطط إيده في جنبه وخايف يلمس أي حاجة في الأوضة.
الBlade بتاع المنشار بدأ يقطع في الجبس المقرف، وطلع غبار أسود وريحة كتمت النفس. الجبس مكنش طبيعي.. كان سميك جداً ومحطوط فوق بعضه بطريقة غريبة ومستحيل دكتور يكون عاملها. كنت بقطع براحة وعرقي نازل تحت الكمامة وعيني بتدمع من كتر ريحة العفن الكيماوي اللي طالعة من جوة.
حازم مجاش ليه نفس وتقلب ومبقاش قادر يستحمل، فرجع خطوتين لورا ناحية الطرقة. وميرفت لفت وشها الناحية التانية لثانية، وبعدين جمدت ورجعت تبص تاني.
الساعة ١٠:٥٨ بالظبط.. الجبس طق واتفتح.
مسكت الملقط الكبير وبدأت أوسع الجبس وأشده لبرة..
وفي اللحظة دي.. أوضة الطوارئ رقم ٢ كلها سكتت سكوت الموت.
فيه سلسلة حديد مصدية كانت ملفوفة جامد حوالين معصم الواد الصغير.. مستخبية تحت الجبس في مكان مستحيل يكون فيه حديد!
وكان قفل حديد تقيل وضخم ضاغط على لحمه من تحت السلسلة.
وتحت القفل ده بالظبط.. ومقفول عليه جوة الجبس المتدمر.. كيس بلاستيك أسود صغير.
الأم صريخها وقف وفجأة قطعت النفس تماماً.
ميرفت بصت لي بصة سريعة، وعينيها كانت بتقول إن دي مش غلطة طبية.. دي مصيبة وجريمة تانية خالص.
مديت إيدي الجوانتي وبدأت أسحب الكيس البلاستيك بالراحة من تحت القفل.. وأول ما الكيس اتحرك وطلع في إيدي، الحاجة اللي جواه بدأت تزحلق وتتزحزح وهتقع على الأرض المعقمة..
لمتابعه باقي الروايه ومعرفه من الذي يحدث مع الطفل صلى على النبي في الكومنتات وارفع البوست ب 10 كومنتات تصلك الروايه فورا
الكاتبه شروق خالد
مددتُ يدي المرتعشة وسحبت الكيس الأسود بالكامل. القفل الحديدي كان قد حفر مجرىً غائراً في لحم الطفل، والجلد حوله كان متآكلاً تماماً ومتعفناً، وهو مصدر تلك الرائحة “المسكرة على زناخة” التي ملأت الطوارئ.. رائحة الغنغرينا والموت الخلوي.
انفتح طرف الكيس البلاستيكي الذائب بفعل السوائل والحرارة، وسقط منه على الأرض المعقمة شيءٌ جعل الغرفة بأكملها تبدو وكأنها خلت من الأكسجين في ثانية واحدة.
لم يكن لحماً بشرياً، ولم يكن مجرد أداة تعذيب..
سقطت **أوراق قديمة ملتوية مكتوبة بمداد أحمر باهت يميل للبني (دم ناشف)، ملفوفة حول خصلات شعر كثيفة، ومعها بقايا عظام صغيرة جداً لحيوان نافق، وإبر صدئة مغروزة في قلب قطعة جلدية مجففة عليها طلاسم غير مفهومة!**
لقد كان **”سحراً سفلياً”** مدفوناً داخل جسد الطفل! الجبس لم يكن لعلاج كسر، بل كان غطاءً بشعاً لصنع “عمل” أو حِجاب حيّ، مستغلين براءة جسده وضعفه ليكون حاملاً لعنة في لحمه ودمه!
ساد صمت مرعب، قطعته ميرفت بشهقة مكتومة وهي تتراجع للخلف وتكاد تسقط، بينما حازم خرج مسرعاً إلى الطرقة ليتقيأ. فرد الأمن قبضته على ذراع الأم بقوة وهو يهمس بذهول: “يا ساتر يا رب.. إيه القرف ده؟!”
التفتُّ إلى الأم (مدام فريدة). الشياطين التي كانت تخفيها وراء طقم اللولي والبراند الغالي ظهرت كلها في عينيها. لم تعد تبكي أو تصرخ، بل كانت تنظر إلى الكيس الساقط على الأرض بنظرات رعب حقيقي، وشفاه ترتجف بكلمات مبهمة وهي تهز رأسها يميناً ويساراً: “لو اتفك.. لو اتفك هيعرفوا.. هيموتني.. هو اللي قالي اعملي كدة عشان الفلوس متضيعش!”
لم يكن لدي وقت لأفهم من هو “هو”، أو أي طقوس شيطانية قادت هذه المرأة للتضحية بابنها. الطفل كان يحتضر أمامي.
“ميرفت! فوقي معايا!” صرختُ بها وأنا ألقي بالمقص جانباً، “الواد بيموت، صدمة تسممية (Septic shock)، جهزي الأدرينالين فوراً، والمحاليل تمشي بأقصى سرعة! كلمي العمليات فوراً، دراعه لازم يتنظف ويتشال منه الحديد ده حالا، واحتمال البتر بقا 90%!”
في تلك اللحظة، تحولت غرفة الطوارئ إلى ساحة معركة. حازم عاد ووجهه شاحب لكنه تماسك وبدأ يعاون ميرفت. قمنا بتركيب قسطرة وريدية مركزية بسرعة فائقة، وجهاز مراقبة النبض كان يصدر زمارة متسارعة ومرعبة (150.. 155.. ثم بدأ ينخفض فجأة بشكل حاد: 80.. 60..).
“القلب بيقف!” صرخ حازم.
بدأتُ بعمل إنعاش قلبي رئوي (CPR) للجسد الصغير الهزيل. كنت أضغط على صدره وأنا أشعر بعظامه الضعيفة تتحرك تحت يدي، وعيني لا تفارق وجهه الشاحب. كنت أقول في سري: *يا رب.. ليس هذا الطفل.. لا تتركني أعيش كابوساً آخر*.
بينما كنت أضغط، دخل دكتور “طارق” استشاري جراحة الأطفال ومعه طاقمه بعد أن بلغه نداء الاستغاثة. أول ما وقعت عينه على ذراع الطفل وعلى الكيس الملقى على الأرض، تجمد في مكانه لثانيتين، ثم استوعب الموقف كجراح مخضرم: “سارة، استمري في الإنعاش! حازم، جهزوا نقالة العمليات، مفيش وقت.. العمليات هتبدأ هنا حالا لو القلب مارجعش!”
بعد دقيقة من الضغط المتواصل وضخ الأدرينالين، أصدر الجهاز صوتاً طويلاً.. ثم عاد النبض تدريجياً، واهناً ولكنه موجود.
“النبض رجع! يلا على العمليات فوراً!” صرخ دكتور طارق.
تحرك السرير بسرعة البرق نحو الممر المؤدي للعمليات، وفي تلك الأثناء، كان رجال أمن المستشفى يثبتون الأم التي بدأت تلطم على وجهها وتصرخ بهستيريا وتخرف بكلمات غير مفهومة عن “البيت القديم” و”الشيخ” و”الدم اللي لازم يفضل مستخبي”.
استغرق الأمر 4 ساعات كاملة داخل غرفة العمليات. دكتور طارق وفريقه قاموا بمعجزة.. نجحوا في إزالة السلسلة والقفل بدون قطع الشرايين الرئيسية، وقاموا بتنظيف الأنسجة الميتة (Debridement) بشكل واسع. لحسن الحظ، وبمعجزة إلهية، الدم بدأ يتدفق ببطء شديد مرة أخرى إلى أطراف الأصابع بعد إزالة الضغط الرهيب، مما أتاح فرصة لإنقاذ الذراع من البتر، وإن كان الطفل سيحتاج لعمليات تجميل وزراعة جلد طويلة لاحقاً.
خرجتُ من غرفة العمليات في تمام الساعة 3:30 فجراً. خلعتُ الكمامة والقفازات وأنا أشعر أن جبالاً تجلس فوق كتفي.
في طرقة المستشفى، لم تعد الأم موجودة. كان هناك ضباط من المباحث ورجال الشرطة يقفون حول مكتب التمريض. رئيس المباحث تقدم نحوي وقال: “دكتورة سارة؟ أنا المقدم أحمد.. إحنا حرزنا الكيس اللي طلع من الجبس، والأم حالياً في الحجز بعد ما اعترفت بحاجة متدخلش العقل!”
نظرت إليه بتعب: “قالت إيه يا فندم؟”
تنهد الضابط وقال وعلامات الاشمئزاز على وجهه: “جوزها.. رجل أعمال معروف، اتضح إنه بيمارس أعمال الدجل والسحر السفلي لتوسيع تجارته. الشيخ بتاعه قالهم إن عشان الثروة تزيد وتفضل محمية، لازم “العمل” يتدفن في جسد حي من دمه، ويكون في مكان مقفول ومظلم وميتشمش ليه ريحة.. الأم طوعته، وافتعلوا خبطة الولد، وراحوا لدجال عملهم الجبس ده فوق السلسلة والكيس، وفضلوا سايبينه شهر كامل والواد بيتعذب وبيموت بالبطء ده عشان الفلوس والوهم!”
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي كله. كيف لأم وأب أن يتحولا إلى مسوخ بشرية بهذا الشكل؟
“والطفل؟” سألني الضابط.
قلت بنبرة هادئة ولكنها حاسمة: “الطفل حالياً في العناية المركزة، المؤشرات الحيوية بدأت تستقر.. ذراعه تم إنقاذه مؤقتاً، لكنه محتاج وقت طويل عشان يتعافى جسدياً.. أما نفسياً، فأعتقد إنه عمره ما هينسى إن أهله كانوا بيدفنوا الموت في جسمه وهو عايش.”
تأكدتُ في تلك الليلة، وأنا عائدة لبيتي وشمس الصباح تبدأ في الشروق، أن مستشفى الطوارئ لا يستقبل فقط ضحايا الحوادث والأمراض.. بل أحياناً، يستقبل ضحايا شياطين الإنس، وأن مهنتنا ليست فقط للعلاج، بل لإنقاذ الأرواح من ظلمات لا يتخيلها عقل بشر.
حكايات شروق خالد
مرت ثلاثة أيام على تلك الليلة المشؤومة.
كانت الممرات في مستشفى “الشفاء” قد استعادت هدوءها النسبي، ورائحة الكلور عادت لتطغى على المكان من جديد، لكن “غرفة الطوارئ رقم ٢” ظلت في نظرات التمريض والدكاترة وكأنها بقعة ملعونة. لا أحد يمر من أمامها إلا ويقرأ المعوذتين أو يتذكر صرخة ميرفت الحادة.
كنت واقفة في العناية المركزة للأطفال، أنظر من وراء الزجاج إلى السرير رقم ٤.
الطفل “ياسين”.. هذا هو اسمه الذي عرفناه من واقع التحقيقات.
كان جسده الصغير يبدو ضئيلاً جداً وسط الأجهزة المحيطة به. ذراعه اليمين مرفوعة على وسادة طبية، ملفوفة بشاش أبيض نظيف، والمحاليل والمضادات الحيوية تسري في أوردة يده الأخرى لتقاتل ما تبقى من سموم في دمه. جهاز مراقبة النبض كان يصدر نغمات منتظمة وهادئة.. (92.. 93..).. نغمات تعني الحياة.
فتحتُ الباب الزجاجي ودخلت بخطوات هادئة. التفتت إليّ الممرضة “وفاء” التي كانت تتابع حالته وابتسمت بتعب: “صباح الخير يا دكتورة سارة. النبض مستقر، والحرارة نزلت لـ ٣٧.٢ لأول مرة من تلات أيام.”
تنفسْتُ الصعداء وقلت: “والوعي؟ بدأ يفوق؟”
ردت وفاء: “بيفتح عينيه من وقت للتاني، بس مش بيتكلم.. نظراته بتوجع القلب يا دكتورة، بيبص للسقف ودموعه بتنزل في صمت.”
اقتربتُ من السرير، وجلست على طرف الكرسي المجاور له. لمستُ جبهته برفق، كانت دافئة وطبيعية. وفجأة، تحركت عيناه الصغيرتان والتقت عيناه بعيني.
لم تكن نظرات طفل في الثامنة من عمره.. كانت نظرات رجل عجوز عاش مائة عام من العذاب. نظر إلى ذراعه الملفوفة بالشاش، ثم نظر إليّ، وبلسانه الثقيل المشقق همس بكلمة واحدة زلزلتني:
“شالوه؟”
انعقد لساني لثانية، ثم بلعت ريقي ورسمت ابتسامة حانية وقلت له: “آه يا حبيبي شالوه.. شلنا الجبس، وشلنا الحديد، ودراعك بقا نضيف وزي الفل.. مفيش وجع تاني خلاص.”
نزلت دمعة ساخنة من طرف عينه، وأومأ برأسه ببطء شديد، ثم همس بصوت يرتجف: “بابا كان بيقولي لو صرخت.. الشياطين هتاكلك في الضلمة.. أنا مكنتش بصرخ يا دكتورة.. كنت بستحمل الوجع والنار اللي في دراعي عشان الشياطين ماتاكلنيش.. بس هما برضه سابوني في الضلمة.”
في تلك اللحظة، شعرت بغصة في حلقي كادت تخنقني. دموعي خانتني ونزلت رغماً عني تحت الكمامة. مَسحتُ على رأسه وقلت: “أنت بطل يا ياسين.. أقوى بطل أنا شفته في حياتي. والضلمة خلاص مشيت، ومفيش أي حاجة هتقدر تأذيك تاني.. أنا معاك، وكلنا هنا معاك.”
أغمض عينيه واستسلم لنوم عميق، لكن هذه المرة كان مظهر وجهه مسترخياً، وكأنه ألقى بحمل ثقيل كان يهد جبلًا.
خرجتُ من العناية المركزة لأجد المقدم أحمد ينتظرني في الاستراحة ومعه دفتر صغير. كان وجهه مرهقاً وعينيه حمراوين من قلة النوم.
“دكتورة سارة، حمد الله على سلامة البطل الصغير”، قالها وهو يقف ترحيباً.
“الله يسلمك يا فندم. طمني.. التحقيقات وصلت لإيه؟” سألته وأنا أجلس على المقعد المقابل له.
تنهد المقدم أحمد وقال بغضب مكتوم: “القصة طلعت أكبر وأبشع مما نتخيل. قبضنا على الأب (شريف الهواري) في فيلته في التجمع. كان بيحاول يهرب برة البلد بعد ما عرف إن مراته اتقبض عليها. الفيلّا بتاعته لقينا فيها غرف سرية تحت الأرض.. ميزان قوى، وكتب سحر أسود، ومقابر لحيوانات نافقة.. الراجل ده كان شريك في شبكة دولية لغسيل الأموال، واقتنع من دجال مغربي إن عشان الثروة دي تتحصن من “العين” والحكومة، لازم يتعمل سحر دم سفلي مدفون في عظم ولحم طفل بكر من صلبه، ويتأفل عليه بقفل حديد سبع شهور!”
أمسكتُ برأسي من فرط الصدمة: “سبع شهور؟! يعني الواد ده كان هيفضل بالمنظر ده ست شهور كمان؟!”
رد الضابط بحسم: “كان هيموت في ظرف أسبوع لو مدخلش المستشفى عندك. الأم اعترفت بكل حاجة.. كانت شريكة معاه في كل خطوة عشان خايفة على العز والفلوس. النيابة وجهت ليهم تهمة الشروع في القتل، والتعذيب، واستخدام الدجل والشعوذة، وحالياً هما الاتنين في السجن المركزي، والقضية هتحول لمحكمة الجنايات خلال أيام.”
صمت الضابط لثانية ثم أضاف: “المجلس القومي للأمومة والطفولة تولى قضية ياسين، وبمجرد ما يتعافى جسدياً، هيتنقل لمصحة نفسية متخصصة لإعادة التأهيل، وتحت حراسة مشددة عشان نضمن إن مفيش حد من قرايب الأب يقرب له.”
مر شهر كامل.
جاء اليوم الذي تقرر فيه خروج ياسين من المستشفى للانتقال إلى مركز التأهيل. كان ذراعه قد بدأ يستجيب للعلاج الطبيعي بعد عدة عمليات ترقيع جلدي ناجحة أجراها دكتور طارق.
كنا جميعاً واقفين في الممر: أنا، وميرفت (التي أحضرت له علبة ألوان وكراسة رسم كبيرة)، وحازم (الذي أهداه كرة قدم ووعده أن يعلمه اللعب بها عندما يشفى تماماً).
كان ياسين يرتدي ملابس جديدة ونظيفة، ملامحه تغيرت، وعاد الدفء إلى وجهه الصغير. قبل أن يركب السيارة التابعة للمجلس القومي، التفت إليّ وركض نحو حضني. غمرني بذراعيه الصغيرتين (بما فيهم ذراعه المصابة التي ضغط بها برفق).
همس في أذني: “شكراً يا دكتورة سارة.. أنتِ اللي طفيتي النار اللي كانت في دراعي.”
ابتسمتُ والدموع في عيني وقلت له: “خليك قوي دايماً يا ياسين.. وافتكر إنك بطل.”
شاهدتُ السيارة وهي تبتعد وتختفي وسط زحام شوارع القاهرة. تنفستُ بعمق ونظرت إلى السماء الصافية.
مهنتنا في الطوارئ قاسية، ترينا أبشع ما في النفس البشرية من غدر وجشع، لكنها أيضاً تمنحنا الفرصة لنكون الأداة التي ينتشل بها القدر نفساً بريئة من قاع الهلاك إلى نور الحياة.
التفتُّ إلى ميرفت وحازم وقلت بابتسامة متعبة: “يلا بينا.. الطوارئ مابتستناش، تلاقيه فيه حالة جديدة وصلت.”
السر المدفون في الجبس
حكايات شروق خالد